الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 ينقل واسيني الاعرج للقاريء في روايته الاخيرة صور عالم من الموت المجنون والخوف وابادة الفكر والعلم والفن بتصميم غريب يثير القشعريرة. وعمله الروائي الاخير يبدو اقرب الى قصتين اثنتين لا واحدة مما يجعل القاريء يتساءل اياً منهما هي الاطار الاساسي. والقصتان رغم دمجهما الواحدة بالاخرى ورغم ان الظلم يشكل جامعا مشتركا بينهما تبقيان مختلفتين وتصلح كل منهما لعمل مستقل.. واحدة عن عالم الموت والقتل الذي شهدته الجزائر واخرى عن عالم صبي في مشاعره وتصوراته وتجاربه. وافضل ما يكون عليه الروائي الجزائري المقيم في اوروبا في روايته هو عندما يصف المفجع اللامعقول والمرارة والخيبة وعندما يسرد بصورة حية مؤثرة فيروي ويصور حالة الشعور بالاختناق الكابوسية والعبث القتال وعدم القدرة على تصديق ما يجري. الرواية الجديدة صدرت في 319 صفحة عن دار الاداب في بيروت بعنوان شرفات بحر الشمال. واذا كان بطل رواية الطيب صالح موسم الهجرة الى الشمال قد ترك بلده طلبا للعلم وحاجات اخرى فالفنان بطل رواية الاعرج يغص بوطنه عند سفره الى هولندا ويشعر بان جروح نفسه قد تصبح اشد ألما عندما يجد نفسه وقد ذبحه وطنه يعامل في بلد غريب بتقدير ومحبة. ويسيطر عليه في اجواء روايته عامة يأس وقرف يعاني منهما من رافق عهود النقاء والاحلام الكبيرة وحقوق الانسان وشاهد كل ذلك يتحول على طريقة الدكتور فرانكنشتاين الى مسخ رهيب. وذكرت رويترز ان الاعرج عندما يصف بغموض قسما من التفاصيل والاحداث او يروى حدثا ماضيا قد لا تتوفر معرفة خلفيته لجميع القراء يصبح محليا على رغم انسانية عمله بل وقد لا يفهم قوله القاريء العادي. وهو ايضا يتحول احيانا الى نوع من الوعظ السياسي الذي ربما كان اكثر بكثير مما يحتاج اليه حوار ما او نقل وضع ما. في الجزائر قبل السفر يصمد بطله ياسين ويصعب عليه مغادرة بلده كما فعل الوف من رجال الفكر والادب والعلم والفن هربا من الابادة التي ذهب ضحيتها مئات منهم والوف من الناس الابرياء. الموت يخيم على شوارع المدينة وازقتها. المطلوب هو السكوت واللي يفهم في بلادنا... يقتل. اول كلمة يقولونها لك عندما تطلق لسانك قليلا للريح.. هاه انت بدأت تحل فمك. العاقل هو الذي يزم فمه ويمضي في ظلال الحيطان يرى الناس ولا يراه احد. وفي امستردام مقبرة بحرية تسمى مقبرة المتروكين المنسيين الذين ليس لهم احد. انها المثوى الاخير لمئات من الجزائريين والعرب الاخرين المعذبين المشردين عن بلدانهم الذين ماتوا في ارض بعيدة. الموت في صمت وغربة ووحدة ويتساءل ياسين لماذا اوطاننا تصر على الموت والرماد.