الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 حينما وقع محك النقد على كتاب «حول العالم في 22 يوماً» للشاعر محمد المر، وراح يقلب صفحاته أحس أنه يتردد بين قوتين تتجاذبانه: قوة تشده إلى قراءة الكتاب، وقوة تعيده إلى العصر العباسي عصر الأدب الجغرافي وعصر الرحلات الطوال. ثم وجد نفسه مجذوباً جذباً عنيفاً إلى الماضي، لا زهداً في الحاضر، بل حرصاً على السير في طريق الترحل من البداية إلى النهاية، وتوخياً ان يكون للسير دافع وغاية. اما الدافع فهو الرغبة الملحاح في النظر إلى الدنيا بعيون الآخرين ليصيب من علمهم، واما الغاية فهي المقارنة بين ما كتبه الاقدمون وما كتبه المحدثون في هذا الباب الطريف من ابواب الادب، لعله يستخلص مما يقرأ فلسفة تفيده، أو عبرة يتعظ بها. وربما كان «تاريخ الادب الجغرافي العربي» للمستشرق الروسي اغناطيوس كراتشكوفسكي (ت: 1951م) أوفى الكتب في هذا المضمار. ومما جاء فيه ان النضر بن شميل (ت: 203 ه) أول من طرق هذا الباب بكتابه «الصفات». ثم تعاقبت الكتب، فألف الجاحظ (ت: 255ه) «الأمصار وعجائب الدنيا»، وألف ابن خرداذبه (ت: 300 ه) «المسالك والممالك»، وألف ابن الفقيه الهمذاني (ت: 365ه) كتاب البلدان، وألف محمد بن أحمد المقدسي (ت: 390 ه) «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم». ثم تعاقبت الرحلات، وظهرت الكتب المطولة التي تصور ما شاهده الرحالة. وابرز هذه الكتب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الادريسي (ت: 548ه)، و«تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار» لابن بطوطة (ت: 780ه) الذي امتدت رحلته تسعة وعشرين عاماً. وفي العصر الحديث اصبح السفر ميسوراً لكل طامح، مذللاً لكل راغب، فمخر الرحالة البحار بسفن البخار، واخترقوا آفاق الفضاء بالمطايا المجنحة، حتى أرسوا في الثغور النائية، وحطوا على القمم الشواهق، واحاطوا في ايامٍ بما كان الاقدمون يعيون عن الاحاطة به في سنين، ومن هؤلاء السائحين الطامحين رفيق فاخوري في سوريا، ومحمد المر في الامارات العربية المتحدة، وكلاهما كاتب شاعر حديد البصر، نافذ البصيرة، يستنبط الرأي من المرئي، والفكرة من الصورة، فيمتع القاريء بما كتب اكثر مما تمتع بما أبصر. ونواميس التطور تقضي بأن الادب الجغرافي لم يظهر في تاريخ الفكر العربي ظهوراً مفاجئاً بلا حلقات سابقة تمهد للحلقات اللاحقة، او بلا خطوات عاثرة تعبد الطرق امام الخطوات الراشدة، فالنضر بن شميل نفسه ليس المنشيء الحقيقي الاول لهذا الادب، وانما هو المدون الاول له، والوريث المتأخر لاجيال متعاقبة من رحالة وعشاق اسفار، ضربوا في الارض، وسعوا في مناكبها، لكنهم لم يقيدوا ما شاهدوا في كتب. فما الجذور الاولى لهذا الادب؟ وما تأثير الاسلام في احتضان هذه الجذور وانباتها؟ ولماذا سمي هذا الضرب من النشاط الفكري ادباً لا علماً؟ وما موضع محمد المر وكتابه من هذا النتاج الفكري الادبي؟ ان نظر البدوي في الكون اكتشاف وانتجاع، ونظر الحضري فيه نزهة ومتعة. فالبدوي قلق مشرد، يتطوح به الترحل إلى غير غاية، فهو أبداً على سفر، تلقاه هائماً في البيد معلق الاهداب بالسحب، لاهث الانفاس خلف السراب. ليله تأمل في النجوم، ونهاره شوق إلى الكلأ، يعيش ما عاش معينا بتدبر الكون: سمائه وارضه، كلفاً بمعرفة الارض: سهلها ووعرها، تائقاً إلى الماء وما ينبت، يجوب في البحث عنه آماد الفلوات، ويهاجر خوف الجوع من واحة إلى واحة، وهو في اثناء حله وترحاله يصف الجبال وشعابها، والمسالك وصواها، ليجنب من يقفو خطاه خطر الضياع في المفاوز. ومن يرسل عينيه في التراث العربي الجاهلي يدرك ان البذور الاولى للادب الجغرافي تكمن في هذا التراث. لقد اتيح للبدوي بعد الاسلام ان يتحضر، لكنه ـ برغم الحضارة التي تغرس المتحضر في ارض ووطن ـ لم يقم الا قليلاً حتى نزعت نفسه إلى الترحال. واذا كانت الحضارة قد أنسته شظف العيش، فإنها لم تنسه حب الطواف، بل فتحت امامه سبلا لم يطرقها، وأزارته أقطاراً لم يطأها من قبل. فإذا هو امام هياكل وأوابد، تختفي وراءها مدنيات عريقة، ففسر منها ما فسر، واستغلق عليه ما استغلق، لكنه لم ينكص عن صعود جبل، ولا تهيب اجتياز فلاة، ولا جحد فضل أمة. وحينما اطلقه الاسلام من عقال الصحراء اطلقه من رمضائها إلى جبال، عمائمها ثلج، وادواحها جنان، وقذفه إلى ربوع قريبها قصي، والغريب فيها ألوف مألوف، فطالت رحلاته، وقصرت الآماد دون قدميه، وشحذت الآيات البينات عزمه على الضرب في جهات الارض، وفتحت جوارحه سمعا وبصراً، وبصيرة على الدنيا، فاستفاد وافاد، واتعظ ووعظ: «أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها». ثم خطا الاسلام بالعربي النزاع إلى ارتياد الاصقاع خطوتين أخريين، كلتاهما فرض: اذ فرض على المسلم الحج، واتجه بخطواته نحو مكة تلبية لنداء السماء: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله» تلك هي الفريضة الاولى، والثانية الجهاد. لقد كان للجهاد في الحث على السفر شأن أي شأن، اذ استنفر العرب إلى ميادين الفتوح خفافاً وثقالاً. فبعد ان كانوا يحتربون في شعابهم اتجهوا إلى شعوب اخرى، وراحوا يجوبون جنبات الارض على جردهم العتاق من كاشغر على حدود الصين إلى بواتييه على تخوم الغال في حركة لا تهدأ، وهم في اثناء جهادهم يتعرفون صفر الروم، وسمر البربر، وشقر القوط، ويشاهدون انماط الحضارات، ويصغون إلى ضروب الألسنة، ويعايشون أصناف البشر، ويسجلون في ذاكرتهم الواعية كل ما يشاهدون. ثم هدأ الفتح، ولم تهدأ الاسفار، اذ اخلى الجند الدروب للتجار، ينتقلون بابلهم وسفنهم في البر والبحر، ويرسمون المعابر للسالكين، ويمصرون الامصار، ويركزون المنابر والمنائر في جوانب الارض. وفي ركاب التجار سعت قافلتان أخريان: قافلة البريد الموكلة بشئون الحكام وقافلة العلماء الباحثة عن الحقائق. اما قافلة البريد فقد كان لها في كل بقعة مستراد، وعلى كل تخم خفارة وفوق كل جهاز من اجهزة الدولة الواسعة سلطان، وعلى كل وال وعامل رقابة، تنظم الاقاليم، وترسم الطرق، وتقيس المسافات بين الولايات، وتتعهد الجسور والاسداد، وتعين على تحصيل المكوس، وتبث عيون الخلفاء والامراء في الممالك المحيطة بمملكة الاسلام، لتدرس احوالها، وتتسقط اخبارها، وتوفد اليها الوفود والرسل والسفراء كأحمد بن فضلان (ت: 309 ه) سفير المقتدر إلى ملوك البلغار والروس، وكاتب الرسالة الاولى في تاريخ الادب الجغرافي الذي تحدث عن هذه الاصقاع النائية من مملكة الاسلام. واما قافلة العلماء فقد كانت تنساب متئدة، وتعمل متئدة، واكبر همها الوقوف على حقيقة، او توثيق خبر، او الاجتماع باحد الحفاظ والرواة، او الظفر بكتاب نادر، او الجلوس إلى مقريء، او معارضة رواية على رواية. وفي الدروب الغاصة بالقوافل تشتبك الخطوات، وتتداخل المقاصد، ويختلط العالم بالجاهل، والشطار بالتجار، فيظن الباحث عن العلم تاجراً يتكسب، ويخال المتكسب حاجاً يتعبد، ويحسب المتعبد واحداً من اهل الكدية، ويتهم الصعلوك بأنه عين لاحد الملوك، ويحمل المتزهد على محمل الريبة، فيرمى بأنه جاسوس تنكر في زي عابد، ومضى يتحسس ويتجسس، ويحقق ويدقق، ويجمع الاخبار في الاسفار ليصب في حضن من ارسله حصاداً وفراً من شئون الخصوم من عرب وروم. وهذا الحصاد هو قوام الادب الجغرافي، ومادته الاولى، فلماذا سمي هذا اللون من النتاج الفكري ادبا لا علماً؟ سمي ادبا لأن اقله علم، واكثره وصف، فجاء اربابه ادباء متعالمين، او علماء متأدبين، وجاءت المادة الاولى في كتبهم وصفاً للاقاليم، وتصويراً للبلاد على نحو يمتزج فيه الرسم الصادق بالخيال الطموح، والمعاينة المحسوسة بالرواية المأثورة. ولم ينقطع كتابه إلى الجغرافية وحدها، بل اخذوا من كل علم بطرف، ومن كل فن بلون، فأبدعوا وامتعوا، وجمعوا ونوعوا، وعلى الابداع والامتاع، والتجميع والتنويع سيقصر محك النقد حديثه، وهو يستعرض في الحلقة المقبلة كتاب «حول العالم في 22 يوماً» للشاعر محمد المر.