الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 عند نزولي أي بلد أو مدينة لأول مرة أستيقظ صباح اليوم الأول مبكرا . أبدأ المشي حول مقر إقامتي، فندقا كان أو بيت ضيافة أو منزل صاحب عزيز، أمشى خطاي الأولى عبر الشوارع القريبة، مستكشفا، متأملا، لا أبتعد كثيرا حتى لا أضل طريقي .أشرع حواسي كافة، أتهيأ لتلقي كافة ما يقع عليه بصري أول مرة وأبحث عن أسباب الصلة بالواقع . ما يؤدي إلى إيجاد حميمية بيني وبين المكان . هكذا خطوت خارج الفندق الذي أمضيت فيه ليلتي الأولى في كوبنهاجن، المطل على القنال الذي ترسو فيه سفن صغيرة، ويعتبر الرصيف المحاذي له، والمباني المطلة عليه من أغلى مناطق المدينة التي يسكنها الأثرياء، وترتفع قيمة العقارات، كذلك الفنادق والمطاعم، هكذا في كل مدينة ثمة منطقة مرتفعة القيمة بالنسبة لكافة ما يمت إليها، ربما ليقيم فيها القادرون فقط، ويتحقق تقاربهم في هدوء. وإستمتاعهم بعيدا عن الإزعاج، ومن هم دونهم مرتبة. الجديد الآن في نوعية المناطق إنها الأقدم، التي إستمرت لقرون شعبية، مطروقة، يسكنها الفقراء والعمال . غير أن العتاقة تتوفر بها، هذا ما ينطبق على منطقة الميناء في كوبنهاجن، والقنال بالذات، القنال يدخل إلى المدينة من ناحية البحر، بحر الشمال، يمتد الرصيف، تطل عليه مباني عتيقة، تحتها مطاعم متنوعة ،كان البحارة في الزمن القديم يجيئون بعد شهور طويلة أمضوها في البحر، يجيئ البحارة الذكور تلهبهم الأشواق إلى الجنس الآخر، والحرمان، يجدون في الميناء متنفسا، فالمكان كله كان مخصصا للمشارب والمطاعم التي تقيم فيها بائعات الهوى، هكذا معظم الموانئ ،ويزداد الامر هنا بشدة البرد، والإحساس الشديد بالبعد، هذا إحساس إرتبط عندي ببلاد الشمال تلك التي أبلغها أول مرة، أننا على حافة الجزء المعمور، فيما يلي النرويج يبدأ القطب الشمالي . أتطلع إلى الساعة، إنها الثامنة صباحا .يمكنني المشي لمدة ساعة تم العودة لتناول الإفطار، موعد تحركنا إلى مكان إنعقاد مؤتمر نادي القلم الدولي في العاشرة، الفندق كان في الأصل أحد المخازن المستخدمة في الميناء، ثم الاحتفاظ بواجهته القديمة التي ترجع إلى القرن السابع عشر . وأعيدت صياغته من الداخل بحيث اصبح معدا للإقامة المريحة الغرف صغيرة جدا بالقياس إلى الدرجة المعلنة . أربعة نجوم، كذلك سعر الإقامة ما يوازي ثلاثمئة دولار في الليلة الواحدة، ولكن المنطقة كما ذكرت تعد الأعلى سعرا في كوبنهاجن .قبل خروجي من الفندق مررت بالمطعم لأتناول إفطارا خفيفا وكوب القهوة باللبن، لم يكن هناك أي نزيل، عدا العاملين في المطعم، كانوا يتحركون بنشاط لنقل أوعية الطعام ورصها فوق المنضدة الرئيسية كانوا في مرحلة التجهيز. لم أشأ أن أدخل في هذه اللحظات وإن تعجبت لتأخرهم قلت، ربما يتناولون الإفطار متأخرين في هذه البلاد، رغم معرفتي وخبرتي بالمواعيد المبكرة في الفنادق التي تبدأ في الكثير منها قبل السادسة، عند المدخل انتبهت إلى إنني أتصرف طبقا لتوقيت القاهرة، عند إستيقاظي تطلعت إلى الساعة، لم أتقص الوقت ساعة في ذهني، تصرفت طبقا للتوقيت الذي طالعته، من عادتي الا أحرك عقارب الساعة قط مهما بلغ السفر يتزايد معه فارق التوقيت، عندما بلغت المكسيك عام تسعة وثمانين من القرن الماضي، وكان فارق التوقيت ثماني ساعات قبل توقيتي القاهري، وعندما بلغت كليفلاند عام ست وتسعين واقمت للعلاج شهرا لم أغير التوقيت كان استيقاظي في السابعة والنصف صباحا على رنين الهاتف من القاهرة التي يكون التوقيت فيها وقتئذ الثانية والنصف بعد الظهر . كنت أتطلع إلى الساعة وأضبط الوقت بذهني إلى الشرق بلغت حدود الصين ،نزلت طشقند وسمرقند عام سبعة وثمانين من القرن الماضي ،وكان التوقيت يسبق القاهرة بسبع ساعات، عكس الغرب ،ومع ذلك لم أحرك عقارب ساعتي، ماذا جرى لي إذن؟ إنها الذاكرة التي بدأت تنسى الكثير خلال العامين الأخيرين، هذا ما جعلني أدقق كيفية حفظي لجواز السفر وبطاقة الطائرة خلال أسفاري الأخيرة أكثر من أي وقت مضى، لدي بإستمرار هاجس فقدهما، ومنذ عام حدث مؤشر خطير، كنت في متجر باريسي، وبعد الشراء إتجهت إلى قسم الضرائب لأسجل ما أشتريت حتى أحصل على الخصم بعد سفري، ومن بين الإجراءات إطلاع العاملة على جواز السفر، بعد أن إنهيت الإجراءات خرجت من الباب، عند الناصية فوجئت بالموظفة تسرع خلفي، تصيح «موسيو غيتاني ». كانت ترفع جواز السفر الأخضر بيدها، ذهلت، كيف حدث ذلك ؟ كيف نسيت ،كان اليوم سبت ،وسفري غدا الاحد، إهمالي هذا كان سيكلفني عسرا، شكرت الموظفة آسيوية الملامح من أعماقي وأعتبرت هذا علامة سلبية لماذا نسيت توقيت الدانمرك وأستيقظت طبقا لتوقيت القاهرة . ربما لأنها الليلة الأولى، التي تلت يوما طويلا من السفر، بدأ في الثالثة فجر الجمعة عندما خرجت من بيتي في ضاحية المعادي، أقلعت بي الطائرة الفرنسية في السادسة والربع إلى باريس، الإنتظار ساعتين، ثم الطيران من باريس إلى كوبنهاجن، عندما نزلت المطار خرجت مباشرة عبر سوق أنيق، لا أحد يعترض القادمين من العواصم الأوروبية لا جمرك لا جوازات لا يتم السؤال إلا في حالة الإشتباه فقط، لم أرى رجل شرطة أو جمارك، لكن الامر يختلف بالنسبة للقادمين مباشرة من الشرق الأوسط، أو بلدان غير أوروبية، أخبرني من يجيئون إلى كوبنهاجن من القاهرة مباشرة أن التفتيش يكون أدق، والفحص صحيح أن كل شيء يتم بتهذيب ونعومة، لكن في حزم أيضا . خارج المطار كانت تنتظرني سيدة ترفع لافتة كتب اسمي عليها بالعربية، إسمها توني، في السابعة والستين . تكتب القصة والمقالات، بدت ودودة ،تفيض حيوية، في عربة الاجرة ما بين المطار والفندق تعرفت عليها، ولفت نظري علاقتها بإيفو أندريتش الأديب اليوغسلافي العظيم ،الحاصل على نوبل عام واحد وستين من القرن الماضي، ومؤلف رواية «جسر على نهر درنيا» و«وقائع مدينة ترافنك» و«الآنسة» أحد أهم الروائيين الذين أحببتهم وتأثرت بهم، السيدة توني تعرفه شخصيا وتتقن اللغة الصربو كرواتية، متخصصة في أدبه والادب اليوغسلافي، التقت به وكان بينها وبينه مراسلات . بعد وصولي إلى الفندق وعند نزولي من السيارة لاحظت العتمة، كانت الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر والليل مكتمل بعد إقامتي القصيرة أدركت أن الليل يمتد حتى العاشرة صباحا، نهار قصير جدا، ويزداد قصرا كلما أوغل الشتاء . بعد ظهر الأمس جاءت السيدة توني لتصحبني إلى منزل الأديب والصحفي ميلس برادفورد، رئيس فرع نادي القلم بالدنمارك، قدمت إلى كتابا بالصربو كرواتية عن إيفواندريتش يتناول مراحل حياته، فيه صور مختلفة، عديدة لكافة مراحل حياته، من الصور التي توقفت أمامها، صورته وخلفه الجسر الشهير في مدينة فيشتجراد، تلك المدينة التي زرتها عام خمسة وثمانين من القرن الماضي وكان الجسر دافعي الأول لزيارة يوغسلافيا . قدمت إلى صورا منسوخة لرسائل متبادلة بينهما قالت إنها تعيرني الكتاب وسوف تسترده بعد أسبوعين، إذ أنها ستأتي ضمن وفد أدبي دنماركي في إطار التبادل الثقافي بين مصر والدنمارك ويمكنني أن أستنسخ نسخة منه، هذا ما تم بالفعل . لم يكن بيت الكاتب مليس برادفورد بعيدا عن الفندق، أحد المباني القديمة المطلة على الميناء، البيت أنيق، والرجل لطيف جدا سارع إلى أرفف مكتبته العامرة ليتناول نسخة من روايتي «الزيني بركات» ليريني إياها، الهوامش مليئة بالملحوظات مكتوبة بقلم رصاص، أبدى إعجابة بها وقال إنه قرأها مرتين، بدأ توافد الضيوف ،كان بينهم دانماركيون بالطبع، وأجانب وعرب جاءوا لحضور المؤتمر، أحدهم قدم إلى نفسه قائلا: «روبرت أوين» ذكر شيئا عن جريدة التايمز الأدبية، لم انتبه، لكنني في صباح اليوم التالي تذكرت اسمه، لقد كتب مقالا رائعا عن «الزيني بركات» عند صدور ترجمتها إلى الإنجليزية في سلسلة بنجوين الشهيرة ،كان ذلك عام ثمانية وثمانين، تلك الترجمة التي قدمها الدكتور أدوارد سعيد، وقام بها الدكتور فاروق عبد الوهاب أستاذ الأدب العربي بجامعة شيكاغو، تعرفت إليه واكتشفت أنه خبير بالأدب، هكذا قدر لي أن التقيه بعد حوالي خمسة عشر عاما من قراءاتي مقاله في هذه المجلة الأدبية المهمة. كنت أستعيد ليلة أمس والوجوه التي رأيتها أثناء اقترابي من باب الفندق استعدادا لخروجي من أجل المشي. أحكمت المعطف، وقبعتي الصوف «كاسكيت» والكوفية روسية الصنع، عندما أجتزت الباب إلى الشارع لفحني هواء بارد ،كأنه نابع من ثلاجة، هواء قطبي بكر، تطلعت إلى اليمين، ناحية البحر ،كان ثمة سفينة ضخمة تقترب من الشاطئ، عمارة هائلة الإرتفاع، الشارع خال تماما من أي إنسان، البيوت معتمة، العتمة سارية، لكن ثمة ضوء خافت شحيح قادم من الغيوم الدانية، على الفور تذكرت لوحات الرسام النرويجي العبقري «مونج»، خاصة لوحة الصرخة التي تعبر عن فضاءات الشمال، الخلاء القطبي، الوحدة الكابوسية، إنه الشمال، غير أنني لم أكن قادرا على الإستمرار في المشي الذي منيت نفسي به، لفحات الهواء القارس كحد السكين، عدت يخطى سريعة إلى الفندق، انفث دخانا كثيفا، أعي أكثر من أي لحظة أخرى أنني في الشمال.