الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 في خاطرة سابقة نقر محك النقد عن جذور الأدب الجغرافي (ادب الرحلات)، وقاده التنقير الى ان هذه الجذور تغوص في جغرافية الوطن العربي وتاريخه، والى انها تمتص نسغها من عوامل ومصادر عديدة، منها حياة البداوة الدائمة التنقل والترحل، والجهاد الذي حوله الاسلام من اقتتال قبلي داخلي الى فتح اسلامي خارجي، والحج الذي جاء بالمؤمنين الى مكة أفواجا من كل فج، والتجارة التي اجرت التجار بين الاقطار، وحركة البريد الدؤوب بين اطراف الدولة العباسية، وارسال الوفود والسفراء العرب الى بلاد الاجانب والسفر لطلب العلم من افواه العلماء المنتشرين في الحواضر. هذه العوامل والمصادر وغيرها دفعت الاقدمين من عشاق الاسفار الى الضرب في اطراف الارض، وابرزهم احمد بن فضلان، ومحمد بن احمد المقدسي، والشريف الادريسي، وابن بطوطة، وفي العصر الحديث لم تهدأ حركة الترحال، بل اتسعت آفاقها، وكثر عشاقها، وانقاد عصيها، واقترب قصيها، فبز اللاحقون السابقين، ووقفوا على الكثير من الثقافات و الحضارات في اليسير من الأوقات. وممن اتيح لهم ان يرحلوا و يحولوا رحلاتهم البعيدة الآماد الى كتب قريبة التناول الشاعر الكاتب محمد المرّ. من أصعب الامور تصغير الكبير، واجمال المفصل على نحو دقيق يحفظ قسمات الاصل وسماته، ولا يغفل ملمحا من ملامحه الاساسية، وتزداد الصعوبة تعقيدا حينما يراد تصغير الاثار الفكرية واجمالها. فالمهندس البارع يستطيع ان يصمم صرحا ينطح السحاب، ثم يختصره، فاذا هو دمية طولها ذراع او ذراعان. والرسام الماهر يستطيع ان يضغط الصرح او نموذجه حتى يقحمه في طابع بريد. غير ان تحويل كتاب الكون المفصل الى كتيب موجز مغامرة محفوفة بالعنت، وقد نهض بهذه المغامرة محمد المرّ حينما كثف المكان الواسع في زمان ضيق، وكتاب صغير، اذ طاف حول العالم في ثلاثة اسابيع، وأرخ طوافه بكتاب من ثلاثمئة صفحة عنوانه «حول العالم في 22 يوما» ترى ايفلح محك النقد حينما يحاول ان يختصر المختصر ويوجز الوجيز، فيرسم قسمات الكتاب والكاتب في ثلاث صفحات؟ اما الكتاب فعنوانه مجاز لا حقيقة، فكلمة (العالم) لا تعني قارات الارض الخمس بدولها ومدنها وبحارها وأنهارها، وانما تعني بقاعا تخيرها الكاتب من العالم، وجعلها مهوى سفره، وموضع نجعته، وهي: سنغافورة، والولايات المتحدة، وانجلترا، وفرنسا، وايطاليا، ومراكش، وعُمان، وخريطة العالم تضم أضعاف هذه الدول. والرقم (اثنان وعشرون) غير دقيق الدلالة فهو في العنوان ثلاثة اسابيع، وبين دفتي الكتاب ثمانية. وهذا يعني ان العنوان مجاز مرسل، فعلى المكان اطلق الكل واريد به الجزء، وعلى الزمان أطلق الجزء واريد به الكل، او حسبت ايام الاقامة، واسقطت ايام الانتقال من مكان الى مكان. واما الكاتب فقد تجلت الحقيقة في فكره، وتجلى المجاز في اسلوبه، اذ استطاع ان ينقل الى القارئ ما رآه رأي العين من حضارات باسلوب آسر ساحر، وعبارات مشرقة متدفقة، وصور متقنة الرسم زاهية الالوان. لقد جمع في تعبيره بين جزالة القديم ورشاقة الحديث، ورقة الشرق، ودقة الغرب، لأنه يجيد العربية والانجليزية فهما وافهاما، وشعرا ونثرا، وصياغة وتذوقا، وقدرة على تحليل اللغة والغوص في أسرار البيان. واذا كانت رشاقة الاسلوب السمة الاولى المتجلية في الكتاب، فالسمة الثانية هي السرد القصصي. وهذه السمة تنقل القارئ من رتوب التقرير الصحفي الى حيوية القص الروائي، فتشده اليه شدا خفيا لطيفا، يخلو من عنف العقد المسرحية، ويبرأ من اثارة الرواية البوليسية، وما في هذه وتلك من تدمير للأعصاب. ان في هذا اللون الفريد من الادب اشباعا للفضول، وريا للظمأ، وتفاعلاً بين القارئ والكاتب، وترابطاً بين الواقع والمتوقع، وتكاملاً بين ما يرى الكاتب بعينيه وما يرسمه الخيال للقارئ. وههنا يكمن السحر الذي يمارسه الكاتب، ويتعرض له القارئ، فلا يطيق ان يقاومه، ولا يقوى على التفلت من شباكه. وليس مستغربا ان تنجم عن السمة الثانية سمة ثالثة، وهي الاستطراد. فأدب الرحلات يتفرد بشخصية خاصة، وهو التنوع المفاجئ، او الفجاءة المتنوعة، فيه من التقطع والتوزع فوق ما فيه من التواصل والتكامل، ويعود تقطعه وتوزعه الى طبيعة الترحل والتنقل. فالمسافر ـ مهما يكن منطقي التفكير ـ أسير منطق آخر، هو منطق الحركة، انه لا يدري الى أين يجري، ولا يتخير ما يقع عليه بصره، بل يطلق قدميه في طرق لم يسلكها، ويفتح عينيه على مشاهد لم يرها من قبل. وعلى قلمه ان يسجل كل حركة وكل صورة. وبهذا الاستطراد يكتسب ادب الرحلات نمطا من الثراء الفني المحبب، لا تجده في جنس آخر من أجناس الأدب. فأنت معه كراكب طائرة، تطل من نافذتها على عالم متنوع المشاهد: البحر يفضي الى سهل، والسهل يصعد الى جبل، والجبل يهوي الى واد، وانت في طائرتك مقيد الجسد طليق البصر، تتمتع بذلك كله في يسر وطواعية وانسياب. ورابعة السمات امتزاج الزمان والمكان أي: التاريخ والجغرافية. فما وقعت عينا محمد المرّ على اثر من اثار العرب أو الاجانب، او طلل من أطلال الأولين، او صرح من صروح المتأخرين الا اعمل فيما رأى فكره، فحقق ودقق، وقارن ووازن، ونفض عن القديم غبار السنين، و اضاف الى الجديد تذوقه المرهف للجمال والفن. وراح يدرس تاريخ الصرح الماثل أمامه درسا علميا مشفوعا بالارقام، ويحلله تحليلا فنيا مستندا الى ثقافة واسعة، وذوق صادق. حين وقف امام حصن جبرين في عمان قال في صفته: «هو بناء كبير مستطيل الشكل، يبلغ طوله حوالي 34 مترا، وعرضه 22، وأركانه موزعة في الجهات الأربع، ويضم حصني مدفعية دائريين كبيرين، يبلغ قطر كل منهما حوالي 12 مترا» وقال في تاريخه: «انهى بناءه الامام بلعرب بن سلطان، والتاريخ الوحيد لبناء الحصن موجود عند رأس الدرج القريب من قبر ذلك الامام هو 1086هـ أي: 1675م. وقد ارتبط تاريخ الحصن الجميل بالتاريخ الدامي لذلك القائد العماني الكبير» وحين زار مدينة فلورنسا الايطالية يمم شطر متحفها المعروف باسم «بارجيلو»، فلما بلغه راح يصف مداخله ومخارجه، وانصابه وأبوابه، كأنه بانيه، او احد القاطنين فيه، او كأنه ـ وهو المرجح عندي ـ قد درس تاريخه قبل ان يصل اليه، فلما وقع بصره عليه قرن ما شاهد بما قرأ، فوقع التصور على الصورة. ومما قال فيه: «بدأ بناؤه في القرن الثالث عشر.. ومهمته الحفاظ على الأمن.. واستخدم كمقر للبلدية، وبعد ذلك تحول الى سجن، وكان المجرمون يعدمون فيه، وأحيانا يشنقون من فوق جدرانه العالية.. وفي عام 1786م أخلي البارجيلو من ادوات التعذيب التي كانت تستخدم في القرون الماضية بواسطة زبانية محاكم التفتيش ضد اعداء البابا والكنيسة الكاثوليكية، واحرقت هذه الآلات في احتفال عام. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر حوّل الى متحف يحتوي نماذج من احلى المنحوتات التي ابدعتها عبقرية فناني فلورنسا». والسمة الرابعة تفضي الى خامسة، وهي رهافة الذائقة التي ينقد بها المؤلف الواح الرسامين وتماثيل النحاتين. وقبل ان يقف القارئ على ما وقف عليه محك النقد لا يتوقع ان يجد مثل هذه الموهبة في كتاب ادبي عربي، لان تذوق الفن الغربي يحتاج الى ثقافة واسعة، تبدأ بالفن اليوناني والروماني وتمر بفنون العصور الوسطى، ثم تتوقف متريثة متلبثة في عصر النهضة، وتطيل التريث التلبث لتدرس الفن الايطالي عامة، وفن فلورنسا خاصة. وهذه الدراسة لا تؤتي أكلها ما لم تقترن القراءة عن الألواح والتماثيل المدروسة بقراءة الألواح والتماثيل نفسها. وكتاب المرّ مزدان بعشرات التعليقات الذكية على المتاحف والمعارض. واذا كان البصر قادرا على قراءة ما في الالواح من الوان واشكال، واضواء وظلال، وما في التماثيل من حجوم ورسوم، فان السمع العربي قد يعيا بقراءة العزف الغربي، ونقاد اللحون الكلاسيكية قلة في العالم العربي. فكيف وصلت الى مسمع محمد المرّ هذه الانغام المعقدة؟ وكيف استطاع ان يميز بعضها من بعض؟ ان القارئ الملم بأصول الفن الغربي رسمه ونحته، وموسيقاه وتمثيله يجد في الكتاب نقدا تطبيقيا سريعا لما قرأ عنه، ويتذكر وهو يقرأ ما نثره توفيق الحكيم في قصصه ومسرحياته وكتبه الادبية والنقدية من تعليقات عميقة دقيقة في هذا الميدان الرحب. والخلاصة ان الكتاب مزيج من تاريخ قديم وحديث، وجغرافية بشرية وعمرانية، وأدب عربي وغربي، ومعرض للرسم والنحت، ومسرح للعزف والتمثيل. وقارئه مسافر ظافر، يؤوب من السفر بثماره، ولا يتأذى بغباره.