الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 ملجأ فريد من نوعه للمعلومات مشيد على بقعة تعتبر نفسها امارة مستقلة في عرض البحر على مسافة لاتتجاوز 11 كيلو مترا من الساحل الشرقي لانجلترا. انها شركة «هافنكو» الناشئة التي تقوم بعملية استثنائية متطورة في برجين اسمنتيين بارتفاع سبعة طوابق في بحر الشمال. استغرق تركيب تجهيزات هافنكو عدة أشهر من العمل الشاق والمضني، والآن اصبحت الشركة قائمة في موطنها الحصري «سيلاند» موصولة بالانترنت عبر البث اللاسلكي والأقمار الصناعية، وتنقل مؤنها ولوازمها وكوادرها من اليابسة بشكل منتظم عن طريق البحر والجو. وبعد ترسيخ بنيتها التحتية على البرج البحري، بدأت «هافنكو» اخيرا بتقديم خدماتها لزبائن من مختلف انحاء العالم بإيواء انظمتهم الحاسوبية وجميع المعلومات المخزنة فيها في مكان آمن بصورة استثنائية لايمكن لاي مخلوق، كائنا من كان الوصول اليه. والشركات الاخرى الموجودة من قبل تقدم مثل هذه الخدمات والتسهيلات عادة في مبان مشيدة بشكل خاص بحراسة أمنية مشددة، ومصممة لتصمد في وجه اي هجوم او محاولة اختراق محتملة. لكن «هافنكو» تعتبر نفسها اكثر امناً حتى من تلك الحصون المعلوماتية المنيعة. ويوضح ريان لاكي، احد مؤسسي «هافنكو» أن: العامل الاساسي الذي يميزنا عن المواقع الاخرى هو امننا المادي وأمننا القانوني القائم على سيادتنا ككيان مستقل. فنحن نقدم خدمات عملياتية وامنية ولحفظ وادارة البيانات عن بعد وهذا امر متاح في اماكن أخرى. لكن الميزة التي نتفرد بها عن كل من سوانا تتمثل في الجمع بين الامن المادي والأمن القانوني. ومرد ذلك الى ان «هافنكو» تقع على امارة «سيلاند»، وهي اصلا منصة للمضادات الجوية بناها البريطانيون خلال الحرب العالمية الثانية للتصدي للقاذفات النازية. وفي ذلك الحين كانت المنصة تعرف باسم «برج رافس». وفي عام 1967 اعلن الضابط المتقاعد روي بيتس البرج امارة ذات سيادة مستقلة عن بريطانيا، واطلق عليها اسم «سيلاند». ونصب بيتسي نفسه أميراً على «سيلاند» وأصبحت زوجته تحمل لقب الأميرة جوان. وسرعان ما اصبحت «سيلاند» مادة غنية لعناوين الصحف خصوصاً بعد اصدارها جوازات سفر وعملة نقدية وطوابع خاصة بها. وفي عام 1968 ثارت ضجة كبرى عندما قام روي وابنه مايكل باطلاق طلقات نارية تحذيرية باتجاه بعض العمال البريطانيين الذين كانوا يتفحصون منصة عائمة لارشاد السفن في الجوار. وعندما أبحر الاب والابن بعد ذلك الى اليابسة لقضاء بعض الحاجات تم اعتقالهما بتهمة حيازة الاسلحة النارية. وتمت تبرئتهما لاحقا، عندما أقر القاضي بأن «سيلاند» تقع خارج المياه الاقليمية البريطانية، التي تمتد لمسافة خمسة كيلو مترات فقط من اليابسة. وبريطانيا لا تعترف رسميا بإمارة «سيلاند»، ولو ارادت ان تمارس نفوذها على هذه الدويلة الصغيرة فسيكون من الصعب على «سيلاند» وبطبيعة الحال «هافنكو» ايضا ابداء اي مقاومة تذكر. لكن لاكي الذي يمضي اسبوعين في الشهر معزولا في عرض البحر، متسليا فقط بالافلام والملفات الموسيقية الرقمية التي يتم تحميلها على سيرفرات الشركة لا يرتعد خوفا في برجه، حتى الآن. وهو يعلم جيدا ان بريطانيا تستطيع بسهولة الاطاحة بامارة «سيلاند»، اذا لجأت الى استخدام القوة، لكنه يفترض بأن الوضع السياسي يجعل هذا الخيار غير مرجح. ويقول لاكي: «سيادتنا مأمونة أكثر من سيادة العديد من الدول الاخرى. وعمليا، فإن الوضع الحالي الذي تمتلك (سيلاند) فيه مقومات ومستلزمات السيادة، وان كانت غير معترف بها رسميا من قبل بريطانيا، يرجح على ما يبدو ان يدوم لفترة غير محددة. وهذا وضع مثالي لهافنكو لانه يخدم احتياجات ومتطلبات زبائننا. وفي عالم اليوم المضطرب المليء بصراعات، يبدو ان هناك منطقا في فكرة لاكي. لكن يبقى أن نرى ما اذا كانت «هافنكو» ستتمكن فعلا من الافلات من الاذرع المتطاولة لقوانين الانترنت البريطاني التي تزداد تطفلا يوما بعد يوم. وعلى الرغم من الاسلحة النارية الأولى وانظمة الضرائب التي تدل ضمنيا على الاستقلال، فإن بريطانيا اكدت دائما على ان «سيلاند» ليست دولة مستقلة. حتى لاكي نفسه يعترف بان «القضايا المتعلقة بحقوق وسيادة الكيانات المستقلة عموما تتسم دائما بالتعقيد». لكن مفخرة «هافنكو» الفريدة هي انه لايمكن لأحد ان يمسها. ويقول لاكي: نحن نحاول ان نتيح لزبائننا تجاوز الضبابية التي تخيم على مستقبل قوانين الانترنت، مشيرا الى المراسيم الاميركية والبريطانية الجديدة التي تمنع تجارة الانترنت المصونة المأمونة وحرية التعبير. وتعتبر «هافنكو» نفسها خارج نطاق سريان تلك القوانين، لكن هذا الامر غير ذي شأن كبير من نواح عديدة، فالشركة تقوم بمشروع عظيم، بحسب لاكي، وبدأت تجني الارباح. وبغض النظر عن الخلافات القانونية، فإن هافنكو استطاعت ان تجعل من سيلاند بقعة عظيمة للايواء المأمون للانظمة الحاسوبية. فهي في تقبع في عرض البحر ولا يمكن الوصول اليها الا بواسطة قارب او طائرة مروحية. وهناك ضوابط صارمة على حرية الدخول اليها، كما انها تمتلك اسلحة نارية. وعلى الرغم من الحديث المنمق الذي نشرته الصحافة، فإن تلك الاسلحة لا تحمي حرية التعبير للمضطهدين والمسحوقين. ليس بعد. فزبائن «هافنكو» حتى الآن هم ممن يديرون عمليات المقامرة على الانترنت، وانظمة دفع وتمويل الاموال عبر الشبكة. وسواء أكانت هافنكو تتمتع بالحرية المطلقة كما تزعم أما لا، فانها ربما تكمل مسيرتها لتصبح قصة نجاح مثيرة للانترنت، والشبان الذين يقفون وراءها ليسوا متطرفين او ثوريين، وكل ما في الامر انهم تبنوا فكرة غريبة بعض الشيء، وتسلحوا بعزيمة لاتنثني وتصميم لا يعرف الكلل. اذن لاشك انهم قاموا بمجهود جبار لانشاء مشروع انترنت عالي التقنية على منصة اسمنتية عتيقة في عرض البحر. لكن هل هي بالفعل معقل للحرية الحقيقية؟ الاجابة لن تحسم الا بالزمن او بقضية قانونية مثيرة للجدل وما يميز الحرية، انك لا تشعر بها إلا بعد ان تفقدها. على محمد