الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 عندما تم قتل المستكشف الشهير كابتن كوك، الذي دار حول العالم ثلاث مرات وساعد على اكتشاف العديد من دول ومدن العالم، في شاطيء كيلاكيكوا بهاواي عام 1779، قام القتلة بالتمثيل بجثته. وبعد مرور عدة أيام على الحادث، قام احد ابناء الجزيرة باعادة جثمان كوك الممزق أشلاء إلى سفينته التي طالما طاف بها بحار العالم والتي كانت تعرف باسم «ريزوليوشن» وقد دفن المستكشف الشهير في اعماق البحار مع سفينته، أو هكذا تقول على الأقل معظم الروايات. وبعد مرور عدة عقود على هذه الحادثة، تواترت الروايات المختلفة بشأن المصير الذي آل إليه كوك، ووصل بعضها إلى موطنه الاصلي، انجلترا، حيث ألمحت بعض تلك الروايات الى انه لم يتم دفن جميع اجزاء جثمان المستكشف الشهير في الماء، فعلى الأقل هناك بعض من عظامه لايزال موجودا في كيلاكيكوا، مخبأ في معبد قصي بالجزيرة. وافادت احدى تلك الروايات ايضا ان هناك سهماً خاصا بكوك، كان جزءا من مجموعة من الأدوات التي كان يستخدمها هذا القبطان في رحلاته يعرض حاليا في المتحف الاسترالي بسيدني. وعلى احد طرفي السهم هناك رأس معدنية في حين ان الطرف الآخر يتكون مما يشبه ريشاً قرمزي اللون. والسهم بالفعل رسمها يبدو غير عادي، فهو مكون من الخشب في الجزء الأكبر منه، ولكن خلف رأسه هناك مساحة تبلغ 15 سنتيمترا مصنوعة من قطعة عظيمة اخذت من عظام إحدى رجلي كوك نفسه، اوهكذا تزعم الرواية إياها. وفي محاولة لكشف جلية الأمر وسر مقتل كوك وطبيعة هذا السهم الغريب، لجأ المتحف إلى العلم الحديث لاستقصاء الأمر. في ديسمبر 1823 قام الملك كاميهاميها الثاني، ملك هاواي، وزوجته الملكة كاما مالو بالابحار الى انجلترا على متن سفينة صيد حيتان انجليزية، حيث وصل لندن في مايو من العام التالي وزارا وستمنستر وعددا من المعالم السياحية في المملكة المتحدة. وحدث ان اصيبا في يونيو من العام نفسه بالحمى، وعلى الرغم من محاولات الاطباء، لقى الاثنان حتفهما متأثرين بالمرض. ولكن قبل أن يلفظ الملك أنفاسه الأخيرة، أعطى طبيبه سهماً مزوداً بقطعة من العظم في احد طرفيه، وقال له ان هذا العظم مأخوذ من عظام بشرية، وأن هذه العظام هي عظام القبطان كوك. لوح البعض بفكرة ان الملك، الذي كان قد تحول إلى المسيحية قبل سفره الى انجلترا يمكن أنه كان قد قرر اعادة عظام كوك إلى عائلته في انجلترا وان هذا هو سبب قيامه بالرحلة. ومع مرور سنوات القرن التاسع عشر تبين انه عندما قام أهل جزيرة كيلاكيكوا بوضع جثة كوك في السفينة ليغرق معها، لم يقوموا بوضع الجثة بالكامل. وتفيد بعض الروايات انه ربما لم يكن الجثمان هو جثمان كوك أصلاً. فقد تم قتل اربعة من البحارة بجانب كوك، وبينما لم تكن جثامين هؤلاء تعني الكثير لسكان تلك الجزيرة، فإن جثمان القبطان كان يعني الكثير. فقد تم تقديس جسد كوك، وطبقاً للمعتقدات الدينية التي كانت سائدة في الجزيرة، كانت عظام كوك تملك قوة خفية تفوق القوة الطبيعية للبشر. وفي عام 1820 تتبع أحد الأوروبيين الذين وصلوا الى الجزيرة في وقت سابق القصة الى احد المعابد الموجودة على أرض الجزيرة، حيث كان يتم حفظ الجثث تحت طبقة من الريش الأحمر. وحدث بعد موت الملك ان تم ارجاع السهم إلى عائلة كوك، حيث اصبح السهم ملكاً لجراح يدعى وليام ادامز، وهو ابن عم زوجة كوك، حيث ان جميع اقارب كوك كانوا بالطبع قد ماتوا في ذلك الحين. في عام 1885، اقرض ادامز السهم لحكومة نيوساوث ويلز لعرضه خلال المعرض الهندي في لندن، وعقب انتهاء المعرض، تبرع به ادامز الى استراليا، وتم وضعه في المتحف الاسترالي في سيدني وحدث ان وصلت قصة السهم الى مسامع كيلف ثورنتون، رئيس جمعية القبطان كوك، الذي صمم على معرفة أصل هذا السهم وقضى عدة سنوات من محاولات لتعقب قصته حتى وصل الى مراده في عام 1999. فعلى الرغم من قيام مسئولي المتحف بالتأكد من الروايات التي ساقها ادامز حول كيفية وصول السهم إليه إلا أن علماء المتحف كان يتملكهم الشك في صحة القصة نفسها. غير ان السهم لا يبدو منتمياً إلى أي أصل بولونيزي، ويبدو أكثر شبهاً بالفعل بالأسهم التي كان يتم صنعها من الساحل الشمالي الغربي لأميركا، وهو المكان الذي توقف فيه كوك قبل وصوله إلى هاواي. وربما قام كوك بالحصول عليه واصطحابه معه في رحلته إلى هاواي. ولكن ماذا لو ثبت بالفعل أن العظام هي لكوك؟ وقرر المتحف ان يبحث عما إذا كانت العظام انسانية أم لا فإذا لم تكن، فإن الأمر سينتهي عند هذه النقطة. فالشعوب في الساحل الشمالي الغربي لاميركا، احيانا يضعون عظاماً مأخوذة من ثدييات البحر على سهامهم. والعظام المأخوذة من حيوانات مختلفة تملك هيكلاً مميزاً وذا كثافة تبعاً لأسلوب حياة الحيوان، سواء كان يمشي على رجلين أم أربع، وكذلك كم الحمل الذي يمكن ان يتحمله العظم. ويمكن لأشعة إكس أن تحدد طبيعة العظم في هذا الصدد. إلا إنه لسوء الحظ، كانت العظام كثيفة بحيث يصعب على اشعة إكس تمييزها. غير ان الاشعة اثبتت انها لا يمكن ان تكون عظام حيتان أو دلافين، حيث انها لم تكن لتتحمل وزن هذه الثدييات الضخمة. ولجأ المتحف الى واحدة من اشهر الخبيرات في هذا المجال، وهي العالمة استيل ليزر التي بدورها قامت بالعديد من الفحوصات والتحاليل لم تستطع بعدها الوصول الى نتيجة محددة. تقول ليزر: هناك الكثير من الاختلافات والتشابهات مع عظام الانسان لا تجعل من الممكن الجزم بأن تلك العظام هي عظام كوك.. فقدر الاختلافات لا يجعلنا قادرين على الجزم بأن العظام ليست انسانية. لدى شكوك بشأن كونها عظاماً انسانية، ولكي لا يمكن في الوقت نفسه استبعاد هذه الامكانية. ولم يتبق أمام العلماء إلا اللجوء إلى اختبار الحمض النووي، على الرغم من انه ليس هناك ضمان لوجود أي حياة داخل هذه القطعة من العظم، ولكن إذا وجد أي قدر من المواد الجينية، سيكون هناك أمل للجزم بأن العظام بشرية أم لا. وحينذاك يمكن أن تكون هناك وسيلة لمعرفة إنها تنتمي لانسان أوروبي أم لا، ويمكن حتى التأكد من إنها تنتمي لكوك أم لا، لاسيما وانه لايزال هناك سلالة لاتزال تعيش في بريطانيا تمتد في جذورها إلى اخت كوك، وهؤلاء يمكن ان يوافقوا على اجراء تحاليل للمقارنة والتوصل الى حقيقة الأمر. يقول ثورنتون «سيكون الأمر مدهشاً ان نكتشف حقيقة الأمر وننهيه بطريقة أو بأخرى». حاتم حسين