الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 كثيرة هي الأدبيات والأعمال الفنية التي استلهمت شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وقد تنوّعت المعالجات لهذا السياسي ـ الظاهرة عربياً وعالمياً. ولعل الفيلم التسجيلي «ارفع رأسك يا أخي» الذي انتجه وأخرجه المخرج اللبناني سايد كعدو بالتعاون مع مؤسسة جمال عبدالناصر والمنتدى القومي العربي يعدّ جديداً في تناوله لخطاب السياسي والعقيدة الفكرية والتوجهات الاجتماعية والميول الثقافية والفنية للراحل الكبير. الفيلم الجديد يأتي ضمن سياق تجربة فنية ملتزمة لمخرج حمل الهموم الوطنية والاجتماعية لأبناء مجتمعه، فأخرج العديد من الأفلام التي تحدثت عن مآسي الحرب ونتائجها،ولاسيما منها: «بيروت ـ 1998» و«أغنية في لبنان» حول مسيرة المعاقين و«طريق العودة» الذي يحكي عن مشاكل المهجّرين وغيرها.. مروراً بفيلمه عن مجزرة قانا التي ارتكبها الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان، وحاز عنه على جائزتين من مهرجاني بيروت وايران السينمائيين، وصولاً الى «تقاسيم من بغداد» الذي غاص خلاله في تفاصيل معاناة الشعب العراقي تحت الحصار. وها هو سايد كعدو يحضر مجدداً الى نادي دبي للصحافة بعد زيارة سابقة قدّم خلالها «تقاسيم من بغداد» ليواصل حمل الهم القومي، فجاء عارضاً فيلمه «ارفع رأسك يا أخي» في قاعة النادي بحضور جمع من الإعلاميين والمهتمين، وتلا العرض حوار غني شارك فيه عدد من الحضور، وأجاب خلاله المخرج عن العديد من التساؤلات والأسئلة. والذي يشاهد الفيلم، لابد له من التنويه بالجهد المبذول في اختيار المادة الأرشيفية التي تم انتقاؤها بعد قراءة ثمانية آلاف صفحة من خطابات الرئيس الراحل، لتجد نفسها مادة درامية تنضح بالحيوية في فيلم مدته 48 دقيقة فقط. واللافت ان المخرج كعدو سعى بشكل مقصود الى اخراج عمله هذا من دائرة الافلام الوثائقية التقليدية التي غالباً ما تؤرخ لسيرة الشخصية، مولدها وطفولتها وزواجها وتنقلها في الدراسة... الخ، بل انه تعمّد عدم ايراد اللقطات بتسلسلها التاريخي مركزاً على الأبعاد الفكرية والثقافية والاجتماعية لكل خطاب على حدة. وتمكن المخرج ببراعة لافتة من التقاط الافكار والآراء التي أطلقها الزعيم الراحل في حقب سياسية مختلفة ليبرزها بحرفيتها التي تنطبق على وقائعنا العربية الراهنة، وتشكل تعبيراً مذهلاً عن واقع الحال الذي لم يتغيّر منذ رحيله وحتى الآن. وفي محاولة منه للخروج عن الشكل التقليدي الرتيب لهذا العمل الوثائقي، فقد عمل المخرج كعدو على اغنائه بعناصر من اللغة السينمائية غناءً ورقصاً ووصفاً، صانعاً بذلك مشهدية ممتعة ومؤثرة. لقد أراد كعدو في فيلمه «ارفع رأسك يا أخي» الذي أنتجه بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة يوليو أن يستعيد شخصية الزعيم جمال عبدالناصر ليس بوصفه مجرّد قائد سياسي، بل بصفته مواطناً عربياً يحب اخوانه في المواطنية ويعمل من أجلهم، فهو يتوجه للمواطنين كبشر لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم وليسوا كرعايا أو جزء من أمتعته الشخصية، وانه كان بغض النظر عن التوافق أو الاختلاف معه، يحدّد مضمون مفرداته مثل الحرية والديمقراطية والاشتراكية فيما تعاطى كثيرون معها بديماغوجية مفرطة». اللقطات كانت تتوالى.. كلام في جانب وحركة وتفاعل محب على جانب آخر، في ايحاء عن مدى الحب والتناغم بين القائد وشعبه. وإذ يبدأ الفيلم بخطاب التنحي الشهير للزعيم الراحل عقب نكسة 1967 في الحرب مع اسرائيل، تأتي بعده التظاهرات الجماهيرية المبايعة له قائداً للبلاد، تتوالى الأحداث، وتمر على الشاشة أبرز الوجوه العربية والعالمية التي التقاها، مروراً بتكريمه رواد الفن: أم كلثوم، عبدالوهاب، عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهم. ثم مشهد رحيله عام 1970، الاصلاح الزراعي، تأميم قناة السويس، العدوان الثلاثي عام 1956، الوحدة مع سوريا ثم الانفصال، مروراً بثورتي اليمن والجزائر يبدأ الفيلم بالأبيض والأسود، أما في ختامه فتظهر الأرض الخضراء والمياه الجارية بين حقول الفلاحين، فيما نسر يحلق في الأعالي، في اشارات رمزية الى ما تركه الزعيم الراحل من انجازات خير ورخاء لمستقبل شعبه، فيما طيفه لايزال حاضراً، وفكره ايضاً، بين أبناء أمته. كتب اسماعيل حيدر: