السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 لا تزال القراءة الوسيلة المثلى التي تعين الانسان على تثقيف نفسه فهي من اهم وسائل اكتساب المعرفة، ومن خلالها يستطيع الانسان فهم نفسه ومجتمعه وتطوير عقله وكلنا يعلم ان المجتمعات الغربية الراقية تحاول الافادة من وقت فراغها بالقراءة، اما في بلادنا العربية والاسلامية فإن القراءة للاسف تراجعت كثيراً واصبحت بنداً مهملاً في جدول اعمال معظم الناس. مع اننا الامة التي امرت بالقراءة في اول كلمة حملها الوحي الينا الا ان هذه الاحصائية تكفي للدلالة على مدى تلك المعاناة، فقد اوردت احدى الصحف ان متوسط ساعات القراءة في احدى الدول الاوروبية يصل إلى 200 ساعة سنوياً للفرد بينما تنخفض هذه الساعات وتتقلص إلى 6 دقائق فقط سنوياً للفرد العربي. ترى هل السبب في ذلك، اليأس الذي اصاب القاريء العربي من اخبارنا المفجعة المحزنة، فآثروا الابتعاد عن القراءة رأفة بأنفسهم حتى لا يكبدوها مزيد الم ومزيد حزن؟ أم ان صحفنا ومطبوعاتنا لا ترقى إلى المستوى المطلوب الذي يستدعي من القاريء تفريغ وقته لها! وكيف له انتقاء الغث من السمين؟ اسئلة عدة تحاول «دنيا الناس» الاجابة عنها عبر هذا التحقيق:يوسف العشماوي «صحفي» يقول: ان المادة الرئيسية للصحف في العصر الحديث هي الخبر وإلى جانب الاخبار تقدم الصحف المعلومات والآراء والافكار التي تساعد المجتمع على تكوين رأي صحيح في المشكلات التي تخص حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبذلك تساعد الصحف في ارشاد الناس وتثقيفهم وتكوين الرأي العام لديهم عن طريق شرح هذه المعلومات والآراء وتحليلها وتفسيرها والتعليق عليها وتختلف كل صحيفة عن الاخرى في طريقة تقديم التعليق والشرح والتفسير حسب السياسة العامة والشخصية الخاصة بكل صحيفة وبالنسبة للمادة المحبطة والمكثفة التي نجدها في صحفنا فهذا يعود إلى كمية الاخبار التي تتحدث عن الوضع العربي الذي تعيشه المنطقة وكما ذكرت انفاً ان المادة الرئيسية للصحف هي الاخبار فالاخبار هي التي تتحكم بذلك. وارى انه من الضروري للقاريء التعرف على هموم الوطن وعلى مشاكله والشعور بالمسئولية تجاه ذلك ولو ان كل مثقفي الوطن العربي او كل من اجاد القراءة، قرأوا وفهموا ما يدور في الكواليس وهو الشيء الذي يستطيعون معرفته من الاخبار والدراسات التي يتم نشرها لما كان حال الشارع العربي والوطن العربي على ما هو عليه الآن لانه من المعلوم ان الثقافة وحدها هي التي ترفع الظلم عن الشعوب وتأخذ حقهم فهي بالتالي مرحلة لابد منها طال الدهر ام قصر. اما عن طريقة تكرار الصحيفة لفكرة معينة في اكثر من قالب او شكل من اشكال التحرير الصحفي فإن ذلك يؤدي إلى بث هذه الفكرة في عقول الافراد وجعلهم يتحدثون عنها كأنها افكارهم لأن الفرد عندما يقرأ الفكرة في صورة خبر ثم في صورة مقال ثم في صورة تعليق ثم في صورة تحقيق صحفي ثم في حديث صحفي يوماً بعد يوم يؤدي ذلك التكرار إلى التأثير في افكار وعقول الافراد وبث فكر معين لديهم وهنا تبرز خطورة الصحافة وخطورة ملكيتها وهذا هو الاهم ويبين لنا ضرورة حرية الصحافة مع الالتزام ببعض المباديء المعينة فالصحافة سلطة نعرض عن طريقها الآراء ويصل بها رأي العامة إلى اسماع الخاصة وانظارهم. خدماتها متعددة محمد حريري «موظف»: يقول بداية انا شغوف بقراءة الجرائد فأنا يومياً قبل البدء بالعمل آتي إلى مكتبي قبل نصف ساعة تقريباً اشرب فنجان القهوة واتصفح الجريدة كاملة واحياناً اشعر ان هناك اخباراً كثيرة تصيبك بالاحباط واحياناً اخرى تجد ان ثمة شيئاً يجعلك تحبو نحو الامل بقراءتك لبعض مقالات او اعمدة الجبهة المتفائلة في وطننا العربي وباعتقادي ان الصحيفة تقدم العديد من الخدمات التعليمية لقرائها بمساعدتهم على تنظيم اوقاتهم باديء ذي بدء وبتسهيل اعمالهم اليومية وببذل النصح فيما يختص بنشاطهم الفردي وان وظيفة تقديم المعلومات عبر الصحف والمجلات تعتبر اساسية في مجتمع تزيد فيه ظروف الحياة من تعقيد الروابط بين الفرد والمجتمع وتقدم خدمات جليلة للجمهور كاخبار العالم والسينما والمسرح وجداول المواعيد المختلفة للمستشفيات والصيدليات وحالة الطقس والنصائح المتنوعة والاعلانات المبوبة وغير ذلك وارى ان التسلية هي وظيفة اساسية من وظائف الصحيفة وتعتبر المطالعة تسلية بحد ذاتها وقد قرأت يوماً عن استبيان اجري على عينة من قراء الصحف فتبين ان 90% منهم يطالعونها من اجل قضاء الوقت والاسترخاء وإلى جانب ذلك تعمل على تسلية قرائها بالكلمات المتقاطعة والمسابقات والفكاهات واخبار المجتمع واحاديث المدينة والاخبار الغربية والحظ وغيرها والصور الفوتوغرافية التي تكثر في الجرائد ليست ذات قيمة اعلانية بقدر ما انها في نظر غالبية الكثير وسيلة من وسائل التسلية والترفيه وباعتقادي ان الصحف تمارس دوراً كبيراً في تنظيم الهيئة الاجتماعية عند الناس إلى جانب كونها مرجعاً اعلامياً وتثقيفياً وترفيهياً وحسبما اعلم ان المواظبة على قراءة الجرائد والدوريات تعين الانسان على التنفيس وعلى التخلص من الكبت الذي يعاني منه كما تعين الفرد على اندماجه في الهيئة الاجتماعية فهي نوع من انواع الحوار مع العالم وتحطيم لعزلة الفرد ومشاركة للناس في حل مشكلاتهم. مشبعة بالاحباط رضوان الطبيشي «موظف» يقول: الاحباط حالة عرفتها البشرية منذ الازل وهي ملازمة لفطرة الانسان السوي وبالتالي فالانسان معرض للاحباط وبخاصة عندما يبني آماله على احلام كبرى قد لا تتحقق او صعبة المنال ذلك ان المرء احياناً يتصور ان الحلم ممكن التحقق فإذا به يفيق على وهم كبير وكذلك الامر عندما يجد محيطه مشبعاً بأخبار محبطة وما تطالعنا به وسائل الاعلام يومياً ما هو الا شكل من اشكال اليأس العربي العام وانا عامة احاول انتقاء ما اريد قراءته فأبدأ بالجريدة من الصفحة الاولى فأقرأ العناوين بشكل سريع الا اذا استوقفني عنوان ما فإني احاول قراءته وفهم مجمل معناه واتابع قراءة الجريدة كلها على هذا النحو إلى ان اصل إلى صفحة الدراسات فأنتقي ايضاً مقالات الكتاب الذين اجد انهم يستحقون القراءة ومن ثم انتقل إلى قراءة الأعمدة لانني اجد انها خير ما يقرأ في الجريدة ككل وارى ان الخدمة او الخدمات التي تقدمها الصحيفة إلى الجمهور متعددة وما يزيد من صعوبة تحديدها هي تنوعها وتنوع قرائها وتشابك محتواها. فالناس عندما تقرأ الصحيفة برأيي لا تقرأها للتسلية بشكل عام فقط بل للتسلية والتعرف على الاخبار وفهم الاوضاع المحيطة بنا. علا محمد الملا «سنة ثالثة ادب انجليزي» تقول: لا اهتم كثيراً لما تتناقله الصحف والمجلات او حتى الاذاعات والتلفزيونات من اخبار عن وضعنا العربي وعن المآزق التي نقع بها فأنا اهتم بالموضة ومتابعة اخبرها وهي عندي اهم من تلك الاخبار ومن تلك الثقافة الجرائدية التي سأتلقاها وكذلك الحال حسب علمي عند كثير من الفتيات فكل ما يهم الفتيات اليوم هو عالم الازياء والموضة للتعرف على كل جديد وكيفية اختيار تسريحة للشعر تتناسب مع وجه الفتاة وان وقعت عيني على جريدة فإني اقرأ برجي فقط للتعرف على ما يخبئه لي المستقبل مع علمي التام انه «كذب المنجمون ولو صدقوا» فجرائدنا ومجلاتنا فقيرة جداً بالمواد الجذابة التي تهم الشباب والشابات ولهذا فأنا ألجأ إلى الفضائيات فالصوت والصورة اسهل من القراءة في حال احببت الانسحاب من موضوع انت تقرأه فالتلفاز تغير من قناة إلى اخرى اما ان تبدأ في موضوع ولا تكمله فليس بالامر الجيد. نبيل الحوسني «موظف» يقول: من أهم الاشياء التي انتقيها واتابعها في الجرائد والمجلات او غيرها الرياضة وهذا مجمل ما يهتم به الشباب بشكل عام وعلى هذا الاساس فأنا متابع جيد للبرامج الرياضية حيثما وجدت وانا العب بين الفترة الاخرى كرة سلة واهتم بهذه اللعبة واحب ان اتابع اخبار الرياضيين والقوانين الرياضية الجديدة فزحمة العمل والاشغال اليومية تدفعني للنفور من قراءة المواضيع الثقافية او العلمية. إهمالها راحة هند المرزوقي «طالبة» تقول: تكفيني كتب الدراسة التي تثقل كاهلي وتجعلني اشعر بالملل وانتظار نهاية العام الدراسي بفارغ الصبر واثناء العطلة لا احب قراءة شيء واظن ان القراءة في ايامنا تناسب كبار السن اكثر من الشباب فهم عندهم وقت فراغ طويل اما طلاب الجامعات فلا اعتقد ان عندهم الوقت الكافي لمطالعة الصحف والمجلات والدوريات مطالعة مستمرة وتضيف هند: ان المكياج والكوافير اكثر اهمية من القراءة والثقافة واشياء اخرى فالصحف والمجلات موجودة في كل مكان وفي الوقت الذي ترغب وهي اصلاً اي الجرائد لا تجعلك ترغب بمتابعتها فهي محبطة بشكل كبير فمرة نقرأ عشرين قتيلاً فلسطينياً في جنين برصاص الجيش الاسرائيلي.. ومرة «أميركا تهدد العراق» ومرة «محور الشر» وغير ذلك من الاخبار التي تجعلك تعيشاً جواً من اليأس والقنوط لأن الامر من وجهة نظري يزداد سوءاً فلا احد يتحرك ولا احد يعمل على تغيير الوضع فلماذا انت تحرق نفسك وتتابع مثل هذه الاخبار حتى اصبحنا في احيان كثيرة نخجل من كوننا عرباً تلك الامة التي كان لها ذلك المجد العريض واليوم ليس لها سوى البكاء والنحيب مثل النساء ولا يهتم لذلك احد افراداً وحكومات ولذلك احب ان ابقى في عالم الازياء والموضة وانا بمعنويات مرتفعة تفاؤلية خير لي من ان انكب على الهم والحزن جراء قراءتي لخبر لا يحمل الا اليأس والخزي. لا اشتريها ماهر عبدالحميد «مهندس» يقول: انا مدمن كمبيوتر انه يجعلني لا اشعر بالملل فهو كاللغز كلما تمكنت من حل مشكلة تعترضني او وصلت إلى حد معين من اتقان برنامج ما اجده يقدم لي تحديات جديدة من خلال برامج اخرى وبالنسبة للصحافة والجرائد ومتابعتها فأنا اتابعها على المواقع الالكترونية ولا اشتريها فقط استعرضها استعراضاً سريعاً على الكمبيوتر وحالما اجد موضوعاً يهمني انقله على الطابعة واقرؤه بإمعان وهذا يجعلني اقل عرضة للاحباط الذي سأصاب به لو انني اشتريت الجريدة واقتنيتها عندي في المنزل فقد اعاود قراءة العنوان اكثر من مرة وفي اوقات مختلفة اما على الكمبيوتر فتقرأه مرة واحدة ومن ثم تنتقل إلى مواقع اخرى وتختار انت الموقع الذي تريد. تصدع الرأس د. عبدالرحمن العامري «طبيب نفسي» يقول: ان الاحباط مرض تواجهه نسبة كبيرة من الشعوب العربية ويظهر ذلك جلياً في ساحاتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية على جميع الاصعدة فأنت ترى الفرد منذ صغره كثيراً ما يتواجه مع امور تجعله يصاب باليأس والاحباط فمثلاً ترى ان نسبة كبيرة من الطلاب المبتدئين يصابون باحباط وخاصة في بداية تحصيلهم العلمي فتراهم غير منسجمين في فصولهم ولا يفهمون شرح اساتذتهم وفي نهاية العام يرسبون وهذا الامر له اسباب عدة منها عدم اهتمام الاهل والمدرسة ولا نستطيع بحال من الاحوال القاء اللوم على الصغير لأنه نفسه لو وضعناه في مجتمع اكثر حرصاً وتعلماً وفهماً لوجدناه من النابغين وهكذا تبدأ حالة الاحباط ترافق الصغار قبل الكبار حتى اذا ما بدأوا بمواجهة الحياة بشكل اكبر ازدادت نسبة اليأس لديهم. ومن مظاهر الاحباط ما يلاقيه رب الاسرة في مجتمعه من ظواهر يصعب فهمها او تفسيرها وما يراه كل منا ويعيشه ضمن بوتقة الغاء الذات وتهميش الرأي وتقييد الحريات على الصعيد الفردي والجماعي وما تلاقيه امتنا جمعاء من هجوم على عاداتها وتقاليدها ودينها وارضها وهذا ما تطالعنا به وسائل الاعلام يومياً فانت لا تكاد تتابع نشرة الاخبار الا ويصدع رأسك الماً وحزناً او تتصفح جريدة الا الم بك الشعور السابق نفسه وبرأيي يجب على الاشخاص الذين يعانون من مشكلة الاحباط واليأس ان يقرأوا تلك الاخبار ويسمعوها ويتابعوها على انها مشكلة يجب حلها وان اهمالها والانطواء بعيداً عنها لا يفي بالغرض فالهروب ليس وسيلة ناجعة للخلاص بل التفكير وحده هو الذي يقودنا إلى حلول يمكن معها التخلص من جميع مشكلاتنا التي تحيط بنا وتكاد تجعلنا من اليائسين. لا لليأس فايز حسين سودان «موظف» يقول: بداية لا يستطيع احد من الناس نفي حالة الاحباط العام التي تسود المجتمع لاسباب كثيرة داخلية وخارجية على صعيد جميع الدول العربية والاسلامية غير ان هذا الاحباط لا يجب باعتقادي ان يتعدى إلى اليأس فيصيب قلوبنا باليأس لان اليأس لا يتوافق وعقيدتنا نحن كمسلمين فهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم واحاديث شريفة تحث المؤمن على رفض اليأس والعمل على رفضه لأنه ـ أي اليأس ـ اذا ما سكن قلب امريء اودى به إلى الهاوية وما تطالعنا به الصحف والمجلات وشاشاتنا الفضائية وإذا عاتنا ما هو جزء من الاحباط الذي يجب على المرء عدم الركون اليه او انتقاد ما يرى في نفسه ميلاً اليه من مواضيع تبعده قليلاً عن الجو الملوث وتحمل طابعاً ترفيهياً. مهاراتها متعددة حنان عبدالحميد «جامعية» تقول: تؤكد الدراسات الحديثة ان نحو 70% مما يتعلمه المرء يرد اليه عن طريق القراءة والسؤال هل نقرأ كل ما تصل ايدينا اليه من المواد المكتوبة بنفس المقدار من العناية ودرجة السرعة والاتقان؟ ام ان هناك مهارات متعددة لذلك؟ وأنا ارى ان قراءة الجريدة تختلف عن قراءة كتاب علمي مقرر. وقراءة البحث تختلف عن قراءة قصة مسلية وقراءة رسالة شخصية تختلف عن قراءة قصيدة فليست هناك مهارة واحدة فقط للقراءة، وانما عدة مهارات اساسية فلا تعامل كل المواد المقروءة بنفس السرعة ودرجة الاتقان وكل ما يقرأ يحتاج إلى تفكير قبل واثناء وبعد القراءة فالقراءة نفسها هي عملية تفكير وعلى اساس ما ذكر ارى ان قراءة الصحف تجعل الانسان يتعلم فنون القراءة غير انه قد يصاب بأمراض نفسية يصعب علاجها جراء ما يقرأ من اخبار تدخل الحزن والالم إلى القلب فيتمنى احدنا انه لم يطالع الجريدة في ذلك اليوم وعلى كل حال هذه ليست دعوة لهجر القراءة بقدر ما هي انذار للاستعداد وأحب ان اوضح امراً وهو ان الاخبار السيئة تسمعها وتراها حيثما اتجهت وحيثما حللت وليست محصورة في الصحف اليومية فقط بل انت تراها على نطاق اوسع من خلال شاشة التلفاز وانا بصدق اشعر بألم في رأسي في كثير من الاحيان بسبب تلك الاخبار المحزنة واحب ان اقدم نصيحة للقراء وهي ان التفكير السليم وحده هو الذي يخرجنا من حالة اليأس تلك وليس الحزن والشعور بالعجز فهذا لن يزيدنا الا احباطاً فيجب على كل قاريء ان يقرأ الخبر ويهييء نفسه لاعمال عقله وتحريك تفكيره فيما يسمع من اخبار ولو فعل كل مثقف ما اقول لما ظل حالنا في هذا اليوم على ما هو عليه بل على العكس لاستطعنا تجاوز الكثير من سلبيات مجتمعاتنا العربية داخلياً على الصعيد القومي وخارجياً على الصعيد الدولي