الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 حينما أصدر الدكتور عبدالعزيز حمودة كتابه النقدي (المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك) اقتحمته عيني، وقلت: هذا ناقد متمكّن من فنه، أصاب من نقد الغرب فوق ما أصاب من نقد العرب، وأخشى أن يكون قد نهل من الثقافة الأجنبية ما ملأ صدره إعجاباً بآراء الغرب ونظرياته، وها هو ذا يسلك نفسه في سلك الحداثة ليعد من أهلها، فأعرضت عن الكتاب. ثم عدت إليه بعد أيام اقرأ ما فيه قراءة المتدبّر الحذر، لا قراءة المستطلع العجلان، فإذا هو سفر ضخم من نقد وعرض، ودحض ونقض، وتحليل وتعليل، وتقويض لبنية البنيوية، وتشكيك في أهداف التفكيك، وإذا السلك الفكري الذي ينتظم الكتاب كله اتجاه نقدي منصف لا متحيز، وإذا الحداثة التي كنت أخشى أن تكون موضع مداجاة ومحاباة موضوعة على محكّ نقدي أدقّ من محكي هذا، ومعرّضة لمباضع جراح خبير، يعرف كيف يجرّح ويشرّح، ثم كيف يصل إلى الحقائق التي أعياني الوصول اليها بثقافتي الغربية المحدودة. وشتان ما بين ناقد محترف مثل الدكتور حمودة، يمتلك أدوات الحرفة التي اختارها، وقاريء مبتديء مثلي، يحاول ان يمتلك هذه الادوات. وبعد أمد، أي منذ أشهر أصدر الناقد نفسه سفره الثاني (المرايا المقعرة)، فلم أسمح هذه المرة لأوهامي أن تساور الكتاب بالظنون، بل أقبلت عليه إقبال الظاميء على المورد البرود الشروب، فإذا هو ينطوي على أكثر مما توقعت من نقد وجدال وبحث موسع، ونظرات جادة، لا تفصل الأدب والنقد عن اطارهما الثقافي العام، ولا تدرسهما معزولين عن الأزمنة والأمكنة التي تكتنفهما، بل تضعهما في إطارهما الثقافي، وتحوطهما بالبيئة التي تزيد آراءه صدقاً وعمقاً، وشمولاً ورسوخاً، وتأصيلا وتجديداً. بدأ المؤلف مراياه المقعرة بالشكوى من شرخ يعاني تناقضه المثقف العربي، وانفصام يتهدد تفكيره وسلوكه، وعلّل الشرخ والانفصام بغياب المشروع الثقافي العربي، وبإخفاق كل محاولة سابقة، توخّى أصحابها منها رأب الصدع، لا لضعف الفكر العربي، بل لأن السياسة كانت تضع لمساتها الموجهة على المشروعات الثقافية المقترحة، فإذا هي خطط مقننة مدجنة، تخدم أغراض القادة والسياسيين، لا مناهج فكرية، تعبر عن مرامي الرادة والمثقفين، وإذا هي في كل قطر ترسيخ للأوضاع السياسية والاقتصادية التي يحافظ عليها الساسة، لا تبشير بالتغيير الذي يدعو إليه الأدباء. قد يتراءى لك كما تراءى لأهل الحداثة أن المؤلف يدعو إلى تبني المشروع الثقافي الغربي، وقد تلتمس له العذر فيما تبنّى، فتقول: إن اختيار المشروع الغربي بالصورة التي وصل إليها يختصر الوقت، ويريح الأمة العربية من معاناة متعبة، دامت في الغرب مئات السنين، قضاها الغربيون وهم يجربون حتى أفضت بهم تجاربهم إلى اختيار ما اختاروا، وإن المشروع الثقافي الغربي أثبت نجاحه وتفوقه على الشرق ومشروعاته في ميادين الحياة كلها، لا في ميدان الأدب والنقد، وحسب. وفي الردّ على هذه الدعوة المفترضة لا يجابه مؤلف المرايا المقعرة الافتراض بالرفض أو بالنقض، بل ديدعو إلى موقف متعقل متمهل، يسبق الانسياق إلى المحاكاة، أو يهرب من أعباء المعاناة. إنه ينكر على العرب العزلة، ويرفض دفن الرؤوس في الرمال، ويدعوهم إلى رصد التحولات التي طلع بها علينا وعلى غيرنا النظام العالمي الجديد، ويدعوهم كذلك إلى التعامل الواعي مع الحقائق التي فرضتها العولمة. فإذا قرأت هذا الكلام خيل إليك مرة أخرى أن الناقد من دعاة الحداثة المستوردة غير أنه قبل أن يخالطك هذا الوهم يدعوك إلى أن تنظر نظرة ناقدة فيما آل إليه المشروع الثقافي الغربي، فيقول لك: لقد ارتفعت في قلب الحضارة الغربية ذاتها دعوة قوية تنادي بتصفية المشروع التنويري بعد أن أوصلت سيادة العقل والعلم هذه الحضارة إلى طريق مسدود، أبرزُ علاماته كبت الذات التي قام المشروع التنويري لتحريرها، أضف إلى ذلك سيادة القيم المادية، قيم السوق ورأس المال والتفتت والتشرذم. وقد يخطر لك أن تسأل المؤلف فتقول: ما القيم التي تنادي بها مراياك المقعرة وتريد أن تحلها محلّ القيم المادية؟ فيجيب: إنها القيم الروحية التقليدية التي تواكب الحداثة، بغية الوصول إلى حداثة جديدة، لا تفصل بالضرورة بين سيادة العقل العلمي من ناحية، والمثل العليا التي يدعو اليها الدين من ناحية أخرى، ليتم التوازن بين العقل والقلب، بين الجسد والروح. وهذا التوازن يفرض على دعاة الحداثة أو أدعيائها العرب أن يتوقفوا قبل أن ينجرفوا، وأن يتئدوا قبل أن يقلدوا، وأن يعتبروا بمن أحسّوا أنهم انحدروا، وهم يتوهمون أنهم تطوروا. ولزيادة هذه الفكرة إيضاحاً يقول الدكتور حمودة: إن مشروع التنوير الغربي استغرق الوصول الى انجازه اكثر من ثلاثة قرون في تاريخ الفكر الغربي قبل أن يدرك العقل الغربي صلابة الحائط الذي يواجه الحضارة الغربية في نهاية الطريق. أما نحن فمازالت أمامنا حرية الاختيار على الأقل، حرية اختيار ألاّ نلقي بأنفسنا في أحضان الحداثة الغربية في انبهار كامل وعمى شامل. إن الانبهار لا يسمح لنا برؤية العوار، بل يقودنا الى الانهيار، وان العمى الشامل يغلق اعيننا اغلاقا تاما، ومتى اغلقت العيون عجزنا عن رؤية الطرق المتعددة الممتدة دون اقدامنا، وكل هذه الطرق مفضية الى التحديث لا الى النكوص، ولا الى الدوران حول بقعة طالما وقفنا فوقها، وهل الوقوف الا نوع من انواع التخلف، نرفضه نحن كما يرفضه الداعون الى المضي في طريق التجديد. وههنا تلتقي المرايا المقعرة بالحداثة في ملتقى واحد يجمعهما ولو الى حين، غير ان هذا الالتقاء آيل الى افتراق، او محطة لايطول فيها البقاء، اذ يرتمي اهل الحداثة العربية في حجر الحداثة الغربية ارتماء الطفل الغرير في حضن الام التي ترضعه، انهم بهذا الارتماء يتقبلون كل نكساتها وارتكاساتها متجاهلين مشكلاتها وأزماتها، مفتونين بشعاراتها وتسمياتها كأنها الغاية التي لاغاية بعدها، والهدف الذي لاهدف سواه. اما المرايا المقعرة فإنها تربأ بنفسها عن الانحدار الى هذه الوهدة المخوفة، فترفض الخضوع لسيادة العلم وحده، ولسيطرة المادة وحدها، وتحمي نفسها من الضياع فيما ضاعت في متاهاته حداثة الغرب، ومن التهويم فيما هوّمت فيه من بنيوية وتفكيك أفضيا بالعقل الغربي الى فقدان التوازن، وبعبارة اصرح الى ما يشبه الجنون. ان المرايا المقعرة تريد ان تبدأ بداية واعية من النهاية التي وقف عندها العقل الغربي حائرا خائرا، ينطح صخر الجدار بقرنين من طين او عجين، قوّضت بنيتهما تحليلات البنيوية، وفككت عقدهما اظافر التفكيك. وهذه البداية سوف تتيح للمثقف العربي ان يستغل ويستقلّ: اي ان يستغل التجربة الغربية فيأخذ احسن نتائجها، وأن يستقل عنها، ويفرغ لمشروعه الثقافي فيهبه كل ما لديه من ذكاء وعطاء ومالدى أمته من كنوز وتجارب، ولدى التجربة الغربية من نتائج لا تفقده هويته، ولا تمسخ شخصيته، يستفيد من حداثة الغرب الموصولة النسب بالعلم التجريبي، ويعود الى تراثه العربي ليبحث فيه لا ليمجده ويجمده، بل ليفجر طاقته الكامنة، ويصنع منه الحداثة العربية المرجوة بكل اصالتها ونبالتها بعيدا عن النسخ والاحتذاء. ولا يخيفن المرايا المقعرة ما يوجهه اليها اصحاب الحداثة العربية المقتبسة من الغرب، ولا يشغلنها عن السعي الحثيث نحو غرضها الشريف الواضح ما تُرمى به من أباطيل، ما تنبز به من ألقاب مفتريات كالسلفية والرجعية والجمود والتخلف، فهذه النعوت تدل على عجز من يفترونها من الساقة المنساقة في ركاب الغرب، لا على رجعية النظرية التي تنطوي عليها، او تسعى الى وضع سماتها وقسماتها العربية الاصيلة. ولا يشعرنها بالضعف والخوف ما يتباهى به اصحاب هذه الحداثة المستوردة من مصطلحات غائمة هائمة لا يفهمون معانيها حق الفهم وهم يمضغون ألفاظها، وما يغلفون به آراءهم الزئبقية من التواء وغموض، فإن اكثر هذه المصطلحات التي طلع بها الحداثيون الغربيون على العالم في حاجة الى توضيح وتحديد، لا في لغتنا العربية وحدها، بل في لغاتهم التي صنعتها، وهذه المصطلحات عند التحقيق ليست اكثر من اجترار وتكرار للمفاهيم القديمة بألفاظ جديدة، وكل ما اكتسبته من التجديد هو الغموض المسرف الذي بلغ حد التعمية، ونقلها من لغاتها الاصلية الى العربية لم يزدها الا غموضا الى غموض، حتى تحولت الى طلّسمات محيّرات، يعيا بفهمها وإفهامها سحرة الف ليلة وليلة، ومفسّرو الاحلام. لقد قصرنا هذه الجولة في المرايا المقعرة على التحرك الحذر في اطارها الثقافي العام، وفي الجولة القادمة نحاول ان نلمّ بالجانب النقدي من هذه المرايا لإيماننا بأن النقد مرتبط اشد الارتباط بالثقافة التي تنجبه، وبأن الادب تعبير عن مذهب وفكر قبل ان يكون شكلا فنيا، ينتمي الى هذه المدرسة الادبية او تلك.