السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 ما الذي يجعل المولود البشري يحتاج الى كل تلك السنوات الطويلة حتى يكبر ويكتمل نموه؟ قردة الشمبانزي ، تصبح مهيأة للتكاثر في الثامنة من عمرها والغوريللا تكمل نموها في السادسة. لكن الطفولة البشرية تدوم لضعف فترة طفولة الحيوانات الأولية التي تقاربنا من حيث الحجم ومعدل النمو، نحن نمضي مع اطفالنا وقتا اكثر من اي حيوان اخر على وجه الخليقة. ونستمر في اطعام ابنائنا وصولا لفترة المراهقة. وتتطلب تنشئة الطفل حوالي 13 مليون سعرة حرارية وهو ما يعتبر استثمارا هائلا من جانب الابوين، ناهيك عن الملابس والالعاب وتذاكر حدائق الترفيه التي نشتريها لصغارنا، لماذا نفعل كل ذلك؟ لقد حير لغز الطفولة الباحثين طيلة عقود. فالبعض يعتقد ان الطفولة الطويلة ما هي الا نتيجة ثانوية لاعمارنا الطويلة، ولا تحتاج لاي تفسير خاص. لكن العديد من علماء الانثروبولوجيا مقتنعون انه لابد من وجود ميزة نشوئية معينة تتأتى عن طول مرحلة ما قبل النضج والبلوغ. البشر يعيشون حياة معقدة، فنحن لدينا ثقافة ولغة ومهارات تقنية تمكننا من الترحال في انحاء المعمورة والازدهار في حياتنا، وربما يرجع سبب اختلاف طفولتنا الى ان علينا تعلم اشياء اكثر بكثير من الحيوانات الاخرى؟ او ربما، كما يقول عالم انثروبولوجيا شهير الآن، ان الطفولة الطويلة نشأت لاعانة الوالدين وليس الصغار، وبحسب النظرية الجديدة فان تنشئة الاطفال الآن فقط اصبحت مكلفة جدا في العالم المتقدم على الاقل، ولم تكن على الاطلاق كذلك في العصور القديمة. تتجسد الرؤية الاولى السائدة في اراء الباحث هيلارد كابلان في جامعة نيومكسيكو المكسيكية والذي يجادل بأننا نحتاج الى طفولة مطولة لتعلم كيفية البقاء في مراحل حياتنا المعقدة بعد سن الرشد. ويقول كابلان ان الاطفال في فترة نشأتهم التي تقل فيها المسئوليات لديهم الفسحة والحرية لاكتساب المهارات والمعرفة التقنية التي ستكون عونا لهم عندما يكبرون ويصير لزاما عليهم العيش بدون رعاية ومساعدة. وتلك المهارات قد تعني الفارق بين الحياة والموت. اي ان الطفولة بكل بساطة، هي استثمار في المستقبل. ويشير كابلان الى ان اسلافنا القدماء كانوا يعيشون على الجمع والصيد، وهما مهنتان تتطلبان رشاقة بدنية وذهنية تقارن بالكفاءات التي يجب ان يتمتع بها الموظف المكتبي القياسي في ايامنا هذه. ويتفق مع هذا الرأي ايضا جون بوك من جامعة ولاية كاليفورنيا الذي درس الاطفال في بوستوانا. اذ يقول انه لابد للصيادين من امتلاك القدرة على صنع اسلحتهم بانفسهم، وتقفي اثار طرائدهم وقتلها وتقطيع لحومها قبل جلبها للبيت، وذلك يأتي على رأس كل المقدرات الاخرى التي يحتاجونها لمجرد البقاء على قيد الحياة في البرية. كما ان الانسان القديم كان بحاجة لابتكار ادوات خاصة لجمع النباتات ومعالجتها لتصبح قابلة للهضم. ومن هذا المنطلق يجادل كابلان وبوك بأن الاطفال يحتاجون الى فترة تمرين طويلة لتعلم الاشياء المهمة لكي يعيلوا انفسهم في الكبر. انها لفكرة جذابة لانها تتفق مع المفاهيم الحديثة عن الطفولة حيث يمضي الاطفال الوقت بين المدارس لاكتساب المعارف والمهارات التي ستساعدهم على الاداء الفعال في سن الرشد، لكن ليس هناك ادلة مباشرة مهمة تدعم هذه النظرية. كما ان علماء انثروبولوجيا اخرين يعارضون فكرة ان التعلم هو العناية القصوى في الطفولة، وتتعزز رؤية هؤلاء بنتائج بحثية جديدة تشير الى ان الاطفال في واقع الامر بارعون تماما في مهارات البقاء على الاقل فيما يتعلق بممارسات الجمع والصيد التي اعتمد عليها الانسان القديم. ويحاول هؤلاء الباحثون بانه اذا اصبحت الطفولة فترة للتعلم اليوم، فان الامر ببساطة يقوم على ثقافة حديثة تستفيد من مرحلة دورة الحياة المطولة القائمة اصلا لاسباب عديدة اخرى. لكن اذا لم تكن الطفولة مصممة لمنح الصغار فسحة زمنية للتعلم، فما الغاية منها اذن؟ باري بوجين، عالم الانثروبولوجيا في جامعة ميتشنجان قدم تفسيرا ثوريا بديلا، اذ يعتقد هذا العالم ان الطفولة نشأت لمصلحة الوالدين. ويجادل بوجين بأن الطفولة المبكرة ـ بين سن الثالثة والسابعة عند الانسان الحديث ـ هي طور جديد اقحم في دورة حياة اسلافنا لزيادة نجاحهم التناسلي. وهو يشير الى ان جميع الثدييات تستمر في ارضاع صغارها الى ان تبزغ اضراسها الدائمة وتصبح قادرة على اعالة انفسها. وهذا يحد من عدد الذرية التي تستطيع كل ام انتاجها. وتتلخص فكرة بوجين في ان طفولتنا المطولة ما هي الا نتيجة نشوئية تحابي هذا الطور الجديد في دورة الحياة الذي يعود الصغار فيه معتمدين كليا على امهاتهم بل يمكنهم الاعتماد على اعضاء اخرين في الاسرة للحصول على الغذاء والعون. وهذا يعني ان بمقدور الامهات الحمل مجددا مع ان اطفالهن لا يزالون صغارا. وحقيقة ان البشر كائنات ناجحة بطبيعتها تدعم فكرة بوجين. وبرغم حجمنا وأعمارنا الطويلة فنحن نتكاثر بنفس معدل ونجاح تكاثر الثدييات الاخرى الاقصر حياة. فالفاصل الزمني النموذجي بين المواليد البشر هو عامان ونصف العام بالمقارنة مع خمسة اعوام عند الشمبانزي. والاهم من ذلك ان نسبة المواليد البشر الذين يبلغون سن الخامسة عشرة ضعف ما هي عليها عند الشمبانزي. وعلاوة على ذلك فان الفكرة التي تعتبر الاطفال قاصرين وتابعين هي مفهوم حديث يشوش على فهمنا للمعنى الحقيقي للطفولة. وفي اجزاء عديدة في العالم يساهم الاطفال في جهود الاسرة، وبالتالي فهم في واقع الامر ليسوا عبئا على المنزل. وفي انحاء المعمورة، يقوم الاطفال برعاية اشقائهم الاصغر سنا ويقومون بالاعمال المنزلية الروتينية مثل جمع الحطب واقتلاع الاعشاب الضارّة والعناية بالحيوانات الداجنة. والاطفال يفعلون هذا كله وهم لا يزالون صغارا ولا ينافسون كثيرا على الموارد مثل الغذاء والحيز المكاني في المنزل. وبالنسبة للاباء والامهات في هذه الثقافات، ربما تبدو الطفولة قصيرة وليست طويلة اكثر مما ينبغي. وبالطبع، فقد انقلبت الموازين بالنسبة للعديد من الاسر في ايامنا هذه. فالاطفال ربما نشأوا اصلا ليكونوا مساعدين صغارا لكنهم في العالم المتقدم على الاقل اصبحوا عبئا يستنزف طاقة ودخل المنزل. واذا كانت الفائدة الاصلية من الطفولة الطويلة تصب في مصلحة الاباء في السابق، فانها تحابي الاطفال الآن، فنحن نشعر انا مجبرين على الاستمرار في اعالة صغارنا حتى بعد سن البلوغ. فالانفاق على التعليم الجيد يبدو منطقيا جدا كاستثمار في مستقبل ابنائنا ـ حتى ولو كان ذلك يعني انهم لن يصبحوا مستقلين ومعتمدين على انفسهم الا بعد اوائل العشرينيات، ونحن لا نمانع ان نعطيهم المال لشراء لعبة كمبيوتر جديدة او لحضور فيلم جديد، ونحن نقول في قرارة انفسنا ان الطفولة مرحلة خاصة، وان كنا نتساءل احيانا: لماذا هي طويلة جدا الى هذا الحد؟ علي محمد