السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 رجل كان في طفولته عبقرياً وأمضى سبعة عقود من حياته في حالة اشبه بالغشية او الاغماءة بعد اصابته بمرض نوم غامض قد يكشف اسرار هذا المرض الآن وهو راقد في قبره. فيليب ليثر الذي توفى منذ شهرين عن عمر ناهز الثانية والثمانين عاماً هو آخر ناج من هذا الوباء، النادر المعروف باسم «انسيفاليتيس ليثارجيكا» والذي خلف الكثير من الضحايا المنزوين في عالم خاص بهم بعد ظهوره في العقد العشرين من القرن الماضي. ولم يكتشف العلماء ابداً سبب المرض الذي يعتقد انه فيروسي لكنهم يخشون ان يعاود في يوم ما الظهور. والآن يأمل العلماء في التوصل إلى علاج للمرض بعدما اعطت شقيقة فيليب ليثر موافقتها على اخذ عينات من مخ شقيقها المتوفى لتحليلها باستخدام تقنيات لم تكن متوفرة في الماضي عند انتشار المرض. وقد وصف اخصائي الاعصاب اوليفر ساكس قرار الموافقة بأنه بالغ الاهمية وكانت البحوث التي اجراها ساكس حول المرض هي الفكرة التي اعتمد عليها الفيلم المرشح للاوسكار في العام 1990 «اليقظة» الذي لعب ادوار البطولة فيه روبرت دونيرو وروبن ويليامز. ويقول ساكس ان تلك ربما تكون الفرصة الاخيرة لاكتشاف العامل الذي تسبب بهذا الوباء الخطير لكن المنسي والذي دمر حياة العديد من الناس. وأضاف بأن الناس اليوم لا يتحدثون الا عن مرض الايدز او جنون البقر رغم وجود ادلة تؤكد احتمال عودة هذا المرض الذي يرمز له ب: إي إل ولذا فإن هناك حاجة لمعرفة المزيد عنه. وكان فيليب ليثر قد التقط المرض في العام 1931 وقبل ذلك كان يعد عبقريا فقد كان قادرا عن العزف على البيانو بدون تعليم مسبق وقبل ان يلتحق بالمدرسة الابتدائية كانت له قدرة على تركيب ألغاز وهي بالمقلوب دون ان يرى الصور وبناء نماذج معقدة من قطع التركيب. وبعد فترة قصيرة من عيد ميلاده الحادي عشر اصابته نوبات شبيهة اعراضها بالانفلونزا مصحوبة بخمول ثم اصيب بشلل في حركة العينين وبعدها بفترة اصبح غير قادر على المشي والكلام وبالكاد يستطيع اطعام نفسه. وقد تم تشخيص المرض في العام 1932 من قبل الدكتور جورج اودن الخبير بالمرض. ودخل ليثر مستشفى هوليمور للأمراض العقلية في برمنجهام حيث بقى منه ستين عام. إلى ان اقفل المستشفى في العام 1994 وتم نقله إلى مستشفى ياردلي جرين وشقيقته جين برايس البالغة من عمرها الآن 81 والتي تعيش الآن في ليفربول تتذكر جيداً تدهوره البطيء من طفل نشط ملفت للاهتمام إلى مخلوق انطوى داخل نفسه في غضون بضع سنوات حيث رفض التحدث للناس وانسحب عن المجتمع. وعندما بلغ سن الحادية عشرة وصل المرض به إلى حال كان يمضي خلالها يومين تحت اغطية السرير رافضا الاكل والشرب. وبعد تشخيصه لم تر جين شقيقها الا عندما اكملت عامها التاسع عشر اذ كان يرفض والدها اصطحابها معهما لرؤيته وعندما كبرت قليلا ذهبت لزيارته وحدها وبدا لها انه يدرك ما يجري حوله ولكن كأنه يريد الانزواء من العالم. واضافت انه كان يستمتع بطعامه ويساعد في ترتيب مائدة الطعام ولكن كان يصعب التواصل معه وفي باديء الامر كان يستطيع ان يقول كلمات بسيطة مثل نعم او لا ولكنه بعد فترة صمت نهائيا عن الكلام. وفي مستشفى ياردلي جرين كان ليثر يعالج على يد البروفيسور رام موهان استشاري علم النفس الذي يقول انه لم يسمعه ابدا يتحدث لكنه كان يدرك وجود شقيقته معه. كما كان يعشق الآيس كريم رغم عدم قدرته على تناولها لوحده ولكنه كان يظهر بعض تعابير الاثارة عندما يقدم له. وفي العام 1997 تعرفت شقيقته جين على البروفيسور جون اكسفورد الذي درس المرض بمستشفى لندن الملكي وهي تقول ان معظم الناس يفترضون ان مرضى الإي إل ماتوا جميعا منذ زمن طويل وكان البروفيسور اكسفورد تواقا للقاء فيليب ليثر وجاء لزيارته هو وشقيقته. وقد وافقت جين على ضرورة التبرع بمخ شقيقها فيليب بعد وفاته لمساعدة الباحثين على معرفة المزيد عن هذا المرض الفظيع الذي دمر حياة شقيقها وهي تقول ان هذا المرض كارثة ومأساة لفيليب وانها لا تريد لأحد ان يصاب به وتشعر ان شقيقها كان يرغب في المساعدة على ايجاد حل لهذا اللغز الطبي. البروفيسور اكسفورد الذي امر بأخذ عينات من مخ ليثر قال إن هذه الفرصة فريدة مضيفا بأنه تم اجراء اختبارات في السابق لكن باستخدام تقنيات قديمة لفحص امخاخ اشخاص ظلت مخزنة لفترات طويلة ولذلك فإن اية فيروسات حية لم تكن موجودة. واوضح ان التبرع بمخ فيليب قدم للطب افضل فرصة للتوصل اخيرا للسبب المسئول عن احد اكبر الالغاز الطبية في العالم. وستشتمل الاختبارات على فحوصات للمخ لتحري اي خلل اسفل مجهر الكتروني إلى جانب اختبارات عصبية اخرى. والبروفيسور اكسفورد مهتم على وجه خاص باجراء فحوصات على الجزيئات البيولوجية لمعرفة اذا كان لهذا المرض صلة بالانفلونزا سيما وان وباء الإي إل ظهر في وقت قريب من وباء الانفلونزا الذي اجتاح شمال اوروبا في العام 1918 وتسبب بمقتل 50 مليون شخص. وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت الاطباء لان يكونوا مستعدين لسلالة فيروسية مشابهة تظهر في المستقبل. واهمية هذه البحوث تكمن في التأكد من وجود صلة لوباء الإي إل على حد قول اكسفورد ففي ذلك الحين فقط سيكون الاطباء مسنعدين له. ابتسام أحمد