الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 هل يمكن للبشر ان يتواصلوا بتخاطر الافكار فقط؟ لقد عملت مسألة التخاطر طوال اكثر من قرن على شق صفوف الاوساط العلمية، وحتى يومنا هذا، لايزال هذا الموضوع يثير جدلاً حاداً بين كبار الاكاديميين. وبالنسبة للبعض، فإن الاشارة ذاتها الى ان لدينا قوى روحانية تثير الضحك، وبالنسبة لاشخاص آخرين فإن حقيقة التخاطر واضحة تمام الوضوح بحيث انها لا تحتاج الى تعليق، وفي الوسط يأتي علماء النفس الاختصاصيون في التخاطر وهم علماء جازفوا بالتعرض للسخرية من قبل زملائهم بدراسة الفكرة جدياً بدرجة كافية لاجراء تجاربهم الخاصة بهدف العثور على أدلة على التخاطر، ان وجد. ومنذ السبعينيات من القرن الماضي، قام علماء النفس الاختصاصيون في التخاطر في جامعات ومعاهد ابحاث رائدة في انحاء العالم باخضاع المزاعم المتعددة حول التخاطر للاختبار في العشرات من الدراسات العلمية الدقيقة جداً، والآن ظهرت النتائج التي تعمل معانيها المتضمنة على شق صف اولئك الباحثين الذين كشفوا النقاب عنها. فبعض الباحثين يقولون ان النتائج تشكل دليلاً دامغاً يثبت ان التخاطر أمر حقيقي بينما يعتقد علماء نفس متخصصين في التخاطر ان هذا الحقل من الدراسة على وشك الانهيار، وذلك بعد ان حاولوا تقديم ادلة علمية قاطعة وفشلوا في ذلك. ان حقل علم النفس التخاطري يقف الآن عند حد فاصل، وبحسب البعض فاننا الآن على حافة قفزة كبيرة في فهمنا للوعي الانساني، ولكن اذا كان المتشككون على صواب في شكوكهم، فعندها يكون علم النفس التخاطري على وشك الدخول في مرحلة انحطاط مع ادارة الباحثين الشباب ظهورهم لسؤال تبدو الاجابة عليه بعيدة عن المتناول الى الابد. غير ان المتشككين والمؤيدين على حد سواء يتفقون على مسألة واحدة، وهي ان الادلة الاقوى حتى الآن قد جاءت من ما يسمى بتجارب «غانزفيلد» وهو مصطلح ألماني يعني «حقل كامل». ففي منتصف السبعينيات، اصيب علماء كانوا يحققون في ظواهر روحانية بالدهشة من تقارير تحدثت عن تجارب تخاطرية مر بها اشخاص اثناء التأمل. وتعتبر ديانات شرقية عتيقة، مثل البوذية، هذه الحوادث امراً شبه اعتيادي اثناء جلسات التأمل العميق، محذرة الطلاب من التأثر بها سلباً. علماء النفس وقادت التقارير علماء النفس الاختصاصيين في التخاطر الى الشك بأن التخاطر قد يتضمن مرور «اشارات» بين اشخاص في حالة من الضعف تجعلهم يغرقون بنشاط دماغي عادي. وفي هذه الحالة، يمكن التقاط هذه الاشارات بصورة اسهل من قبل اولئك الاشخاص الذين يشعرون بسكون شبيه بسكون التأمل. وهذا قاده الى فكرة اجراء تجارب على التخاطر على اشخاص اثناء انغماسهم في حقل استرخاء كامل من الضوء والصوت والدفء. ومنذ ذلك الحين اصبح اسلوب «غانزفيلد» اكثر الاساليب شيوعاً للاختبارات الخاصة بالتخاطر، ويجد اولئك الاشخاص المشاركين في احدى التجارب انفسهم يقضون 45 دقيقة في غرفة خاصة محكمة الاغلاق وهم يجلسون على كرسي مريح ويضعون سماعات تنساب من خلالها اصوات تبعث على الاسترخاء مثل صوت الامواج وهي تتكسر على الصخور بينما تكون عيونهم مغطاة بفلاتر خاصة تسمح بمرور الضوء الوردي الناعم فقط. وفي التجارب الاولى من اسلوب «غانزفيلد» تضمن اختبار التخاطر التعرف على صورة تم اختيارها من مجموعة عشوائية تضم اربع صور التقطت من بنك ضخم للصور، وكانت الفكرة تتلخص في محاولة الشخص الذي يعمل «كمرسل» نقل الصورة الى المتلقي المسترخي في الغرفة المغلقة. وحالما تنتهي الجلسة، كان يطلب من الشخص تحديد اي من الصور الاربع تم استخدامها، ان التخمين العشوائي سيعطي نسبة دقة تصل الى 25%، ولكن اذا كان التخاطر حقيقياً فستكون النسبة اعلى من ذلك. في عام 1982 تم تحليل النتائج المستخلصة من الدراسات الاولى لاسلوب غانزفيلد من قبل احد رواد ذلك الاسلوب وهو عالم النفس الاميركي المختص بالتخاطر تشارلز هونورتون، واشارت تلك النتائج الى نسبة صواب نموذجية تتجاوز 30% وهي نتيجة ضئيلة ولكنها نتيجة اشارت الاختبارات الاحصائية الى عدم جواز صرفها باعتبارها محض صدفة. وكان المعنى المتضمن في هذه النتائج هو ان اسلوب غانزفيلد، قد كشف عن دليل حقيقي على وجود التخاطر، ولكن كان هناك خلل حاسم في وجهة النظر هذه وهو خلل عادة ما يتم تجاهله في المجالات العلمية التقليدية، فمجرد استبعاد الصدفة كتفسير لما جرى لا يبرهن على وجود التخاطر فهناك طرق اخرى عديدة للحصول على نتائج ايجابية. وهذه الطرق تتراوح بين «التسرب الحسي» حيث تصل معلومات عن الصور بصورة عرضية الى المتلقي، والنصب الصريح. سارع المتشككون الى ابراز هذه الاحتمالات مما حدا بهونورتون الى التعاون مع متشكك بارز يدعى رأي هايمان، وهو استاذ في علم النفس بجامعة اوريغون، بهدف الرد على التهم وفي عام 1985 اصدر الاثنان سلسلة من أوراق البحث تلخص الحالة. واظهرت مراجعة لجميع الدراسات بأسلوب «غانزفيلد» والتي تمت حتى ذلك الوقت ان 80% منها قد وجدت دليلاً مهما من ناحية احصائية مع تحقيق الاشخاص نسب صواب وصلت الى 37%. بدت الادلة مؤثرة وكان رفض النتائج باعتبارها صدفة يضاهي من ناحية رياضية قذف قطعة نقدية 40 مرة والحصول على وجه القطعة 39 مرة، والاصرار مع ذلك على عدم وجود شيء غريب في ذلك. ورداً على الانتقادات السابقة اصدر هونورتون وهايمان بياناً مشتركاً قدموا فيه تقييمهم للوضع. وكان ذلك التعاون غير المسبوق بين متشكك وباحث بمثابة نقطة تحول بالنسبة لعلم النفس التخاطري، مع تطبيق معايير جديدة صارمة في تجارب غانزفيلد. وفي نهاية الثمانينيات جرى تحول نحو استخدام نسخ آلية من التقنية التي استغلت اجهزة الكمبيوتر في القيام بالعديد من المهام الرئيسية مثل الاختيار العشوائي للصور وكانت الفكرة من وراء تقليل التدخل البشري الى الحد الادنى هي تقليل احتمال حدوث التسرب الحسي او الخداع. وجاء تحليل النتائج الخاصة بمئات الاختبارات التي تمت بأسلوب غانزفيلد الآلي ليؤكد ما تم التوصل اليه سابقا من نسب صواب يستبعد ان يكون ذلك قد تم بمحض الصدفة. وفي عام 1994 ظهرت صورة مماثلة عندما اشار تحليل حديث لـ 11 دراسة بأسلوب غانزفيلد الآلي الى نسبة صواب تصل الى 32% وهي نسبة قريبة من النسب السابقة، ومع نهاية التسعينيات من القرن الماضي، اخذ العديد من علماء النفس المتخصصون بالتخاطر يصرحون علناً بأن مسألة التخاطر قد تم اثباتها عملياً. غير ان البعض ظل يبدي شكوكه بهذه النتائج وعدم اقتناعه بالادلة على وجود التخاطر، ولكن من منظور العلم التقليدي، فإنه يمكن اعتبار الادلة التي تدعم التخاطر قوية بشكل مفاجيء وهي اقوى مما يريد العلماء للرأي العام ان يصدق، والمشكلة هي ان التخاطر ليس علماً تقليدياً، والمزاعم الاستثنائية تتطلب دائماً ادلة استثنائية لاثبات صحتها. ضرار عمير