الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 شهد الشيخ عصام بن صقر القاسمي رئيس دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة مساء أمس ندوة ثقافة الاتحاد «تريم عمران.. نموذجاً» التي أقيمت في قاعة المؤتمرات بمركز اكسبو الشارقة ضمن فعاليات الملتقى الفكري المصاحب لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، وشارك فيها كل من: د. يوسف الحسن الذي يعمل في السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية في دولة الامارات منذ عام 1972 وحتى الآن، والأديب عبدالغفار حسين، كما شهد المحاضرة عبدالله العويس مدير عام الدائرة وقدّم المحاضرة الإعلامي غسان طهبوب. وأكد عبدالغفار حسين في مستهل حديثه أهمية الثقافة وتحديداً معرض الشارقة للكتاب الذي يعتبر تظاهرة ثقافية مهمة بالدولة، ثم انتقل الى موضوع الندوة فاختار عنواناً آخر لحديثه وهو «تريم عمران والثقافة السياسية قبل الاتحاد وبعده» مركزاً حديثه حول الثقافة السياسية التي يعني بها اشتراك المثقف في هموم وقضايا المجتمع فكرياً وعلمياً بدرجة ملموسة وأثر محمود تتحدث عنه غالبية الناس، وهذا ما فعله تريم عمران. بعد ذلك تحدث عبدالغفار حسين عن زمن ارهاصات قيام الاتحاد بالامارات وما تلتها من تداعيات، وقال: برز تريم في هذه الفترة بقامة معنوية شامخة ليكون مشاركاً في هذه الارهاصات منذ بداية فترة انسحاب الانجليز، وقبل أن يخوض تريم عمران بمعية شقيقه ورفيقه د. عبدالله عمران بتأسيس دار اعلامية كانت ثقافة الامارات حديثة الأفواه وذات مرام مناهجية غير معروفة، حيث كانت في المقاهي والمجالس على ألسنة الناس بشكل غير منهجي. ويرى عبدالغفار ان تريم وعبدالله عمران جعلا لأحاديث السياسة في الامارات برنامجاً ثقافياً سياسياً يعتمد على منهج اعلامي يصل الى الناس في وقت كان الشعب يبحث عما يقرأه في شئون الامارات والاتحاد، حيث بدأ بتأسيس مجلة «الشروق» التي لم تستمر طويلاً لأسباب حداثة اللغة التوجيهية والتنويرية على الناس، وفي تلك الفترة أيضاً رأى الانجليز ان هذا المصدر الإعلامي الجديد يفهم المجتمع ما يدور حولهم مما أحدث وجعاً للانجليز لما لهم من مطامع في ذلك الاتجاه، ولكن المصدر الإعلامي الذي شكّله الاخوان تريم أعطى الناس تجارب في الثقافة السياسية، وكان كذلك مصدراً موثوقاً ونظيفاً لم يستطع أحد أن يتهمه، ثم جاءت دار الخليج لتكمل مشوار تريم ولتضع منهجه في دائرة الضوء، وأضاف بأن منهجه وإيمانه انصبا مع التوجهات في اقامة دولة ذات سيادة على أرض الامارات تتحقق في ظلها التطورات والتنمية، كما ذكر ان دعوته كانت تتطلع لوحدة الخليج ومن ثم الوحدة العربية واقامة اقتصاد وطني وغير ذلك من مفاهيم انتشرت بدورها في المجتمع. وأشار عبدالغفار حسين انه لم يكن في السابق منهج سياسي، فالراحل تريم هو أول سياسي مثقف في الامارات، وهو من وضع هذه المناهج عبر الطريق الإعلامي المقروء، كما انه هو الذي وضع أسس الثقافة التي تشارك في هموم الناس، مشيراً الى انه يمكن ملاحظة ذلك بالرجوع الى الخطب التي ألقاها خلال رئاسته المجلس الوطني الاتحادي والمذكرات التي وقعها مع أعضائه، بالاضافة الى المقالات التي كتبها. واستطاع تريم أن يجعل من أحاديث الناس في السياسة والثقافة الهم الذي يتحدثون عنه وهو يشاركهم هذا الهم. وخلص عبدالغفار عن مدى تعلمه من تريم رغم كبر سنه عنه، وأكد ايضاً ان تريم جعل من حوله تلاميذ ومريدين، وهذه ميزة مهمة لدى المثقف السياسي، وقال: ستثبت الأيام إذا هبت العواصف السياسية وحصلت تطورات جديدة اننا خسرنا أحد النواخذة الكبار وهو تريم عمران. أما الدكتور يوسف الحسن فتحدث عن أهمية هذا الموضوع الذي جاء في المكان والزمان الصحيحين ليخفف من لوعة فراق الفقيد تريم عمران ـ رحمه الله ـ حيث كان تريم عمران أحد الرواد الأوائل في هذا التأسيس وحقق تريم نقلة نوعية في حياة الأفراد في هذا البلد، وأضاف قائلا: «لا أبالغ إذا قلت ان الثقافة الاتحادية هي الحاضنة الرئيسية لثقافة تريم عمران ومشروعه الثقافي على مدى أربعة عقود، فقد جاء الاتحاد متجاوباً مع الوضع الاجتماعي لذلك الوقت مع الحفاظ على سلطة كل امارة وتوجهاتها في ظل هذا الاتحاد الفيدرالي مع توفير حياة أفضل ومكانة دولية أرفع». وحول خصائص ثقافة الاتحاد أوضح د. الحسن انها ثقافة تدعيم الاتحاد وسلطانه وزيادة موارده وخصوصاً ان المواطن صار له صوت وكيان، وهي ثقافة داخلية من حيث تأسيس هيئات أهلية لتفعيل هذا الدور وتأسيس الجمعيات داخل المجتمع، وهي ايضاً ثقافة تطوير الوعي الاجتماعي الداخلي حيث تعمق مفاهيم حقوق الانسان في الوعي السياسي والتربية وغيرها من القطاعات، بالاضافة الى انها ثقافة التوازن والاتساع في ضمان الحكم الذاتي المحلي في اطار دستور اتحادي يحكم بين الناس، وثقافة تنموية باتجاه تعزيز النمو المتوازن في الامارات وثقافة تعزيز الهوية العربية للاتحاد كجزء من الوطن العربي والروابط المشتركة وتعميم الفكرة الى الخليج والوطن العربي بأنه اتحاد ناجح. وفي ثقافة هذا النموذج الذي نحتفل بذكراه أشار د. الحسن: اننا عندما نسترجع ثقافة تريم عمران نجتهد من الاقتراب من الثقافة الاتحادية، ومن أبرز الخصائص لثقافة تريم وصفاته، كما أوضح بأن لديه الرؤية الوحدوية النهضوية من خلال مشاركته والأولوية في انشاء الاتحاد وانشاء «الشروق» و«دار الخليج» وكذلك من خلال دراسته في الامارات والكويت والقاهرة. وأضاف الحسن: ثقافة تريم.. انها ثقافة ضمير الأمة وذلك يتضح من خلال عمله الدبلوماسي القصير، حيث كان نموذجاً لما يمكن تسميته «الدبلوماسي ضمير الأمة» كان ممثلاً لأحلام الأمة بشكل قومي يتعدى الأقطار. ويجدر بالذكر ان القضية الفلسطينية كانت في قلبه حتى آخر لحظة في حياته. وخلص د. يوسف الحسن الى أن كل هذه الخصائص وغيرها أسهمت في بناء شخصية تريم عمران كقودة ونموذج ورؤية، واتخاذ القرار في وقت الشدة، وهي ثقافة تصلح أن تكون نموذجاً يحتذى به. وفي ختام الندوة أشار غسان طهبوب مقدم الندوة الى قدرات تريم على الرؤية المستقبلية، وذكر عن مدى اهتمامه في الثمانينيات حول تقرير الوضع السكاني في الامارات حين كانت نسبة المواطنين 23%، فقد كان التقرير في يديه دائماً، وكان يحث بالندوة والكتابة لمعالجة الوضع السكاني. وتبنى هذه القضية، واهتم بخلق التوعية تجاه الوضع السكاني. وذكر طهبوب ايضاً ان تريم كان يرى ما سنصل اليه في هذا الوقت، فما حذر به في مطلع التسعينيات اليوم نعيش بعضاً من تجلياته، فقد كان يمتلك قدرة على التحليل والرؤية المستقبلية، مشيراً الى ان بعضاً من مشاكل تريم الطبية كانت عصبية وليست عضوية لقلقه الدائم على مستقبل هذه الأمة.