الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 عندما تحركت الحافلة الكبرى بأعضاء المؤتمر من أمام الفندق، كانت الساعة العاشرة، وكان ذلك الضوء المنتمي الى العتمة يصبغ الواقع كله بحضور كثيف ينبه في كل لحظة أننا في بلاد الشمال، في المنطقة الشمالية من الكوكب، بل أننا على مسافة قريبة من قمته الشمالية حيث القطب والبرودة القارسة، هذا الاحساس بالشمال عرفته من قبل في مصر، منذ أن بدأت السفر الى الاسكندرية، في الشتاء خاصة عندما أقصد المدينة بالطريق الزراعي، بعد تجاوزي مدينة طنطا صوب فرع النيل الثاني المؤدي الى مدينة رشيد، يزداد احساسي بقرب السماء من الأرض، وتغير الضوء، خاصة مع وجود الغيوم التي أورثتني الخبرة معرفة بتلك، المنذرة بالمطر وتكون دانية من الأرض والثانية المتوسطة المستقرة شاهقة البياض، أما المرتفع منها الشاهق فلا يكون إلا في الخريف، يقوى الإحساس بالشمال في مصر شتاء، ويزداد كلما اقتربنا من البحر، لكن هنا في الدانمرك، في البلاد الشمالية يقوى ذلك الاحساس طوال العام. عندما وصلت الحافلة الى نهاية الطريق واستدار بها السائق لينطلق بحذاء البحر، رأيت العبارة الضخمة التي لمحتها في الصباح تقترب من الشاطئ، كان رسوها قد اكتمل، وفتحت أبوابها المطلة على الرصيف، رأيت مأوى ضخما للسيارات، كان ارتفاعها يتجاوز ارتفاع المباني المكونة من ستة طوابق، تعمل هذه العبارات بين كوبنهاجن وأوسلو، تقطع المسافة في إثنى عشر ساعة وتتحرك ليلا، فندق عائم، أما السويد فقريبة، يربطها بالشاطي الدانمركي جسر طويل أنشئ حديثا. والشاطئ صخري، والبحر عميق، أمواجه غير مرتفعة، أما المدينة فتبدو كأنها نموذج ضخم لمدينة اسمها كوبنهاجن، مباني فقط، نوافذها مغلقة، مسدلة الستائر، يمر البصر بالشوارع من أولها الى آخرها فلا يرى رجلا أو امرأة أو صبيا، هذا بالنهار، فما البال بالليل، الطبيعة القارسة تجعل الحياة الى الداخل، المطاعم لا مقاعد لها بالخارج، كذلك المقاهي، الأبواب مزدوجة، العوالم داخلية، مفتوحة على الداخل، كذلك البشر، إنهم يبدون منطويين، لا يمكن فهم المكان والانسان بمعزل عن الطبيعة الباردة جدا والتي تجعل اللجوء الى الداخل طلبا للدفء أمرا ضروريا، حدث في ثاني أيام اقامتي أن فتحت النافذة قبل خروجي لتجديد هواء الغرفة، التدفئة تقلل الأوكسجين، وتجلب المتاعب، تعلمت من زيارتي لموسكو في شتاء عام سبعة وثمانين من القرن الماضي أن أضع كوبا من الماء مكشوفا حتى يخفف من الآثار السلبية للتدفئة، ومن عادتي أن أضع مثل هذا الكوب سواء في مصر أو أي بلد أمر به، في الصيف والشتاء، لا يمكن لشعوري بالأمان أن يكتمل إلا اذا كان الماء في متناول يدي، ربما يتصل الأمر بموروث قديم له علاقة بالماء ومعناه، في الصعيد أخبرني من أثق به أن الماء يقدم الى الضيف الغريب كعلامة على منحه الأمان، أي الحياة. غير أن كوب الماء الذي وضعته الى جواري لم يخفف الكتمة الناتجة عن التدفئة، وربما أسهم في ذلك ضيق مساحة الغرفة، لذلك فضلت أن أترك النافذة مفتوحة قليلا حتى عودتي في المساء، عندئذ أغلقها وتستعيد الغرفة دفئها خلال فترة قصيرة، لكن ما حدث أنني عدت في المساء، حوالي الحادية عشر ليلا، وعندما فتحت الغرفة فوجئت كأنني ألج كونا من الجليد، درجة من البرودة تفوق تلك التي مررت بها في الخارج، عند حد معين من البرودة يتشابه التأثير اللافح منها مع تأثير النيران، كلاهما حاد، مؤلم للحواس، حاولت أن أغلق النافذة أحكمتها، قدرت استعادة الدفء بعد عشر دقائق، بعد استحمامي بدش ساخن، خرجت مباشرة الى الفراش، أزحت الغطاء، انزلقت اليه، وكأنني تمددت فوق سطح القطب ذاته، كان الفراش قد تشرب البرد المتدفق طوال النهار، وتشبع به بحيث أصبحت الأغطية مصدرا للبرد، وليست طاردة له، حامية منه، سارعت بارتداء ملابسي والنزول الى صالة استقبال الفندق، انتظرت حوالي ساعة صعدت بعدها لأجد الحجرة قد استردت بعضا من الدفء، ولم أكرر تجربة فتح النافذة مرة أخرى على الاطلاق، هذا برد قارس جدا لم أعرف مثله إلا في موسكو عندما نزلتها منذ خمسة عشر عاما، طبقا لنصائح المجربين، اشتريت سراويل من الصوف، طويلة يرتديها الفلاحون المصريون، وملابس داخلية طويلة الأكمام، وطبعا ارتديت معطفا من الصوف، بالطبع لم يكن مثل المعاطف التي رأيتها في موسكو، كان بالقياس اليها أشبه بالقميص، أعارني صديق عزيز غطاء رأس من الفرو، كان رمادي اللون، أنيقا، صنع في باريس، ويعرف مثله في روسيا باسم «شبكة»، يحيط الاذنين والعنق، يحمي من البرد الذي تصل درجته الى ثلاثين تحت الصفر، فإذا علمنا أن مبرد الثلاجة يحفظ اللحوم والأسماك والأطعمة في درجة لا تزيد عن خمسة تحت الصفر، نستطيع أن نتصور الحالة! أذكر أنني خرجت صباح أول أيام وصولي الى موسكو قاصدا زيارة الشاعر الفنان عبدالرحمن الخميسي، كنت بصحبة محمود أمين العالم، والروائي الجزائري الطاهر وطار، ولي بالخميسي صلة وطيدة، عميقة، ترجع الى بداية الستينيات، وفي عام واحد سبعين غادر مصر الى الخارج، استقر به المقام في موسكو، ويشاء القدر أن أراه في تلك الزيارة مرتين، قبل أن يروح في غيبوبة استمرت اسبوعين ثم وافته المنية، وسبب المرض النهائي الذي لحقه كان البرد، فقد خرج قاصدا المؤتمر الختامي الذي أقامه جورباتشوف، والذي جئت الى موسكو من أجله، وكان يضم ثلاثة آلاف شخصية من مشاهير العالم، عقده تحت عنوان «من أجل بقاء البشرية» من أجل مناهضة التسابق النووي في التسليح، لكن كما تبين فيما بعد كان له هدف آخر، تقديم نفسه الى الغرب كمصلح ديمقراطي، معاد للدكتاتورية والشيوعية طبعا، ولهذا حديث آخر، عند أبواب الكرملين أغمي على الخميسي، يبدو أن رئتيه لم تتحملا الهواء البارد كان الأجل قد دنا، راح في غيبوبة لم يفق منها، وعاد جثمانه ليستقر في ثرى مصر، شاء القدر أن أقابله في زيارتي تلك، عندما فتح الباب قبل أن يصافحني تطلع الي متسائلا: «فين الكوفية» ثم تساءل «أنت مجنون»؟ أسرع الى الداخل وعاد ممسكا بكوفية من الصوف الروسي الجيد، نصحني ألا أنزعها من حول عنقي طالما أنا خارج الفندق، ثم عانقني مرحبا، واكتشفت أنه يحتفظ في صوان كبير بعدد من المعاطف وال«شبكات» و«الكوفيات» استعدادا لصحبه القادمين من مصر والأقطار العربية، وليس لديهم فكرة دقيقة عما تعنيه درجة الحرارة عندما تنزل الى ثلاثين أو خمسة وثلاثين تحت الصفر ويشاء القدر أن يكون البرد سببا مباشرا في رحيله. رغم برد موسكو القارس إلا أن ثمة شيئ يخص برد الدانمرك لا أدري بالضبط كيف يمكن تحديده، ولكنه برد أكثر قسوة، يحيل البشر الى الداخل، الى داخل البيوت الى داخل المؤسسات، الى داخل المطاعم وأماكن السهر، الى داخل الذوات، الى الغربة الانسانية، كثيرا ما كنت أقرأ عن ارتفاع نسبة الانتحار في بلاد الشمال رغم المستوى المعيشي المرتفع، ودائما كنت أتعجب، ماذا يدفع مجتمعا بلغت فيه الرفاهية حدا متقدما الى أن ينتحر أفراده، بعد أن رأيت البرد وخلو الطرقات والمدن التي تبدو مثل نماذج ضخمة في كوكب بعيد، يمكنني القول أنني أستطيع أن أفهم المناخ الذي يتم فيه نضج الظروف الدافعة الى الانتحار الذي يلي اصابة الانسان بالاكتئاب. عندما وصلت الى المركز الثقافي في منطقة لويزيانا التي تبعد حوالي مائة كيلو متر عن كوبنهاجن، وجدت منطقة جميلة، أشجار الشمال المعمرة، والحشائش التي ما تزال محتفظة بخضرتها، رغم حداثة المباني إلا أنها لا تتناقض مع البيئة المحيطة، لم أشعر بغرابة الخرسانة، ربما لأن التصميم راعى الانسجام مع البيئة. في المدخل شاجب لتعليق المعاطف والملابس الثقيلة، كانت الساعة تقترب من الحادية عشر، بدأت الاجتماعات وكانت متتالية لا هوادة فيها، محورها حول امكانية اقامة جسور بين الثقافات والحقيقة أنني كنت أتفرج على نماذج شتى، العاملون في مجالات الثقافة الأوروبية، بعضهم يثير الاحترام، وآخرون منهم يثيرون الريبة، الناشطون في مجالات حقوق الانسان بعضهم مخلص وبعضهم كأنه يقوم بتجارة، مثقفون عرب، منهم عرب بالجنس والعقل والانتماء وبعضهم بالاسم، جاء ليثبت ولائه للغرب وللولايات المتحدة، الأميركي الوحيد الذي كان حاضرا يبعث على الاحترام العميق، إنه الدكتور كارل براون استاذ علم الاجتماع بجامعة برنستون، صوت شريف وانساني، ضد السياسة الأميركية الحالية، لكن مثله قلة الآن، حضور صهيوني قوي خفي وظاهر، ليس ذلك بمستغرب، فتلك البلاد الشمالية بوابة خلفية الى كل قضايا الصراع في الشرق الأوسط، أذكر فقط بتحالف كوبنهاجن، اتفاقية أوسلو! أكثر من عشر ساعات متتالية، مناقشات، خلافات، صراعات، استعراضات، لمت نفسي في بعض اللحظات لمجيئي وقطعي تلك المسافة لكي أقضي معظم الوقت داخل تلك القاعة التي لم يكن يخفف ارهاقي فيها إلا التطلع من النافذة العريضة، تحتل مساحة الجدار كله، تطل مباشرة على البحر، تلوح في الأفق ما يشبه الصخور الكبيرة، قال زميلي المصري المهاجر منذ ثلاثين عاما الى السويد إنه الشاطئ السويدي؟ ما بعد المغيب شعرت بارهاق، خرجت بدون معطف الى الحديقة المطلة على البحر، تنسمت الهواء البارد، كنت مازلت محتفظا بدفء الداخل، لم أفقده بعد، انعشني الهواء الشمالي النقي ولكن عند حد معين كان لابد من سلوك القانون الذي يحكم هذه البلاد ويؤطر كافة مظاهر الحياة فيها، الانثناء الى الداخل، بحثا عن الدفء، وهربا من البرد، البرد.