الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 قرر فريق من خبراء الاثار الفرنسيين من 40 عاما ان افضل طريقة للحفاظ على معبد بايون في كمبوديا، هي تدميره، او بالاحرى تفكيكه. بدأ الفريق الفرنسي في تفكيك المعبد قطعة بقطعة وسجلوا كل قطعة فكوها في سجلات خاصة حتى يمكن اعادة بنائه مرة اخرى فيما بعد ثم جاءت الحرب الكمبودية. وعند اقتراب الخمير الحمر الشيوعيين، فر فريق علماء الاثار من مجمع معبد انجور، وكان ذلك في عام1972 لكن مع الأسف الشديد تدمرت السجلات التي دونها خبراء الاثار في فوضى الحرب التالية. وعندما عاد فريق العلماء مرة اخرى الى المجمع في عام 1995 وجدوا ما يزيد على ثلاثمئة الف قطعة من الحجارة الثقيلة منتشرة بين الاشجار تمثل اكبر أحجية صورة لقطعة في العالم. الأحجية ليس لها مفتاح، بعد تدمير السجلات، لكن لايزال من الممكن حلها، قطعة بقطعة، طابقاً بطابق. بدأ معبد بابون في الارتفاع مرة اخرى ليكون أهم المعالم التاريخية والأثرية في مدينة أنجور الكمبودية. بني هذا المعبد في البداية في القرن الحادي عشر على شكل هرمي متعدد الطوابق من الحجر الرملي، وكان أكثر المباني إبهاراً وعظمة في ذاك الوقت. يقول الرحالة الصيني تشود اجوان الذي عاش في القرن الثالث عشر أنه كان أعظم واغرب مبنى في ذلك العصر. زحفت الغابات على معبد بابون مثل بقية المعابد الكمبودية عقب سقوط الامبراطورية العظمى قبل خمسمئة عام وفكر الفرنسيون في القرن الماضي فقط في إعادة بناء هذا المعبد وإعادته الى صورته الأولى. غير أن المعبد كان قد بني على أرض رملية ونظام صرف سييء وبالتالي كان يصاب بالشروخ وإنهارت قطع منه، فكان من الصعب ترميمه وإعادة بنائه مثل اشقائه من معابد كمبوديا القديمة مثل بابون وأنجورات وغيرهما وكان الحل هوتفكيك المعبد ثم إعادة بنائه عن طريق أسلوب الهندسة العكسية. وبدأ هذا العمل في الستينيات. عندما هجر علماء الاثار الفرنسيون المعبد بسبب الحرب، كانوا قد فككوا نصف أجزائه التي انتشرت على مساحة 25 فدانا. ويقول باسكان رويه رئيس فريق علماء الاثار التابعين لجمعية معنية بالحفاظ على اثار الشرق الأقصى بتمويل حكومي انهم اصبحوا أمام أحجية، لكنهم لا يملكون خريطة حلها. ويقول فيليب بيكام مدير مركز دراسات الخمير الحمر ان استعادة هذا المعبد كما كان عليه من قبل يشكل كابوسا. واجه الفريق الفرنسي قائمة من التحديات شملت اعادة بناء تمثال بوذا الذي اضيف الى المعبد في القرن السادس عشر وتعزيز البناء بالملاط، وقد بدأ ذلك في الستينيات ويعتبر حاليا كأنه لم يكن. غير ان اكبر تحد يواجه علماء الاثار الفرنسيين الان هو اعادة تجميع القطع التي يزيد عددها على ثلاثمئة الف تعرضت هذه الاحجار لعوامل التعرية من شمس ورياح موسمية وزحف الغابات، فقام الفريق بصقل هذه الأحجار، واتخذ كل منها شكلاً مختلفاً. ولابد من إعادة كل قطعة إلى مكانها الطبيعي تناسباً مع التي تعلوها والتي أسفلها، ويقول رويه إن كل قطعة لها مكان واحد فقط، لا يمكن أن توضع في غيره. غير أن هناك ثلاثة أشياء توحي بالتفاؤل، أولها أن جاك دومراكيه المهندس الذي عمل في المشروع في الستينيات، لا يزال على قيد الحياة رغم انه تقاعد عن العمل، ولابد أن لديه ما يفيد في إعادة البناء. الثاني ان هناك نحو ألف صورة موجودة في باريس كان الفرنسيون قد التقطوها للمعبد على مدى سنوات، وتوضح هذه الصور القطاعات المنهارة من المعبد قبل تفكيكه، مما يوفر على العاملين جهد البحث عن القطع المفقودة. والثالث هو الجزء الباقي من المعبد ذاته، الذي لم يتوفر الوقت للفريق الفرنسي لتفكيكه. واستخدم الفرنسيون هذه المعلومات لرسم صور لأجزاء المعبد تبين توزيع الأحجار المفككة حالياً. وسوف يستخدمون هذه الصور لرسم نموذج حاسوبي للمعبد بعد إعادة بنائه. ويقول رويه ان هناك 500 شكل مختلف للمعبد بعد اعادة بنائه، لكن لم يفحص احد هذه الاشكال حتى الآن لأنه لم يستقر الرأي بعد على أي من هذه الاشكال. وقد تم التعرف على نحو 70% من الاحجار المفككة حتى الآن وأكد رويه أنه لا توجد قطع مفقودة. ويقول إن هذا ليس مشروعاً تكنولوجيا معقداً، لكنه يستدعي الاهتمام والانتباه الى اقصى حد. اشرف رفيق