الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 تعيش في غابات نيوزيلندا الرائعة طيور نادرة باتت مهددة بخطر الانقراض تماما، كما حدث مع طيور الموة العملاقة التي انقرضت خلال مئة عام فقط من وصول اوائل المستوطنين البولينيزيين حوالي العام 1300 للميلاد.. ومن ابرز هذه الطيور الببغاء النيوزيلندي المعروف باسم «كاكاب»، وهو الببغاء الوحيد في العالم الذي لا يستطيع الطيران، وكذلك أربعة انواع من طيور الكيوي، وهي طيور نيوزيلندية مصغرة عن النعامة، فهي تشبهها في أمور وتختلف عنها في أخرى. تعتبر طيور الكيوي من الطيور التي لا تستطيع الطيران، وهي تختلف عن الطيور الاخرى في وجود منخرين على طرف منقارها الطويل (بخلاف الطيور الأخرى) وريش أشعث كالشعر وبوضعها بيضا كبيرا، يصل وزنه إلى خمس وزن الطير نفسه. اما درجة حرارة جسم الكيوي، فهي اقرب الى الحيوانات الثديية منها إلي الطيور، ويعتقد أنها تحدد منطقة نفوذها بالرائحة، كما تفعل الكلاب. وفي الواقع ان نيوزيلندا تعتبر موطناً للعديد من الطيور الغريبة التي لا تقتصر على طيور الكيوي و«الكاكاب». فهناك طائر يدعى «الملوي المنقار» وهو الطائر الوحيد من نوعه في العالم الذي يمتاز بمنقار ملوي على الجنب (للبحث عن الحشرات تحت الحجارة في منحدرات الجداول). وهناك طائر يدعى «الكاي»، وهو ببغاء جبلي يستطيع أن يمزق ظهر رأس من الضأن او ينزع مطاط النافذة في سيارة متوقفة بمهارة متناهية. والغرائب موجودة كذلك في اوساط الحيوانات اللافقارية في نيوزيلندا. فقد انتجت هذه الجزر فصائل عديدة من الجدجد «صرار الليل» عديم الاجنحة، ويمتلك العديد منها أرجلاً خلفية شوكية تضعها فوق رؤوسها عندما تشعر بالخطر. وتملك ذكور الجدجد هذا زوج من الأنياب الضخمة من أجل منازلة الخصوم. وهناك حلزونات تعيش على اليابسة وهي بحجم القرص المستخدم في لعبة الهوكي على الجليد، وعناكب تعيش في الكهوف والمغاور، حيث تعلق الكيس الذي يحوي بيضاتها في سقف الكهوف الجيرية، واغربها جميعها نوع من الذباب لا يطير. ومن بين اكثر من 150 نوعاً من ديدان الأرض المحلية، هناك نوع يبلغ طوله اربعة اقدام يصدر ضوءا قوياً لدرجة أنه يقال ان احد علماء الحيوان قرأ محاضرة مستعينا بالضوء المنبعث من دودة واحدة. لكن السؤال المهم الذي يتبادر الى الذهن هو: كيف اصبحت هذه الارض موطنا للغرابة؟ يقول علماء البيولوجيا المختصون في النشوء والتطور ان هناك سببين لذلك وهما الحجم والعزلة. فنيوزيلندا تعتبر أكبر ارخبيل بحري في الكرة الأرضية وبالرغم من حجمها، فانها تعد الابعد عن اي كتلة من اليابسة. وتفسح المنطقة الواسعة والطوبوغرافيا المتنوعة المجال أمام قيام عملية الانتقاء الطبيعي بافراز نتائج متنوعة. وتعمل العزلة على تعزيز وحفظ وإدامة النتائج. واجتماع هذه العوامل جعل نيوزيلندا موطناً لتنوع الأجناس ومختبرا للحياة تمارس فيه تجاربها. ان شريحة الأرض التي جرت عليها عملية التطور انفصلت عن بقايا القارة القديمة العظمى المسماة «غونداونا» قبل 80 مليون عام وظلت تبتعد على غير هدى منذ ذلك الحين. وخلال عزلتها الطويلة مرت بفترات من الانغماس في البحر، كان كل ما يظهر حينها من فوق الأمواج هو عبارة عن سلسلة من الجزر المنخفضة والسبخة وفي حلقات من بناء الجبال. وكانت تتجول بين المناطق المدارية والقطب الجنوبي وتحملت عشرات الألوف من السنين في حالة من التجمد العميق. واللافت للنظر في الأمر ان العديد من اللاعبين الاصليين ظلوا في الصورة مثل تواتارا الشبيهة بعظاء الاغوانا والضفادع البدائية عديمة الآذن والتي تفتقر للكفوف بين أصابع اقدامها ولا تستطيع ان تصدر صوت النقيق كبقية الضفادع. هذا بالاضافة الى حيوانات اخرى كثيرة حافظت على وجودها رغم التغيرات التي مرت بها مجموعة الجزر. أما القادمون الجدد، فقد كانوا محصورين بالحيوانات التي تستطيع الطيران او السباحة عبر الحاجز المائي في المحيط للوصول اليها. وباستثناء الوطاويط، لم ينجح اي حيوان من الثدييات في القيام بذلك، ولكن العشرات من الطيور نجحت في ذلك ومن ضمنها اجداد الكيوي والكاكاب. وعلى مر القرون، نزل العديد من هذه الطيور، التي لم تواجه مفترسين من الثدييات لمضايقتها، إلى الأرض. وما ان وصل البشر الى الجزر حتى كان ثلث طيور نيوزيلندا لا يطير او يجد صعوبة في الطيران. وبغياب المنافسة من جانب الحيوانات الكبيرة والمفترسة، اصبحت معظم الاجناس ـ الفقارية واللافقارية ـ حيوانات ضخمة. وعاشت في ظل وتيرة بطيئة من التطور في هذه المنطقة المنعزلة عن العالم. ولكن ذلك العز الذي تمتعت به هذه الحيوانات لم يدم طويلاً. ففي حوالي العام 1300 قبل الميلاد، انكسرت التعويذة التي كانت تحمي هذه البلاد، على ما يبدو. فعبر المحيط الذي منع الثدييات من الوصول الى الجزر طوال 80 مليون سنة، جاء الإنسان على متن قوارب الكانو. وعلى الرغم من وجود دليل على ان البشر زاروا الجزر قبل ذلك بألف عام، إلا ان قدومهم هذه المرة كان بهدف الاستيطان، حيث جلبوا معهم الجرذان والكلاب والحراب والنار. وكان تأثير المستعمرين البولينيزيين مباشراً وكارثياً. وبعد أقل من 500 عام على وصول البولينيزيين، جاء الأوروبيون ومعهم عدة الدمار والخراب، فحولوا نيوزيلندا الى مزرعة لتربية الأغنام والمواشي ومتنزه للصيد. وكان لذلك تأثير مدمر على الحيوان والنبات الأصلي في هذه الجزر، لاتزال تبعاته تؤثر في نيوزيلندا إلى يومنا هذا. ضرار عمير