السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 عندما كان في الثامنة والثلاثين من عمره، وصل بنغ دنغ سونغ إلى نقطة تحول غيرت حياته ونظرته إلى المستقبل الى الأبد. فقد الم به مرض مفاجيء جعله طريح الفراش في وحدة العناية المركزة لمدة عشرة أيام، وقال الاطباء ان لديه ورما في الكبد ويحتاج إلى اتباع نمط حياة صحي. ونصحوه بالقول: «من الأفضل لك ان تجد شيئاً يحظى باهتمامك لمساعدتك على الاسترخاء». حدث هذا قبل ثلاثة عشر عاماً، عندما كان يعمل كفني كهرباء في تايبيه، ويعيش حياة ملؤها الطيش والتهور. والآن، وبعد ان اتبع نصيحة اطبائه، اصبح بصحة جيدة وسعيداً في حياته. فما هي الوصفة السحرية التي غيرت مجرى حياته؟ يقول بنغ عن ذلك: «استقلت من عملي، وعدت إلى مسقط رأسي مياولي في وسط تايوان. وشغلت نفسي في نحت عصى الخيزران لتمضية الوقت ولم اضع ادواتي منذ ذلك الحين. وانا اشعر بقوة مذهلة في يدي عندما اقوم بهذا العمل». وفي ظل غياب الخلفية في الفنون الجميلة، بدأ بنغ العمل في مهنة جديدة كنحات للخيزران. وعلى نحو لم يكن متوقعاً، فازت اول قطعة فنية له. وهي عبارة عن منحوتة لنبتة سحلبية ـ بجائزة في فئة الفنون والحرف بمعرض تايبيه السادس عشر للفنون في عام 1989 وتم اختيارها فيما بعد للعرض في المعرض الوطني للفنون. وقد دفع هذا المستوى من الاعتراف بنغ لا الى الاستمرار فحسب وانما أيضاً الى استكشاف حرفته بتفصيل أكثر. وفي الاعوام التالية، استطاع بنغ ان يوجد عالماً كاملاً من منحوتات الخيزران التي تصور موضوعات طبيعية مثل النباتات السحلبية وازهار اللوتس واشجار الخوخ بالاضافة إلى تصميم اشياء عملية مثل حوامل فرشاة الدهان. وواصلت هذه الاعمال حصدها للجوائز في المسابقات المحلية والوطنية. وعلى الرغم من مسيرته الفنية القصيرة، الا انه استطاع ان يجذب اهتمام نقاد الفن في تايوان وحظي بالاطراء لتخلصه من القيود التقليدية في ابداعه لنمط فني حديث. ويفسر بنغ الامر بقوله: «نظراً لأنني تعلمت هذه الحرفة بنفسي، فانني اتمتع بحرية اكبر في العملية الفنية مما لو كنت خاضعاً لقيود التدريب المعتاد من معاهد اكاديمية او حتى مدرسين خاصين». ولكن ما الذي يميز هذا الفنان عن غيره من الفنانين الذين تخصصوا في فن النحت على الخيزران؟ يقول تشين وينتشي، وهو مدير مشروع في قسم المواد وتصميم النظام في معهد بحوث التكنولوجيا الصناعية: «ان اكثر ما يثير الدهشة في عمل بنغ هو مهاراته في النحت ثلاثي الابعاد واستخدامه المبتكر لمعالجة طبيعية مضادة للتعفن». وهو يشير هنا الى اسلوب في معالجة الخيزران طوره بنغ وذلك بغليه في الماء مع أوراق الشاي. فهذه المعالجة تساعد في منع العفن والتشقق من اتلاف الاعمال الجاهزة، ويضيف تشين قائلاً ان «أساليبه الفنية قد حولت اعماله إلى اشياء مفعمة بالاصالة والحيوية والجمال. وهي توحي بإحساس بالكمال». ويمضي تشين واصفاً بنغ بالكنز الوطني الحي الى القول بأن قدرته على الجمع بين الفن والعلم، وبخاصة من خلال الحسابات المعقدة التي تبرز ثلاثية الابعاد في منحوتاته، هي قدرة نادرة حقاً. وقد ساعد تشين على ادخال فن بنغ إلى اليابان، حيث تلقى الاعمال الفنية بالخيزران تقديراً كبيراً. ويقول تشين بهذا الخصوص: «ان اعمال بنغ تعتبر ممثلة للثقافة التايوانية وروح الابداع وينبغي ان تتاح للأجانب فرصة التعرف عليها. واعتقد ان هذا النوع من التبادل الثقافي يعتبر أيضاً فرصة ممتازة لتايوان كي ترفع من مستوى حضورها في المجتمع الدولي». ويسافر بنغ الى اليابان سنوياً لاستعراض مهاراته وعرض اعماله ولالقاء المحاضرات بالاضافة إلى تعلم المزيد من النحت على الخيزران. ان نقص الكتب حول الموضوع قد اجبر بنغ على دراسة صفات الخيزران بنفسه، وفي محاولاته لمحاكاة الطبيعة وجعلها متناغمة مع الوسيط الفني الذي يختاره، يقوم أيضاً بدراسة العلوم الطبيعية بتفصيل كبير. ومن الأمثلة على ذلك ملاحظاته الدقيقة لبركة تنمو فيها ازهار اللوتس طوال عامين درس خلالها كيف تنمو هذه النباتات وتزهر وتذوي مع مرور الوقت. وامضى وقتاً طويلاً كذلك في البساتين يسجل عملية النمو بكامل مراحلها. وقد ساعدت هذه الملاحظات المفصلة الفنان على بعث الحياة والاصالة في اعماله. واكثر الصعاب التي واجهت بنغ في سعيه الى التميز عن باقي رفاقه من اصحاب المهنة، هي تلك التي تتعلق باكتساب مهارة النحت على الخيزران مع اظهار الابعاد الثلاثة في اعماله. وفي البداية كان رأي اصدقائه بالفكرة انها مستحيلة، وانها لو كانت غير ذلك، لقام الاجداد بتطبيقها منذ آلاف السنين. ولكن هذه الآراء المثبطة لم تنل من عزيمة بنغ، الذي واصل دراسته وتجاربه العديدة من اجل التوصل إلى الأسلوب المطلوب. ونجح في النهاية في معرفة السر وتغلب على جميع العقبات ليقدم فناً راقياً. ويعلق على هذا الموضوع بقوله: «الفن لا يعرف حدوداً. وحالما تتم إزالة العقبات التقنية، يصبح الابداع الفني بلا حدود». ضرار عمير