السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 اطلقت دار السويدي في ابوظبي بالتعاون مع «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» خلال معرض الشارقة الدولي رحلات جديدة في سلسلة مئة رحلة عربية الى العالم بلغ عددها 15 رحلة، وهي جزء من دفعة اكبر ستكتمل مع معرض الكتاب في ابوظبي الربيع المقبل ويبلغ عددها 22 رحلة تمثل تراثا ادبيا وجغرافيا يمتد عبر الف من السنوات. وبين هذه الاعمال ثلاث رحلات اندلسية صدرت في اطار مشروع عربي اوسع يرعاه محمد احمد السويدي وتشارك فيه جهات ثقافية اوروبية، ويستمر طوال العام 2003 لالقاء الضوء على ما حققته مملكة غرناطة الزاهرة، بصفتها آخر منارة اسلامية في الاندلس ومختبرا مبكرا للتلاقح الحضاري بين ثقافات حوض المتوسط، ويتضمن، الى جانب الرحلات الثلاث المذكورة، خارطة حضارية لمدينة غرناطة باللغات العربية والاسبانية والانجليزية، ومعرض صور للمدينة يغطي مجمل الجوانب العمرانية والانسانية، وفيلما وثائقيا يرصد مملكة غرناطة منذ اول نشأتها وحتى سقوطها في 1492، وكتاباً من مجلدين تحت عنوان «غرناطة كما صورها الرحالة والجغرافيون العرب والمسلمون»، فضلا عن موقع للمدينة على الانترنت في اطار مشروع الـ قمط َملٌُا الذي اسسه السويدي بين ابوظبي وكامبردج ويرصد حضارات العالم، وبينها الحضارة العربية ـ الاسلامية كحلقة اساسية من حلقات التطور الحضاري للانسانية، وذلك من خلال رصد طرق التجارة القديمة، وطرق انتقال الثقافات، والتبادل الثقافي عبر التاريخ، من خلال 40 مدينة حضارية شاركت بقوة في صنع الحضارة. وقال الشاعر نوري الجراح المشرف على المشروع ان الرحلات الاندلسية الثلاث هي «خطرة الطيف ـ رحلات بين المغرب والاندلس» للسان الدين ابن الخطيب 713 ـ 776 هـ 1313 ـ 1374م، و«رحلة الغرناطي الى اوروبا وآسيا» لابي حامد محمد بن عبدالرحيم الغرناطي، ـ 472 ـ 565 هـ 1080 ـ 1170، و«تذكرة بالاخبار عن اتفاقات الاسفار» لمحمد بن احمد بن جبير الاندلسي، 540 ـ 614 هـ 1145 ـ 1217م. وقد حقق هذه الرحلات الثلاث على التوالي، قاسم وهب، والدكتور احمد مختار العبادي، والشاعر علي كنعان. ويجمع بين هذه الرحلات ان مؤلفيها هم من كبار مثقفي غرناطة على مدار ثلاثة قرون، فهم اما انطلقوا منها، وعادوا اليها في رحلاتهم حول العالم، كما هو الحال بالنسبة الى ابن جبير، او انطلقوا منها ولم يعودوا اليها كأبي حامد الغرناطي المدفون في دمشق، او انطلقوا منها وعادوا اليها، ثم جرى نفيهم عنها كلسان الدين بن الخطيب المدفون في المغرب. وتشكل هذه الرحلات احد اوجه التراث الادبي والعلمي العربي، في ذروة تألق الحضارة الاسلامية في الاندلس. واضاف الجراح: تهدف هذه السلسلة حسب ما اشار محمد احمد السويدي في تقديمه لها الى بعث واحد من اعرق الوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيات ادب الرحلة، للمرة الاولى في العربية، الى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب ورحالة عرب ومسلمين جابوا العالم ودونوا يومياتهم وانطباعاتهم، ونقلوا صورا لما شاهدوه وخبروه في اقاليمه، قريبة وبعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النخب العربية المثقفة، ومحاولة التعرف على المجتمعات والناس في الغرب، والواقع انه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق والمستشرقين الذين ملأوا دروب الشرق، ورسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الانجليزية والفرنسية والالمانية والايطالية، وذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم والعلم. ونبه الى ان احد ابرز اهداف هذه السلسلة من كتب الرحلات العربية الى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكل عن طريق الرحلة، والافكار التي تسربت عبر سطور الرحالة، والانتباهات التي ميزت نظرتهم الى الدول والناس والافكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكل ثروة معرفية كبيرة، ومخزنا للقصص والظواهر والافكار، فضلا عن كونه مادة سردية مشوقة تحتوي على الطريف والغريب والمدهش مما التقطته عيون تتجول وانفس تنفعل بما ترى، ووعي يلم بالاشياء ويحللها ويراقب الظواهر ويتفكر بها. ولابد من الاشارة الى ان هذه السلسلة التي صدر منها حتى الآن 15 كتابا هي 15 رحلة تمت ما بين القرن الثالث الهجري ومطلع القرن العشرين ستبلغ عمليا المئة كتاب يعمل في تحقيقها وتحريرها والتقديم لها فريق من ألمع الباحثين والاساتذة المتخصصين في الادب الجغرافي العرب والاجانب، ومن شأنها ان تؤسس، وللمرة الاولى، لمكتبة عربية مستقلة مؤلفة من نصوص ثرية تكشف عن همة العربي في ارتياد الآفاق، واستعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، وهي الى هذا وذاك تغطي المعمور في اربع جهات الارض وفي قاراته الخمس، وتجمع الى نشدان معرفة الآخر وعالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب والمسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الادباء والمفكرون والمتصوفة والحجاج والعلماء، وغيرهم من الرحالة العرب في ارجاء ديارهم العربية والاسلامية. رحلات لسان الدين بن الخطيب يرجع اهتمام الباحث والمحقق الكبير احمد مختار العبادي بالمؤرخ الوزير الغرناطي لسان الدين بن الخطيب الى سنة 1952م عندما كان يعد رسالة الدكتوراه في جامع مدريد باسبانيا وموضوعاتها: مملكة غرناطة في عهد السلطان محمد بن يوسف بن نصر ( محمد الخامس الغني بالله) من القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي. واهتمامه بشخصية لسان الدين بن الخطيب لانه كان وزيراً لهذا السلطان محمد الخامس، بل كان وزيراً قبل ذلك لأبيه ابي الحجاج يوسف الاول. يقدم هذا الكتاب شخصية الوزير الاندلسي لسان ابن الخطيب كرحالة عظيم، وذلك على ضوء ما قدمه لنا من أوصاف دقيقة ومشاهدات صادقة، للبلاد الاندلسية والمغربية التي زارها بنفسه، والواقع ان الظروف العلمية والسياسية التي تقلب فيها ابن الخطيب اتاحت له الفرصة للطواف بأنحاء مملكة غرناطة وبلاد المغرب الاقصي. فحين تولى الوزارة، رافق سلطانه ابا الحجاج يوسف الاول في رحلته التفتيشية بمقاطعات غرناطة الشرقية عام 748 ه، كذلك زار ابن الخطيب بلاد المغرب الاقصى كسفير لسلطان غرناطة في عامي 749 و 755ه، ثم التجأ اليها مرة ثالثة عندما نفي مع سلطانه المخلوع محمد بن يوسف بن نصر، الغني بالله، عام 760 ه. واستمرت مدة نفيه ما يقرب من ثلاث سنوات عاد بعدها ابن الخطيب مع سلطانه الى مقر حكمه مرة اخرى. سجل ابن الخطيب في رحلاته ما بين 1347 ـ 1362 كل ما رأته عيناه، وسمعته اذناه، فأعطانا بذلك مادة خصبة يرجع اليها الفضل الاول في كل ما نعرفه عن حضارة الغرب الاسلامي في تلك الفترة. رحلة الغرناطي الى اوروبا وآسيا حظيت تحفة الغرناطي باهتمام المستشرقين الغربيين، والمستعربين الروس منذ نهايات القرن الثامن عشر، في الوقت الذي لم تحظ فيه باهتمام يذكر من قبل الدارسين العرب والمسلمين في القديم والحديث. ويتميز وصف الغرناطي لبلدان آسيا واوروبا (بلاد البلغار) بالحيوية والتفنن، ويمكن بعد تمحيصه تمحيصا دقيقا استخراج نتائج طيبة في مختلف النواحي. اما المستشرق الالماني ( جورج جاكوب) فقد رأى (ان التحليل الدقيق لرواياته المنسوبة الى محيط الاساطير قد يكشف في كثير منها عن أسس واقعية، وعن دقته الكبيرة في الملاحظة). كما وصف المستعرب الروسي (دورن) التحفة بأنها عمل في غاية الاهمية، وانه لمكن استخلاص حقائق جديدة وقيمة من بين العجائب والغرائب التي ينطوي عليها الكتاب. اما كراتشكوفسكي الخبير في الجغرافيا العربية فقد رأى انه لا يمكن تجاهل الغرناطي في تاريخ الادب الجغرافي، فهو يورد اسماء رواته بدقة، ويتحدث عن نفسه بضمير المتكلم، ولهذا يمكن التفريق بسهولة بين مصادر مادته، وهو رحالة وجغرافي كبير بذل دائما قصارى جهده لتوسيع نطاق معلوماته، ففي القاهرة مثلا يتجاذب الحديث مع احد اهل الحجاز عن عجائب الهند والصين حيث امضى ذلك الرجل هناك اربعين عاما، وفي بغداد يستفهم من احد مسلمي صقلية عن ثوران بركان (أتنا) وفي هنغاريا يجمع اخبارا مفصلة من اهل البلاد عن القسطنطينية والمشاكل السياسية فيها. وتنال أهمية خاصة روايته لما رآه بعيني رأسه، وهو يمثل ثلث الكتاب بالتقريب، واهتمامه بالأبنية والمعالم المختلفة، وقد خلف لنا مقدارا ملحوظا من المعطيات الطريفة. كما يرى كراتشكوفسكي ان الغرناطي قدم معطيات قيمة عن بعض بلدان اوروبا، كذكره للألمان تحت اسم (نامس)، وحكايته عن هنغاريا التي تلقي ضوءا عن اصل المسلمين الهنغاريين ووضعهم، كما يرى ان وصفه لروما ينطبق على القسطنطينية لا روما نفسها. اما معطياته عن حوض الفولغا الاوسط والادنى، وعن شعوب القوقاز فهي تمثل اهمية كبرى. كما نالت اهتماما كبيرا قصته عن تجارة العظام المندثرة التي نشطت بين سكان الفولغا وخوارزم. ومما يجدر ذكره ان الغرناطي الف كتابه بعد ان نيف على الثمانين، جامعا بين دفتيه خلاصة نصف قرن مما عاينه خلال ترحاله في بلاد الله الواسعة وكان ذا همة عالية لا تعرف الكلل، وصاحب فضول علمي الذي يدل على رغبة حثيثة في الاطلاع والتنقيب عن الغريب والعجيب في هذا العالم، من قبل رجل تجاوز الخمسين من العمر عندما جرؤ على اقتحام الاصقاع النائية، وتحمل مشاق السفر والترحال، والاقامة في بلاد مغايرة متعددة الاعراق، واللغات، والاديان، والعادات، وهو لا يمتلك ـ على الارجح ـ سوى الاسلام سلاحا في هذه الرحلة الطويلة الشاقة يحمله بين جنبيه ليعلمه، وينشر تعاليمه بين اقوام اكثرهم حديث عهد به. رحلة ابن جبير (1183 ـ 1185) بدأها من غرناطة وانهاها فيها، وقد امتدت سنتين وشهرين وثلاثة اسابيع. انها رحلة حج أفاض بذكر كثير من التفاصيل في مناسك الحج والبيت الحرام في مكة المكرمة وزيارته للمدينة المنورة والمسجد المبارك هناك. ويتجلى لنا في هذه الرحلة دقة الرحالة العلمية واهتمامه بشتى التفاصيل كالتواريخ اليومية وظهور الأهلة ورصد وتسجيل كل ما يمر به او يراه من ملامح الارض وتشكيلاتها وطرقها والمسافات التي قطعها وأحوال الجو وأهوال البحر وتصرفات الناس، ويعرض بعض ما انجز صلاح الدين من مدارس ومستشفيات ومساجد وحمامات وغير ذلك من المرافق العامة، ويشيد ابن جبير برعاية السلطان للمغاربة والغرباء، فضلا عن حياته الجهادية المظفرة، وهي تعتبر من الرحلات الشاملة.