الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 تعمل شركات الادوية والباحثون الطبيون في مختبرات حول العالم لتحقيق هدف مشترك، هو تطوير ادوية تكافح العلل والامراض بدون التسبب بأية اعراض جانبية. وكما يبدو واضحاً، فان هذا الهدف لم يتم تحقيقه بالأغلبية الساحقة من العقاقير الموجودة في السوق الان. فليس هناك من عقار قادر على تحقيق قدرته الشفائية بدون التسبب بأعراض جانبية غير مرغوبة لدى شخص واحد على الأقل، حيث انه عادة ما يتسبب بتلك الاعراض لاعداد كبيرة من الناس. يوضح جيري اتوود، الاستاذ المسئول ورئيس قسم الكيمياء في جامعة ميسوري ـ كولومبيا: «ان ما يعنيه هذا القول هو ان علينا ان نتحمل الاثار الجانبية على مر السنين. واذا كانت الاثار الجانبية غير قاتلة، والمرض الذي يحتاج الى علاج مدمر، عندها يتم اجراء المقايضة. فالأمر اشبه ما يكون باختيار اهون الشرين». ان سبب حدوث الاثار الجانبية هو ان معظم الادوية تعمل عن طريق اغراق الجسم بالمادة الفعالة من اجل ان تصل الكمية المطلوبة الى المنطقة التي تحتاجها. والمثال الصارخ على هذا يحدث في العلاج الكيماوي، حيث تقوم المواد الكيماوية السامة التي يمكنها قتل خلايا السرطان بمهاجمة الخلايا السليمة في الجسم ايضا، مما يسبب الغثيان وتساقط الشعر، ضمن اعراض اخرى رهيبة. ولكن المبدأ نفسه ينطبق على الادوية العادية، وان كان ذلك يتم بصورة اقل ضررا. خذ احد مضادات الحساسية الشهيرة عالمياً، مثل دواء كلاريتين، على سبيل المثال، حيث يقول دكتور اتوود عنه: «ان هذا الجزيء قد جرى ضبطه خلال فترة طويلة ولا يمكن عمل ما هو اكثر من ذلك معه بدون تخفيض تأثيره، او جعله يسبب المزيد من النعاس. الا انه، على الرغم من عملية الضبط تلك، فان جزيئات كلاريتين لا تكتفي لدى دخولها الجسم بالالتصاق بالمواقع التي تعاني من الحساسية حيث تمس الحاجة اليها وانما تلتصق ايضا بأماكن اخرى غير مرغوبة. وذلك من شأنه ان يسبب اعراضا جانبية». صحيح انه عقار ممتاز، ولكنه ليس كاملاً، وليس هناك قدر معين من الموالفة سيجعله كذلك. تطوير الادوية ومن هنا جاءت رغبة العلماء في تطوير ادوية «ذكية». فهذا الجيل الجديد من الادوية لديه القدرة على استهداف المناطق التي تحتاجه في الجسم بدقة مما يلغي معظم الاعراض الجانبية. وتقول دكتور جوان تيلور الاستاذة المحاضرة الرئيسية في علم الصيدلة بجامعة ديمونتفورت في ليستر: «يبدو ان هذه الادوية تعرف ما يفترض بها القيام به. ويعتبر هذا المجال موضوع نشاط اعمال كبير في صناعة الادوية في الوقت الحاضر». وينحصر التقدم حتى الان في مجال ادوية السرطان بشكل اساسي، حيث توصف في الغالب بأنها «العلاج السريع». وأحد الامثلة المهمة على ذلك عقار «جليفيك» وهو عقار اظهر نتائج خارقة على اورام يعتقد بأنها قاتلة لدرجة ان ادارة الغذاء والدواء الاميركية قامت بتسريع اطلاقه وطرحه في الأسواق بصورة اسرع من اي عقار لعلاج السرطان في التاريخ. يعد «جليفيك» انجازاً رائعاً، ولكنه لا يعتبر للاسف نهاية القصة بالنسبة لضحايا السرطان. فهو لا ينجح في علاج كل شخص او جميع انواع السرطان، ولاتزال هناك بحوث مكثفة تجري على علاجات وادوية اذكى لهذا المرض. الهدف الكبير الاخر لبحوث الادوية الحالية هو مرض السكري، الذي يقتل اعداداً من الناس تفوق ما يقتله السرطان كل عام. وتسود الان حالة من انتشار المرض وصفت بأنها وباء عالمي النطاق. ومع ان الانسولين يقوم بعمل جيد في ضبط السكري من النوع الاول، الا ان اخذ الحقن يومياً بالنسبة لمرضى السكري الذين يعتمدون على الأنسولين قد يكون تجربة مزعجة وصعبة. وتعمل دكتور جوان تيلور حالياً على اسلوب حقن ذكي يمكن ان يحسن بشكل كبير من حياة مرضى السكري في جميع انحاء العالم. فقد تمكنت من تطوير نموذج اولي من جهاز صغير مصنوع من مواد «ذكية» تستشعر الحاجة لاطلاق الانسولين. وبدلا من ان يكون الشخص مضطراً لاخذ الحقن وتناول الطعام في أوقات محددة كل يوم، فان هذا الجهاز سيقوم باطلاق الانسولين عند الحاجة اليه بالضبط وبالكمية المناسبة. الجهاز لم يتم اطلاق اسم عليه بعد. وهو جهاز بحجم قبضة اليد ومصنوع من مادة خاصة نباتية المنشأ مع قدرة فريدة على تمييز جلوكوز الدم، تتم زراعته في معدة المريض. لا احد يعرف لماذا تحتاج نبتة ما لوجود مستقبل حسي يستشعر وجود الجلوكوز، ولكن عندما اكتشفت تيلور المادة «وسجلت براءة اختراع بها» قبل عشرة اعوام، كانت تعلم ان لها مضامين مهمة بالنسبة لبحوث السكري. يعمل الجهاز بهذه الطريقة حالما ينتج الجسم كمية كبيرة وخطرة من الجلوكوز، تميز جدران الجهاز المزروع في المعدة وجوده وتصبح على الفور منفذة للسوائل. ونتيجة لذلك، يكون بالامكان اطلاق جرعات صغيرة من الانسولين في الوقت المطلوب وبالكمية المطلوبة. وتشرح تيلور المزيد عن الجهاز بقولها: «لا توجد بطاريات او اي اجزاء متحركة فيه. ولا يحتوي على شيء يمكنه ان يتسبب برفض محتمل من انسجة الجسم. فهو ذكي بأبسط صورة ممكنة». وحتى الان، يبحث فريق تيلور عن التمويل الضروري للبدء بالتجارب السريرية، وهي تعتقد انه اذا ما وجد التمويل، فان الجهاز يمكن ان يطرح في الاسواق في غضون خمسة اعوام. ان الادوية «الذكية» تملك، بالطبع، القدرة على علاج امراض اخرى غير السكري والسرطان. وتقول تيلور: قد يكون من الممكن استهداف الجلطات الدموية ومعالجتها بأدوية ذكية. ويمكن استخدامها ايضا في علاج التليف المراري، حيث يمكنك اعطاء دواء معين يقوم فقط باستهداف تلك الخلايا المريضة في الرئة والبنكرياس. ويمكن ان يكون مثل هذا العلاج مصحوباً بعلاج جيني قد يتيح ايصال جينة معينة بشكل مباشر الى الخلايا التي تحتاجها». ضرار عمير