الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 هي أحدث رواية لميرال الطحاوي، صدرت منذ أيام عن دار شرقيات القاهرة. صدر لها من قبل روايتان هما: «الخباء 1996، والباذنجانة الزرقاء 1998 اضافة الى مجموعة قصص ريم البراري المستحيلة 1995 حسب لهذه الرواية انها قدمت للقاريء زادا جديدا لم يألفه، حين تناولت العربان الذين تناثرت فلولهم بين ارجاء مصر منذ الفتح العربي. كما يحسب للكاتبة اخلاصها التجربة هذا العالم، حيث اتخذت منها نبعا لاعمالها.. حتى بدت أواصر ارتباط بينهما جلية واضحة، ويحسب ايضا للكاتبة هذا الجهد البحثي، الذي بذلته لتوفير مفردات حياة هذا العالم، كي تمسك به وهو يأفل بينما تتحدد مصائر شخصياته.. وقد تؤخذ عليها ملاحظة حول تيار السرد! أواصر ارتباط تتناول الروايات الثلاث عالم العربان أو البدو، أو العرب، الذين وفدوا إلى مصر مع الفتح العربي واستقروا فيها، في مناطق على أطراف الصحراء وان امتد اليها العمران، وهو ما أوضحه والد الراوية حين كتب مذكرة مطولة الى مولانا الملك بن آل سعود ليؤكد له أن قبيلة بني سليم التي وقفت بجانب اخوانها من شمر وعنزة قبل الخير حين كانت الجزيرة تنتظر محمل الحجاج، وانها فتحت مراعيها لاخوانهم عبر أكثر من القرن، آن لها أن تعود الى ضاربها في نجد، وان يعمل حسابهم في الخير الذي عم وفاض، وانه يملك اكثر من مستند يؤكد أصوله الحجازية. ويقدم هذا العالم مضمخا بما توارثه ابناؤه من تراث شفهي، من اغان وحكايات وحكم وامثال وابيات شعر، اضافة الى ما يحكم الحياة فيه من قيم وطقوس وعادات وتقاليد موروثة حافظوا على التمسك بها رغم انقضاء الزمن. بدا ذلك في رواية الخباء بشكل واسع، وبقدر أقل في رواية الباذنجانة الزرقاء ثم زادت رقعته في رواية نقرات الظباء التي قدمت فيها بانوراما الحياة تلك الجماعة، فكان لابد أن توشي تلك الحياة بكل التفاصيل الصغيرة لمفرداتها. ولعل اعداد وتوفير تلك المادة قد تطلب جهدا بحثيا رهيبا من الكاتبة، مثال ذلك: انساب الاسر العربية التي استقرت في مصر وجذورها واهم الاحداث التاريخية التي واكبت وجودها، الافراس العربية وصفاتها، الجوارح وانواعها وصفات كل منها، رحلات الصيد والقنص في الصحراء وطقوسها وخاصة صيد الغزلان. وهو ما يتسق مع بناء الرواية الحديثة في العالم، التي لم تعد تعتمد فقط على موهبة الصياغة اللغوية. بل اصبح يصاحبها جهد بحثي رهيب يوفر المادة التي تخدم الموضوع المعالج، ثم يأتي دور الموهبة في تضفير وتعشيق تلك المادة في نسج العمل، حتى يبدو الامر للقاريء وكأنه لم يبذل اي جهد من الكاتب في تجهيزها وصياغتها وتضفيرها، بينما العكس هو الصحيح! وقد سبق ان ابتعثت ميرال الطحاوي عالم الاعراب في راية الخباء 1996 فجاء عذبا، حيا، نابضا، عبر لوحة واسعة، من منظور طفلة في الخامسة من عمرها، مغلفا بتلقائية تلقى، ودهشة اكتشاف ابعاد هذا العالم البدائي المعزول. وفي رواية الباذنجانة الزرقاء 1998، ركزت مرة ثانية اضواء الحكى على بطلة الرواية خلال سنوات نشأتها ونضجها. كما وسعت في رواية نقرات الظباء من منظور التناول، ليضيء عالم اسرة كبيرة بكل علاقاتها، متتبعة مصائر افرادها حتى المنتهى الاخير! كما تناولت الروايات الثلاث قضية المرأة في رواية الخباء معالجة فنية لتلك القضية في مجتمع يرحب بالرجال ويرفض الاناث باعتبارهن عارا، وذلك من خلال طفلة ترغب في الهرب من هذا العالم الذي يقيد حركة الاناث. في رواية الباذنجانة الزرقاء تركيز على مصير فردي لفتاة خلال سنوات نشأتها في ذلك المحيط الاسري المعادي بكل ماواكبه من أحداث، ثم تتبع لها خلال سنوات النمو والنضج، مع رفع لواء الدفاع من خلال تناول مصائر ثلاث منهن، اثناء تأرجحهن بين مأزق الحب والزواج الجبري من ابن العم والانجاب وفعل القدر! مجتمع منغلق ترسم الرواية لوحة واسعة لمجتمع هؤلاء العربان، وهو مجتمع منغلق على نفسه، يعتبر افراده انفسهم مركز الكون، واهل سيادة منذ قديم الازل، لهم املاكهم المتوارثة، كما ان لهم خدمهم الخاص يأتي في درجة أدنى كما يرون، من يقطن خارج هذا المجتمع من سكان المناطق القريبة من الفلاحين والمهاجرين: الغرابوة، البراموة، الشوام! وهو مجتمع طبقي ينظر الى الآخرين من عل وانظر الى الحكايات الكثيرة التي يتناولها افراد الاسرة عن كرامة المحتد، حين تؤكد العمة للحفيدة دائما انها ابنة عرب وانها فرسة اصيلة، وان الجد الاكبر كان بصحن داره الواسع عدة نخلات يجلس تحتها وحينما يمر الناس من على بابه فعلى كل من يركب دابة أن يترجل عنها، وان ينظر في الارض حينما يمر، وانه جلد كثيراً من الغرابوة على هذه النخلات، لانهم همج ولا يعرفون تلك الاصول، كما انه قد يوقد ناره، قبل أن تدخل الكهرباء الى ارضنا، ثم يركب فرسه ويمر على الابواب ويسألهم نار من هذا ياولد؟! وكان نصيب من يجهل نار آل الشافعي ان يجلده على تلك النخلات، وتعرف العمة مزنة بالتفصيل كيف تقول حبايبنا وطول عمرهم خدامينا، تقول كلمة خدامينا بتواضع وكأنه شرف كانوا محظوظين به، حتى ان الحفيدة مهرة تتغنى بأهزوجة تتحدث عن الاصل الطيب في كثرة الولد وكثرة النوق والجمال، وهي ما سبق ان لقنوها لها حتى حفظتها: عايش في عزة ودلالة، من كتر نياقة وجماله وعند عزوه من رجاله ما فيهم واحد دلال. هنا يكون منطقيا ان يحافظ هذا المجتمع على علاقات النسب داخله، ولايسمح بالاختلاط مع الخارج، ولذلك يصرون ان يتم الزواج بين بنات وشباب الاسرة، وليكن بين ابناء العمومة مثلا، ويتوارثون أمثلة تحض على ذلك، وللمثال انفك منك ولو كان اجدع «ونرميها للتمساح ولا يأخدها الفلاح». وقد يحكي والد الراوية قصة ارتباطه بأمها «سهلة بنت لملوم باشا منازع» التي كانت له حتى لو لم يطلبها، ثم يسوقون للمثال أيضا قصة الجد محجوب الذي القى ابنته في النهر، سيقول خطبها عباس الأول، سينسى اسمها ويقول انها كانت مثل الجارية الشريفة بيضاء ولها رقبة ناقة وانها كانت بنت عرب ولا تقبل مثل هذا التركي الاحمر حتى ولو كان ابن الذات العليا. ويكون منطقيا ايضا، ان يعلي هذا المجتمع من شأن الذكر ويتيح له اكبر قدر من الحرية فعن فترة المراهقة قد تحكي مهرة عن ابيها من فوق الحائط نصف المهدم كان الوالد الذي صار أبي يطارد الخادمات الصغيرات ويلهث وراء فرحانة أو يطارد روضة في حظائر البهائم وعلى أكوام القش، وكن يتناقلن ذلك بينهن، بل قد تتلمس له الخادمات العذر وذلك حين تقول روضة انه كبر والاولاد في هذه السن يصبحون كالطلائق أو ذكور الجمال اذا هاجت وستضحك انشراح التي تقول يكفيه فاطمة القرومية. كما يكون للشباب من الذكور حق التعليم المتميز، وللمثال ذلك الحال البعيد ـ نافذة ـ الذي ارسله الجد لملوم ليتلقى علوم المحاماة في باريس، لكنه أرسل إليهم صورة عرسه من كاليفورنيا أو نيوجرسي مع بطاقة التهنئة، وصورة لزوجته اللبنانية التي افتتح معها محطة البنزين بعد أن تقاضى بتوكيل بيع كل ماورثه، وكل عدة سنوات يرسل إلى أمي بعض الصور، كان آخرها لابنته التي اسمها صوفي. ويواكب حق التعليم حرية اختيار مهنة المستقبل تماما مثلما حدث مع والد مهرة الذي تلقى تعليمه في فيكتوريا كولج، وكاد أن ينال ليسانس الأدب الانجليزي، لكنه كان ميتا بتلك الجلسة حول النار. أما حرية البنات فمرهونة بتقدير الأخ أو الأب، وللمثال فان الذين يعرفون هند سيقولون انها كانت تدير الاسطوانة لتتعلم الرقص الايقاعي، وتجلس وحدها محاولة تقليد صوت فتحية أحمد، وتتلو مقاطع من ماجدولين بصوت مؤثر تحت اشجار الحديقة قبل ان يلمحها أخوها الذي يقطن الآن في نيوجرسي ويمزق الرواية التي استعارتها من مس انجيل ابنة ناظرة المدرسة ويلطمها على وجهها فينزف أنفها. كما يكون قرار تعليمهن وفق ارادة الرجل «الأب» الذي قد يرى أن يدخل بناته الثلاث مدرسة داخلية، ثم يأتي أب من الجيل التالي يرى فشل تلك التجربة، ويقرر أن تدخل ابنته مهرة مدرسة حكومية على أن ترافقها الخادمة خلال ذهابها وايابها. مجتمع هذا شأنه، يستطلع أفراده دائما الى خلفة الولد، ولا يعتد بخلفة البنت، ولعل ما يدعم ذلك هو ما تتناقله العمات وبنات الأعمام في أحاديثهن حول أم «مهرة»، حين يتساءلن باستمرار متى سيعوض الله عليها بالخلف؟! عالم يأفل: تنبع مأساة شخصيات هذا العام المغلق، حين يحاولون أن يتمسكوا ببقايا عالم قديم يزوي ويأفل وأن يوقفوا حركة الزمن، لأن حركة التاريخ ماضية دوما إلى الأمام، ولن تتوقف أو تعود إلى الوراء، اضافة الى انها تحمل بين أعطافها تيارات المجتمع الأكبر الخارجي، وهي تيارات فاعلة ومؤثرة، وكان لابد أن تقتحم معاقل هذا العالم المنغلق وأن تزلزل أركانه، بينما أهالي ذلك المجتمع لاهين عما يجري حولهم، سادرين في غيهم، متمسكين بأدران الماضي، متغنين بمآثر أمجاد أفلت واندثرت واجتاحتها رياح التغيير! من ملامح التمسك بالماضي، ماتسرده الروايةحول ترديد أبيها رب الاسرة الحالي مزيداً من الحكايات، وهو ما سيضطره لالقاء النار تلو النار، والقهوة بعد القهوة، وذبح شياه جديدة واستدعاء سرور ومبارك ونوار من بيتهم ليقول انهم عبيد عيلة منازع، بعد ذلك يستخرج بكارج القهوة الملطخة بالجنزار النحاسي من الصوان لتلميعها، والاصرار على نصب بيت الشعر في قلب الفناء، وعادة ما تنتهي هذه الجلسات باستدعاء امرأة من نساء البراموة لتعطي أبي عدة جنيهات هي حصيلة اتفاقاته الأخيرة على بيع هذا القيراط أو ذلك وفي الوقت الذي كان الرجل يتغنى فيه بأمجاد الماضي، اذا بالسامعين يهزون رؤوسهم ويتفقدون مربطنا الخالي بعيونهم، ويتحدثون عن احياء التراث البدوي بعقد صابية ـ ساحة سباق الخيل أو الرقص ـ كبيرة تتسابق فيها المهاري وتتبعها كلاب السلوقي. وحتى بعد ان بذل الأب الجهد والمال في شراء مهرات عربية أصيلة زود بها مرابطة، اذا بها تفشل ساعة الاختبار، خصوصا وأن الذين يأتي بهم سرور لينتقدوا المرابط وهم يهفون بعقالهم ذات اليمين وذات اليسار، يتحدثون عن المراعي الألمانية والمزارع البلجيكية وكاتلوج جياد العائلة المالكة البريطانية ومزادات الخيل في اكسفورد ولندن كانوا يرون مهرات أبي لا تستحق عناء المشاهدة، ويكتفون بالاندهاش لأن هناك قبائل عربية مازالت تحتفظ بأنسابها وسلالات خيولها في هذا الوادي، وحتى الكواسر التي افنى عمره في رعايتها وتربيتها، انتهى به الأمر الى بيعها بواسطة وسيط الى أمير اضافها الى مكنوزاته، وأن اتخذ منه أنيسا ورفيقا في رحلات قنصه الى مختلف البلدان، مستخدما في سبيل ذلك أحدث ما تم التوصل إليه من تقنيات ومعدات! وحين قامت ثورة يوليو 1952، حدث تحول في المجتمع المصري الكبير من النظام الملكي الى الجمهوري، وتم القضاء على الاقطاع وصدرت قوانين الاصلاح الزراعي، فاجتاح رجالها بوابة ذلك المجتمع ـ ثلاثين رجلا قال أبوشريك ـ دليل قوافل منازع الكبير «غرابوة» لينقضوا على حدائق العنب والتمر البغدادي وأشجار السرو والحور والكستناء التي جلبها من سفراته، وليركضوا من احدى رحلاته في دارفور. كانت الغرفة المسيجة بالسلك والتي تحرسها الكلاب قد نهبت تماما قبل أن يفيق مبارك العبد ويطلق من خرطوشه بضع رصاصات طائشة «وانظر الى الحفيدة وهي تحدد أثر ماحدث» كان الذي بقى لها من لملوم باشا ذلك البيت بين النجدية وحديقة واسعة وعدة قضايا مع الاصلاح الزراعي، فالأرض التي تم تقسيمها على الفلاحين بعد تلك الغارة تحولت الى مستعمرة كبيرة يقطنها أكثر من مئتي أسرة وكان من الاستحالة اخراج من باعوا واشتروا وتوارثوا. وكان منطقيا بمضي الزمن، أن تحولت البيوت الطينية المتلاصقة الى مبان مصبوبة بالاسمنت والحديد وتحتها دكاكين البقالة والخردوات، وبعد ان سكن العبيد أسفل التلة، بنى مبارك العبد دواره وصار له مضيفة واسعة وعربة لاندروفر وحول بكارج القهوة تتحلق دائرة من الضيوف. يقول بفخر: كوايته، وسعوديون يترجلون بعدها في عربات أكثر فخامة ليلاحقوا غزالات أيلة والعلاقى في رحلات قنص يصبح فيها عبيد عيلة منازع ادلاء مخلصين. وانظر الى ما آل اليه هذاالتراتب عبر مضي الزمن، وذلك حين كانت العمة مزنة تعبر الشوارع التي صارت مليئة بالغرابوة والبراموة والشوام، والمهاجرين والفلاحين التي لا تستطيع ان تقول انهم حبايبنا وخدامينا كانوا ينظرون اليها باستغراب. العجائز فقط سيقولون لها اتفضلي ياستنا قبل ان ينهزم اولادهم مؤكدين أن كل واحد سيد نفسه الآن. تجتهد هذه الرواية في رسوم بانوراما كاملة لهذا المجتمع، بدءا من الجد الكبير محجوب، مروراً بجيل أولاده: يونس، منازع، والشافعي، ثم الجيل التالي: لملوم الباسل والشافعي السليمي، ثم الجيل الناتج من زواج لملوم الباسل منازع من النجدبة وانجاب: ولد نافذ، وثلاثة بنات: هند، سقاوة وسهلة وأخيرا زواج سهلة من ابن عمها مطلق الشافعي وانجاب مهرة، التي تحكي الرواية، وتركز أضواء الحكي على هذا الجيل الأخير، وتتبع مصائره. ولكن يلاحظ انه لم يفلت من قبضة هذا المجتمع الخانقة الا الابن نافذ الذي ارسله الجد لملوم ليتلقى علوم المحاماة في باريس فتزوج واستقر وعمل وانجب في الولايات المتحدة الأميركية، بينما كان الوحيد من العالم الخارجي، الذي سمح له بدخول هذا المجتمع هو اجنبي يدعى بييركام يقولون ان اصله هولندي أو فرنسي، ثم سمى نفسه بعد ذلك سليمان كان انشغاله كاملا بعالم البدو ورسم طقوسه وعاداته واشخاصه في كثير من اللوحات، ولكنه انتهى الى الموت عطشا خلال رحلة في الصحراء! وتتبع الرواية مصائر الخالات بدءا من كبراهن هند التي عانت كثيرا من قسوة أخيها عليها ومحاولته كبت حريتها في القراءة أو الغناء أو تعلم الرقص على نغمات الموسيقى، وربما أحبت بييركام، الذي رسمها عارية في احدى لوحاته، لكنها كانت تعي استحالة تلك العلاقة، ثم اجبرها أهلها على الزواج كالعادة من ابن عمها الذي أهملها وهجرها سعيا وراء اخريات، وحين حاولت ان ترفض هذا الواقع وقفت لها اسرته بحسم وقسوة حتى انتهى بها الأمر الى الجنون، فحبسوها وحدها مع الخادمة انشراح رافقتها حتى الموت، فشيعوها الى النسيان غير مأسوف عليها! ثانية الاخوات هي سقاوة التي ربطتها منذ طفولتها علاقة مع الطفل «لهم بن مبارك» وانشراح، الذي تباعد بمجرد ان بدأت سنوات الصبا والبلوغ ولكن يبدو ان حبها امسك بقلبه، وان لم يفصح عنه الا حين سقطت في احدى نوبات مرض الصرع وانكشف ساقيها، وظن انها ماتت، فانكب عليها يبكي حزنا، مما اعتبره الأب فضيحة انتهت بالفتى إلى الموت حرقاً وماتت بعد ذلك سقاوة موتا طبيعياً في صدر شبابها! ثالثة الاخوات هي سهلة الأبية، التي تزوجت من ابن عمها مطلق الشافعي، والتي كانت له حتى لو لم يطلبها لكنه ظل نائياً عن زوجته، وان انجب منها مهرة وكانت اخته تتساءل دائماً متى سيعوض الله عليها بالخلف؟ وقد راقبت الابنة تلك العلاقة الخاصة التي امتدت بين ابيها وامها، حين ظل هو سادراً في غيه يعيش في عالم موهوم، لا يستطيع ان يقرب زوجته وان كان يراها طيراً حروناً كتلك التي يربيها، وينظر السنقارية السوداء في خيطها وحول عينيها الغماية وقوادمها المجبورة، ساكنة لم تشارك في شيء، حلقت فقط في السماء، وخبطت جناحيها فجذبوا خيطها وقالوا هذه لا تطلق ولا تنقاد، حرون لا يرد رأسها الا الجوع ربما تمنى ان يجلس الى جوارها الان ويقول لها بنت عمي طيرة تسبي العقل لكنها كانت بعيدة وكانت معتزة بنفسها لم يقرب بينها سوى مرضه بداء الصدر، فاذا هي تهتم به وتفيض عليه من حنانها، وترعاه حتى فاضت روحه. حول تيار السرد وتبقى كلمة حول تيار السرد، الذي بدأ في الفصل الأول من خلال صورة تحكي الحفيدة مهرة ما تراه فيها من شخصيات الخالات الثلاث وما آل اليه حال هند بشكل خاص، وذلك من خلال ومضات سريعة، فجاء هذا الفصل متمنعاً شديد التركيز، دون ان يتاح للقاريء أي تمهيد كي يفهم ما يجري ثم دخلت الرواية في الفصل الثاني في عمق الاحداث، دون ان تتيح للقاريء ـ مرة اخرى ـ الفرصة كي يفهم أو يلتقط انفاسه، ثم تدفق تيار الحكي بسلاسة خلال الفصلين الثالث والرابع، وبدءا من الفصل الخامس وحتى الفصل الاخير العاشر، تحول تيار السرد ليكون بواسطة راو محيط بكل شيء، وان عادت الخفية لتشترك في الحكي احيانا. لعل هذا التحول في تيار الحكي من شخصية الحفيدة مهرة والذي كان بضمير المتكلم، الى الراوي العليم بكل شيء بضمير الغائب، وقد خلق نوعاً من البلبلة في تلقي القاريء للنص وهناك مثال يؤكد صحة هذا الاستدلال من الأدب العالمي، هي أحدث رواية للروائية التشيلية العالمية ايزابيل الليندي، وهي رواية صورة عتيقة التي صدرت ترجمة لها عن دار المدى السورية تمتهن التصوير الفوتوغرافي ـ بضمير المتكلم، لما يقرب من خمسين عاماً من حياة اسرتها وحياتها في رواية مليئة بالشخصيات والأحداث تجاوزت الثلاثمئة صفحة، كان لوحدة اسلوب السرد وسلاسته تدفقاً اقرب إلى السحر يستحوذ على القاريء تماماً ويدفع به مبهوراً الى الامام باستمرار. كما تضفر تيار الحكي من عالم العربان وهو يأفل، ومن مصائر الشخصيات وهي تتحدد وفي الوقت الذي تدفق فيه هذا التيار قوياً هادراً بدءاً من الفصل الثالث، نجده يتراجع في الفصلين الاخيرين، حين يستعيد موت بييركام وحالة عجز وتوهان أبوشريك العيادي دليل قافلة الموت، وهو ما يعتبر رافداً فرعياً للرواية، وليس امتداداً لتيارها الاصيل، الذي ارتفع إلى أعلى ذراه في الفصل السابع، الذي دفع بشخصية هند إلى منتهاها، والفصل الثامن الذي دفع بعلاقة سهلة وزوجها إلى ختامها الخريفي البديع!