السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 اصبحت الصحف اليوم بمتناول فئات المجتمع، بحيث اصبح من المستحيل وجود بيت خال من جريدة او مجلة، وعلى اختلاف المواضيع وتنوعها، نجد ان هنالك اقبالا ملحوظا على صفحات دون غيرها، وليس بأدل على ذلك من تلك الأعين التي تمر على صفحات ما مرور الكرام بينما نراها تلتصق بصفحات اخرى ولا تكاد تترك كلمة ولا حرفا بها الا تقرأه وابرز تلك الصفحات هي صفحات الجرائم التي نراها في الصحف بشكل يومي بينما تفرد لها صحف اخرى اياما محددة في الاسبوع ومما لاحظناه ان قراء هذه الصفحات متعددون من حيث الجنس او العمر، حتى ان هنالك من هم دون سن المراهقة نراهم وقد ادمنوا قراءة مثل تلك الصفحات لذا فقد توجهنا الى عدد من ذوي الاختصاص ليبدي لنا كل رأيه في صفحة الجرائم ومدى تأثيرها على السلوك، وما بين السلبية والايجابية كانت جولتنا التي لم تخل من مقترحات ثرية نأمل ان تجد لها آذانا صاغية.ومن خلال حوارنا يوضح الاخصائي النفسي بدر الحوسني ان مدى تأثير نشر الجرائم في الصحف المحلية على المجتمع يعود الى نوعية الجرائم المعروضة، فمن خلال قراءاتي السابقة لتلك الصفحات لاحظت ان اغلب الجرائم تكون قد وقعت خارج اطار دولتنا اي انها قد وقعت في دول عربية شقيقة او حتى في كثير من الاحيان في دول اجنبية، وهكذا فان تأثير الكتابة عنها سواء بالسلب او الايجاب يقع على تلك المجتمعات فحسب وهي بعيدة عنا ولكن هذا لا يعني اننا قد لا نستفيد منها مطلقا بل ان الشخص البالغ العاقل حين يقرأ عن تلك الجرائم فانه لابد وان يتعظ من اخطاء الآخرين وكذلك الحال عند الانسان الذي قد يفكر في ارتكاب اي نوع من الجرائم فانه يستيقن من عدم وجود جريمة كاملة ومن جهة اخرى فان التمعن في قراءة تلك الجرائم يجعلنا نقف قليلا عند مسبباتها التي غالبا ما تكون ابتعاد الاب عن اسرته والجري وراء رغباته او قد يكون هذا هو حال الام وبالتالي ينحرف الابناء ما يدفعهم دفعا لارتكاب أفعال مشينة تصل حد الاجرام، وهذه الامور في مجملها امور ايجابية لا محالة ولكن لو نظرنا للموضوع من زاوية اخرى في محاولة للموازنة بين كفي الميزان فاننا لا نستطيع انكار وجود عدد من السلبيات التي لابد من ذكرها، ولكن باديء ذي بدء علينا ان نضع في اعتبارنا ان قراء تلك الصفحات ليسوا دوما من الاشخاص البالغين او الذين وصلوا مرحلة من النضج الفكري والنفسي بل لقد لاحظنا ان الفئات العمرية تتباين لدرجة ان هنالك قراء دائمين لصفحات الجرائم من المراهقين او حتى ممن هم دون سن المراهقة ولا ننكر ما لهذه الفئة العمرية من حب للاستطلاع والتقليد وهنا مكمن الخطر حيث قد يلجأ من هم في هذه السن المبكرة الى تقليد ما فعله المجرمون في احدى القضايا ما سينعكس سلبا على سلوكياتهم فمن المعروف لدينا ان كثرة التوعية يقابلها رد فعل عكسي خاصة لمن يطغى عليهم الفضول وحب التجريب. ومما يقترحه الاخصائي النفسي تقنين عرض الجرائم بحيث يناقش قضايا اجتماعية بحتة تحاكي الواقع الذي نعيشه اليوم، او بمعنى آخر عرض المشاكل التي تمس مجتمعنا بشكل خاص، بحيث يتعظ منها ويتعلم اكبر قدر من الفئات المجتمعية كالمدرس والطالب والابن والزوج والزوجة والوالدين والفتاة والشاب، فلا احد يستطيع ان ينكر ان هنالك ظواهر دخيلة علينا ينبغي على جهات الاختصاص النظر اليها ومناقشتها بشيء من الموضوعية بحيث تستفيد منها تلك الشرائح، او على اقل تقدير فانه لو كان عرض الجرائم امرا مفروضا على الصحف والمجلات فيا حبذا لو يتبع كل جريمة تحليل نفسي واجتماعي يناقش المسببات والنتائج مع عدم اهمال ذكر البديل الذي لو اخذ به لكان بالامكان منع وقوع الجريمة او على الاقل التخفيف من حدتها بحيث يتحقق الاتعاظ والاستفادة بشكل او بآخر. حيطة وحذر ومن جهتها تؤكد مليحة المازم، باحثة نفسية بشرطة الشارقة ـ ان لكل شيء في حياتنا سلبيات وايجابيات لذا فان الحديث عن صفحات الجرائم التي تنشرها معظم الصحف والمجلات يعني حديثا عن الجانبين لذا فانني اود في البداية التطرق الى الايجابيات التي منها ان المرء يكون مطلعا على ما يدور حوله من احداث وجرائم محلية وعربية وعالمية، فالصحافة اليوم اصبحت اكثر جرأة عن السابق لدرجة انها غدت تناقش قضايا محلية بالغة الحساسية وكنا نعتبرها في الامس القريب من ضمن ما بعد الخطوط الحمراء التي يجب عدم تجاوزها، كما اننا وحتى وقت ليس بالبعيد كنا نتكلم عن «امن المجتمع» وكنا نستبعد تماما وجود جرائم في مجتمعنا الشرقي المحافظ، اما اليوم فاننا حين نلمس وجود حوادث تصل حد الاجرام فاننا لابد وان نأخذ الحذر وان نحتاط لكثير من الامور التي كنا غافلين عنها وخاصة لدى اولياء الامور، حيث يكونون اكثر حذرا على اطفالهم، كما ان الاطلاع على الجرائم التي تقع جراء الثقة العمياء والحرية اللامعقولة عند الفتيات تحفز الوالدين على ان يكونا اكثر رقابة وكبتا للحرية على بناتهما وهذا بالطبع خوفا عليهن من الويلات التي لحقت بالعديد من الفتيات اللواتي لم يفهمن الحرية والثقة بالشكل الصائب مما حدا بهن الى الوقوع في الجرائم اما كمجني عليهن او جانيات في احيان كثيرة، وعلاوة على تلك الناحية الحساسة فان عرض الجرائم المتعلقة بقضايا الاموال تجعل المواطن اكثر حرصا في تعاملاته مع الآخرين، بحيث لا يمنح الثقة الكاملة لأي شخص وتجعله يوفر لنفسه كافة التدابير التي تضمن له حقوقه، كل هذا يندرج تحت مسمى الايجابيات وهي كثيرة ومتشعبة بالطبع، اما لو تحدثنا عن السلبيات فانها موجودة لا محالة ولكن اثرها يتجلى على الفئة التي تبحث عن الاثارة والتقليد ولفت الانتباه فأمثال اولئك سيلجأون قطعا الى تقليد ما يقرأون عنه وهذا خطر كبير يقع على المراهقين خاصة لا يمكننا تجاهله. وتضيف المازم ان اغلب القضايا التي يرتكبها الابناء يكون السبب الرئيسي فيها هو غياب الاب ومحاولة الام للحلول مكانه واخذ دوره، وبالتالي فاننا يجب ان نركز على هذا الجانب بمعنى اظهار مدى خطورة غياب الاب عن الاسرة التي لابد وان ينالها التفكك بأي حال من الاحوال ومهما بلغت الام من شدتها وحزمها، لذا فان لعرض الحوادث فائدة في توضيح هذه النقلة للاباء الغافلين عن ابنائهم وزوجاتهم ومنازلهم ثم ان الاب لو لاحظ مدى اندماج ابنه او ابنته في قراءة تلك الصفحات فان عليه مناقشته وشرح مسببات الجريمة له كي يزرع بداخله الخوف من الخطأ لذا فانني اقترح التركيز على الجانب الاسري والاجتماعي والاتيان بكل ماهو هادف ضمن خطة شاملة يفترض ان تضعها الصحيفة بعين الاعتبار تعود بالنفع على القاريء وتحد من سلبيات مثل تلك الصفحات التي يقبل عليها الكثير من الابناء من مختلف الشرائح العمرية ومن الجنسين. سلبيات جمة وفي المقابل يرى محمد راشد بن ديماس ـ استشاري مراهقة وتربية ابناء ـ ان لصفحات الجرائم او كما يحلو للبعض تسميتها باستراحة الجرائم لها الكثير من السلبيات التي يجب النظر اليها بموضوعية شديدة. فالكثير من الحوادث وقعت جراء قراءة، مرتكبيها لتلك الجرائم ومحاولة تقليدها، وبالتالي فهي توسع من دائرة الجرائم او بمعنى آخر انها تؤدي الى اضرار قد تكون عميقة وكبيرة، لذا وجب توجيه الاهل الى ضرورة محاولة ابعاد ابنائهم عن قراءة مثل تلك الحوادث التي لا هدف منها سوى ملء الفراغ فحسب، ولا اعني بقولي هذا المنع المطلق والمباشر فهذا خطأ ولكن يتم ذلك عن طريق ثلاث خطوات تتمثل اولا في التوعية ثم التوجيه الى البديل وثالثا سد باب الفراغ عند الابناء، فمتى ما تحققت تلك الخطوات ومتى ما التزم بها الاهل فانه ستتولد لدى ابنائهم رقابة ذاتية تبين لهم ان ما يقرأونه لا يتعدى كونه «كلام فاضي» وانهم بذلك يضيعون وقتهم الثمين فيما لا طائل منه وهذه الحقائق واقعية وملاحظة من خلال انعدام التوعية المطلوبة في تلك الجرائم حيث ان المضمون واحد مهما اختلفت الامكنة والشخوص وغالبا ما يكون التركيز على قضايا الشرف والخيانات الزوجية وهي مسائل لا تهم الابن مطلقا. ويوضح الاستشاري التربوي: انه مما لاشك فيه ان القصة مهمة جدا في تربية الابناء وتوجيههم وبالتالي فلا غنى عن القصة الهادفة التي تصب في هذه المصلحة وهناك العديد من القصص التي تركز على هذا الجانب وهي قصص تربوية مصاغة بشكل راق تعزز في الابن النواحي التربوية الايجابية وتبعد عنه المفرزات السلبية التي يكون قد تشربها ممن حوله، لذا فانني اتوجه باقتراح الى القائمين على تلك الصفحات بضرورة وقف نشر تلك الجرائم والاستعاضة عنها بنشر قصص تربوية تفيد اولياء الامور في توجيههم للنشء، وفي الوقت ذاته تكون القصة جاذبة للابناء من مختلف الاعمار، وهكذا نكون قد اوجدنا البديل المناسب لابنائنا وجعلناهم يقضون وقتهم في قراءة ماهو مفيد ومثمر، فابناؤنا اليوم بحاجة ماسة الى توجيه قوي لكي نبعدهم عن التيارات الغربية التي انما تفرز بداخلهم سلوكيات لايرضاها العقل والدين. المتابعة الدائمة كما توجهنا خلال جولتنا الى سوسن معتصم ـ اخصائية اجتماعية ـ والتي ابدت لنا رأيها بكل صراحة ووضوح حيث تقول: مع بداية قراءتي لصفحة الجرائم كنت اتصور انها صفحة ايجابية يتعلم منها الفرد الدروس ويتعظ من الاخطاء التي وقع فيها غيره، ولكنني ومنذ فترة طويلة تيقنت بما لايدع مجالا للشك ان سلبياتها تفوق بكثير ايجابياتها ـ ان وجدت ـ حيث انني ومن خلال عملي استطعت التوصل الى ان هنالك فئة من الطلبة ممن هم في سن حرجة يقرأون هذه الصفحات للتسلية والقيام بالمغامرات الخطيرة، وهذه حقيقة موجودة لاينكرها احد، لذا فانني اليوم اصبحت ارفض تماما الاطلاع على مثل هذه الصفحات واتصور ان الايجابية الوحيدة هي ان الذين يستفيدون من مثل هذه القصص والجرائم ليسوا سوى من البالغين الناضجين الذين يزنون الامور بميزان العقل، ولكن طالما ان هذه الصفحات لاتزال موجودة فان على اولياء الامور التصرف بحكمة في سبيل ابعاد ابنائهم عن قراءتها، وهذا لايكون إلا بجعل لغة الحوار المفتاح الرئيسي لهذا التوجه، وحتى الحوار في حد ذاته يجب ان يكون بالتدرج وموافقا للمرحلة العمرية التي يمر بها الابن او الابنة فمما لاشك فيه ان سبب قراءة الابناء لتلك الجرائم لا يتعدى ملء وقت الفراغ وهنا يجب ان يحاول الآباء لفت نظر ابنائهم لشيء آخر والتحدث معهم عن هواياتهم وما يشغل بالهم، واود وانا اذكر هذه النقطة ان اركز على امر آخر مهم جدا، وهو ضرورة المتابعة الدائمة للابناء لانه متى ما توفرت المتابعة من قبل الاباء والامهات فان الابن سيتغذى فكريا بما هو مفيد، فهذه المتابعة تحتم على اولياء الامور مشاركة ابنائهم في جميع اهتماماتهم، وعدم ترك الحبل على الغارب ثم ان الابن حين يجد من يتابعه خلال متابعته للانترنت مثلا او من يسرد عليه قصصا مفيدة ومسلية فانه لابد وان يتخلص من ادمانه لقراءة تلك الصفحات واخيرا فانني اتوجه بسؤال الى المسئولين عن صفحات الجرائم مفاده الى من توجهون صفحاتكم وما هدفكم منها فمما لاشك فيه ان الهدف في البداية من قراءة الجريمة يكون التسلية لتكون النهاية خطيرة، لذا ادعو القائمين عليها بضرورة استبدالها بصفحات تكون موجهة للطفل بشكل راق ومدروس فتقدم شعوب الغرب علينا مفاده اهتمامهم بالطفل واثراء لغته وعقليته وهذا يعني اثراء تربويا تكون نتيجه جيلا رصينا متماسكا نفسيا وعقليا وياحبذا لو تؤخذ افكار صفحات الاطفال من المناهج التي يدرسونها وبذلك تتحقق معادلة الفائدة والاستفادة والاثراء الفكري وهذه اهداف سامية نتمنى توافرها في هذا الجيل الذي يواجه صعوبات واعاصير قد تودي به للهلاك.