الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 يعتبر سور الصين العظيم رمزاً من رموز عظمة الصين، ومع ذلك، فقد اسيئ فهمه باستمرار طوال القرن الماضي، ففي الوعي الشعبي العام، يعتبر السور العظيم مفهوماً موحداً، ولكن في الحقيقة الامر غير ذلك. فشمالي الصين تقطعه العديد من الاسوار المختلفة التي بنيت من قبل العديد من السلالات الامبراطورية المختلفة. ولم يحدث إلا في العصر الحديث، ومن خلال توليفة من سوء الفهم الاجنبي والشعور الوطني الصيني، ان ارتبطت الاسوار القديمة بصورة رمزية من خلال استخدام عبارة مفردة، وقد تبين ان العديد من الصفات المفترضة للسور العظيم ـ من انه متواصل، وبأن عمر المبنى برمته يتجاوز 2000 عام، وانه يمكن مشاهدته من القمر ـ تبين انها لا اساس لها من الصحة. ولاثبات وجهة النظر هذه، قام بيتر هيسلر برحلة استكشافية تستهدف تقصي الحقائق حول سور الصين العظيم، وبدلاً من الاستعانة بالباحثين والمختصين، بحث هيسلر عن الصينيين العاديين، الذين يعيشون بالقرب من الحصون القديمة، والذين لديهم رأي خاص بماضي وحاضر تلك الحصون. كانت خطة هيسلر تقضي بأن يسلك الطرق الريفية المحاذية للسور، وان يستقي معلوماته عن تاريخ السور من السكان المحليين، وانطلق في رحلته في فصل الخريف من منزله في بكين الى مقاطعة هيبي على اطراف بوهاي. ومن هيبي انطلق باتجاه الغرب وصولاً الى مقاطعة شانكسي، وطوال الطريق كان يتوقف لمشاهدة الجنازات، التي كانت اولها في بلدة زنزونغ، حيث اغلق حشد مؤلف من 500 شخص الشارع الرئيسي. وقد تجمعوا لمشاهدة فرقة اوبرا شعبية متنقلة تؤدي عروضها احياء لذكرى رجل اعمال متوفى يدعى «هي يو». وكان هذا الشخص يملك اكبر متجر في البلدة، وقد تم استئجار فرقة الاوبرا لكي تؤدي عروضها مباشرة من امام المتجر، وحتى في مماته، كان الرجل يمارس نشاط اعمال جيداً فقد استمرت الجنازة سبعة ايام وكان المعزون يدخلون الى المتجر ويستعرضون السلع المعروضة للبيع عندما يأخذ العازفون استراحة. وكان مسرح الفرقة عبارة عن شاحنة من طراز بكين 130، تم نزع الدرابزين الخاص بها واستبداله بمكبرات للصوت، واسر رئيس الفرقة «واي فو» لهيسلر قائلاً ان 80% من نشاط اعماله يأتي من الجنازات. الامر نفسه تكرر مع هيسلر في اليوم التالي عندما كان يسافر الى الجنوب والغرب من زنزونغ. ففي هذه المنطقة اصبحت التضاريس جرداء ولم يعد يرى سوى تلال قاحلة تتناثر عليها ابراج للاشارة كانت تمثل جزءاً من النظام الدفاعي لسلالة منغ، توقف هيسلر على جانب الطريق ليتفحص احد الابراج القديمة ثم تناهى الى سمعة اصوات المنتحبين في جنازة قريبة، وعندما اقترب من الجنازة تقدم اليه رجل واعطاه بطاقة كتب عليها معلومات تعرف بالشخص ومهنته، كان الشخص يدعى زهانغ بولونغ ومهنته هي استاذ في الفنغ شوي، وقد تم اختياره للمساعدة في تحديد مكان مناسب للدفن. وتقتضي العادات والتقاليد المتبعة في تلك المنطقة ان يقوم اقارب المتوفى باظهار حزنهم امام القبر، حيث يقوم الرجال في البداية بحرق اوراق نقدية والنواح بصوت خافت، ثم تليهم النساء اللواتي يجلجل صدى نحيبهن ونواحهن في أركان المكان كله. في الماضي، قام الشيوعيون بحظر ممارسة الفنغ شوي، وهي تقليد صيني يتعلق باستخدام التكهن والعرافة في تحديد المكان الانسب للدفن، وذلك على اعتبار انها خرافة متخلفة. ولكن مع الانفتاح الاقتصادي خلال العشرين عاماً الماضية، عادت الحياة لتدب من جديد في هذا الاعتقاد القديم ليزدهر من جديد لصالح اشخاص ربما انطبق القول المأثور عليهم: «مصائب قوم عند قوم فوائد». أشار زهانغ إلى أن «مكان ذلك البرج مهم جداً. فهذا المكان جيد لأنه عال، وهناك ماء في ذلك الجدول الى الشرق منه. وليريك برج الإشارة فوقك، والذي يعمل على حماية القبر». ثم مضى زهانغ يقول في عبارات تنم عن التكهن والعرافة إنّ «الشخص الذي يدفن في هذا المكان سيكون له أنجال اثرياء كثيرون سيصلون إلى أعلى المراتب المدنية والعسكرية والعلمية». ومع استمرار هيسلر في رحلته، أخذت تحل الحصون القديمة محل الجنازات. وفي منغوليا الداخلية، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل الصين. ويبدو من خلال الخرائب المدمرة والحصون والأسوار المتهدمة أنها كانت منطقة حدودية يشتد النزاع عليها بين الصينيين من جهة والغزاة الأجانب من جهة اخرى. ويعود تاريخ بناء الغالبية العظمى من هذه الدفاعات الى سلالة منغ، وهي السلالة التي قامت ببناء اعظم الاسوار في التاريخ الصيني. ومعظم ما نعرفه الآن بالسور العظيم قد تم بناؤه خلال عهد سلالة منغ، والتي كانت السلالة الوحيدة، التي قامت ببناء مقاطع طويلة من السور من الطوب والحجر. لقد تبين لهيسلر من خلال ملاحظاته وروايات الناس العاديين من رصيد الذاكرة الحية للأجيال أن السور لم يبن مرة واحدة وانما تم على مراحل تاريخية وأنه غير متصل في جميع الاماكن، وان الرحالة الغربيين هم الذين نقلوا الروايات المبالغ بها عن السور، وزعموا دون ادنى دليل بأنه يمكن مشاهدته من القمر. ولكن مع ذلك لا يمكن للمرء، إلا أن يقف مشدوهاً امام هذا البناء العظيم الذي استغرق بناؤه مئات السنين واحتاج الى جهود ألوف البشر، ولايزال ماثلاً إلى اليوم ليروي قصة شعب احب الحياة وجاهد لكي يدرأ عن نفسه الخطر من القوى الغازية. ضرار عمير