الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 بعد مجموعة قصص «الطحلب» و«عصفور الثلج» قدم ابراهيم مبارك مجموعته القصصية «خان» ضمن منشورات اتحاد كتاب وادباء الامارات ليروي عبر سطورها حكاية أخرى عن الدولة التي شاءت ان تنهض وتكون.. وليكمل قصة الانسان الذي لم تنته خطواته على دروب الآلام والمعاناة فيصل بشخصياته القصصية الى صحراء اليأس المفروشة برمل الأسى وبالماء السراب.. وحين يدفع بهم الى ما وراء الحدود والى خواتيم النهاية لا يبقى بينهم وبين وردة الحلم سوى مسافة من المستحيل تتشابه فيها الجهات وتتساوى عليها المكابدات.. فهو يقول في قصة«مسافة الحلم، مسافة الرؤيا»: «آه.. آه.. تأتيه احزانه من زوايا الدنيا الأربع..!..». ويعلن في بداية قصة «زليخة» بأن: «الجنوب الشمال، الجهات الأربع غبار، الرمل يمتد يمتد حتى الأفق، الصحراء نار، البحر سراب..» هكذا تبدو معالم انسداد الطرق امام ابطال ابراهيم مبارك في مجموعة «خان» وهكذا تتقطع بهم السبل وهم يحاولون اجتياز مناطق اوجاعهم المزمنة وحين تصدمهم الآفاق وهي تومض لهم بالمستحيل يهمس الكاتب لأحد أبطاله: «كم تحتاج من الوقت.. ما أبعد القمر عن الأرض!» وكأنه ينتظر منه فعلاً اسطورياً أو معجزة لا أحد يقوى على تحقيقها وانجازها بعيداً عن المنظومة الجماعية وارادتها الحرة التي افتقدتها قصص مجموعة «خان» بعدما ظهر ابناؤها متناثرين فرادى في مواجهة ظروف حياتهم القاسية والصعبة فظلوا متسربلين بمعاناتهم وبقيت صراعاتهم ضد ازماتهم غير منتهية وغير محسومة.. ففي القصة الاولى «حمود» يبقى الأب مسجونا حتى النهاية، وفي قصة «السور» تبقى مأساة الابن ومعاناة الأب غير منتهية. وفي قصة «مسافة الحلم مسافة الرؤيا» يبقى بطل القصة محمد غلوم مراد مشتعلاً في جحيم زفافه الى من لا يحب، والمجتمع من حوله يرقص فرحاً وطرباً دون ان يدري بمعاناته المرة التي قلبت حياته كلها.. ونخطيء اذا حصرنا هذه المعاناة المجسدة بمجموعة خان بالبيئة المحلية الاماراتية وحدها، بل من الناحية الجغرافية يبدو الأمر مختلفاً تماما اذ يتابع الكاتب شخصياته ويلاحقهم ليرصد كنه ما يعتريهم محليا ثم يقترب من حال بعض الدول العربية المتردية اقتصاديا كما هو الحال في قصة «السور» والأبنية القديمة ويمتد الى اماكن اخرى غير عربية فيصور بقصة «رسالة حب» علاقة حب بين شاب عربي اماراتي ـ خليجي ـ وبين امرأة لندنية رغم ارتباطه بامرأة اخرى من بنات بلده كانت تنتظر عودته بفارغ الصبر، الامر الذي شكّل مفاجأة للمرأة الانجليزية وجعلها تقفل عائدة الى لندن معلنة انها لا تقوى على العيش في الصحراء وبذلك يكشف الكاتب اختلاف نظرة كل منهما لهذه العلاقة غير المتوازنة من خلال خصوصية المكان والهوية ايضا، ففي الوقت الذي يقول فيه هو: «كنت طفلاً صغيراً بين احضانها احببتها لكنها نفرت مني».. تقول هي: «لم أسط عليك، بل انت الذي تهالك خلفي فكنت لك!».. وتعترف له في سطر رسالتها الأخير: «لم أستطع ان افهم الحياة هناك لم أقدر خصوصية الصحراء، أيها البدوي كم احبك!». انه الحب الذرائعي الذي يعيد الى الاذهان حب مسز كلارك لفرعون الصغير عند محمود تيمور القائم على اساس علاقات برغماتية لطبقة الكمبرادور. وكما ابرز تيمور في قصته خصوصية مصر العقائدية، يبرز ابراهيم مبارك خصوصية الامارات وخصوصية هوية دولتها العربية المتحدة الناهضة على اسس مبدئية وعقائدية تنتمي بموجبها الى محيط امتها الكبير وهي تتفاعل مع الآخر وفق هذه الاسس وقد عبرت المرأة الانجليزية عن هذه الاشكالية بقولها: «لم استطع ان افهم الحياة هناك.. لم أقدر خصوصية الصحراء». وبذلك يتعدى ابراهيم مبارك الخصوصية الجيولوجية ـ الاماراتية ـ والعربية عموماً الى خصوصية العقائد والدين والايديولوجيا.. علما بأن الصحراء لديه تمثل الاصالة والطهرانية ويفصح عن ذلك بصورة جلية بقصة «رجل صدره غربال» فبعد ان يقدم لنا ممارسات المدينة وجرائمها ينطلق لسان المرأة ليقول بفجائعية وأسى: «خلفان، اشعر بضجر، الكآبة تقتلني.. الآن عدت من السوق شعرت وكأنني في مدينة غريبة، الطرقات، المحلات التجارية، السيارات/ المطاعم، كل الزوايا.. تعال نطوف الصحراء، نشتم رائحة الرمل، نستنشق عبير الكثبان، نتسلق أشجار الغاف، نصعد الجبال في القرى البعيدة». وبقصة «زليخة» يواصل الكاتب عرض الحال الانسانية عبر الجغرافية الرحبة فيقدم من مدينة شيراز مأساة زوجين ينشأ سوء تفاهم بينهما وبين رجال الشرطة الذين ساورهم الشك بهما حين كانا يتمشيان في ساعة متأخرة من الليل ويد الزوج سهراب تطوق عنق الزوجة زليخة مما ادى الى اعتراض رجال الشرطة عليهما مطالبين اياهما احضار ما يثبت زواجهما ثم ساقوا الزوجة بعدئذ مع مجموعة من بنات الليل الى سجن النساء! وما قدمه ابراهيم مبارك بعد ذلك في قصة «خان.. شراسة الجبل سلام البحر» التي استحوذت على عنوان المجموعة يعتبر أكثر شمولية ورحابة ويمكن القول ان الكاتب ضمن هذه القصة جملة مواقفه ازاء ماضي الامارات والمتغيرات الطارئة في حاضرها، كل ذلك يتبدى من خلال مجموعة باكستانية افغانية جاءت متسللة من سواحل البحر لتدخل البلاد وتعمل بها بصورة غير شرعية وغير قانونية، وذلك باغراء واستغلال من محمد خان الهام الذي شجعهم وطمأنهم قائلا: «لن يظن بكم احد، لاأحد يحرس الحدود هنا..!». وبعد العبور والصعود بسيارة عامة يجري الحديث بين هؤلاء الداخلين بلغة واصوات غير مألوفة لابن البلد العجوز خميس بن عبيد فيفيض به الحنين الى الماضي بصورة عبر عنها الكاتب قائلا: «الرجل العجوز اخرج رأسه من نافذة السيارة يتفكر في التغيير الكبير الذي حدث لهذا الساحل والصحراء، تؤذيه الاصوات الغريبة التي لا يفهم منها شيئا.. لقد ذهب شيء مهم في حياته، لا اصوات وقتها غير صوت الموج الهاديء». وكي نتعرف نحن الى ما يدور في خلد اصحاب هذه الاصوات الغريبة يكشف لنا ابراهيم مبارك بعض احاديثهم المهمة ليضعنا امام الخطر الذي يتصوره معتبرا احتلال الجزر الاماراتية الثلاث مقدمة لهذا الخطر وينقل على لسان احدى شخصياته وهو اسلم خان العائد من بندر عباس بأنه عاهد غلام مشهدي على العمل بوصية الامام القائل. «نحن ضلع فرجار كبير، هذه القدم الأولى نضعها بكل ثقة على سطح البحر، الجزر كالملائكة ثم القدم الاخرى في المستقبل على اليابسة حتى نصنع دائرة كبيرة يشعر كل من يقع فيها بعظمة الدولة الحلم!». عبر هذا الصوت الذي حرصت مجموعة «خان» ابلاغنا اياه وابرزته حتى على صدر غلافها لتنذر العيون الساهرة على امن الوطن كي لا تغفو ولاتنام.. وقبل النهاية تقدم لنا رجال الشرطة وخفر السواحل والحدود وقد تمكنوا من القاء القبض على هذه المجموعة المتسللة بكمين تم نصبه لهم في الطريق وبعد سجنهم وترحيلهم يعاودون الكرة متسللين فيلقى القبض عليهم ثانية وهكذا عند كل محاولة انه حلم القادمين الى الامارات من وراء البحار كما صورته مجموعة «خان انه حلم الامارات الكبير الذي استجمعت فيه على يابسة دولتها الناشئة اجزاء روحها واعضاء جسدها لتنهض بكامل قامتها على ارض الاماني..انه الحنين الى الماضي الذي كتبه ابراهيم مبارك بتفجع فقالته عنه شخصياته بلسانه وليس بألسنتهم بعد ان غلب على الكلام زخرف القول بقصص بدا في بعضها الحدث غائما كقصة «رائحة الرمل» وفي بعضها فقد الحوار معقوليته وواقعيته كذلك الحوار الذي دار بين الأم وابنها العريس بقصة «مسافة الحلم، مسافة الرؤيا» وفيه ينسب الكاتب الكلام التالي للأم: «صدقني يابني ان سفنك سوف ترسو بأمان في ظل الميناء الجميل الذي تحمله زليخه بين نهديها.. لقد جاءت مجموعة قصصص «خان» بلغة شاعرية رشيقة تفوق مستوى شخصياتها المطروحة التي نقلت الينا حنينهم لحياتهم الماضية ودونت معاناتهم الحاضرة عبر راهن متأزم محيلة مصائرهم ومصائر احلامهم الى مستقبل مفتوح على كافة الاحتمالات. بقلم: أحمد حسين حميدان