الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 في خاطرة سابقة عرض هذا المحك الناقد للحديث عن العلاقة الجدلية بين المسرح والنقد بصورة عامة، وتخير امثلته من المسرحيات السورية بصورة خاصة، ومن المسرح الحمصي على نحو اخص، وحصر نفسه فيما تخير بسور زمني اداره حولها، وهو النصف الاول من القرن العشرين، فوصم بالتحزب والتعصب، ورمي بضيق الأفق، وقلة الزاد، وقيل: انه يروج بضاعة قديمة، رثت افكارها، ونسخ التطور الفني زيها، فليس لها اليوم في سوق الادب والفن راغب، وانه يبهرج عانسا، بهت جمالها، وشاخت قسماتها، فليس لها بين المخرجين والممثلين والمشاهدين عاشق ولا خاطب. ومحك النقد لا ينكر ان لكل سلعة يوما وقوما، ولا يدعي ان المسرح المغمور الذي نفض عنه غبار الاغفال كان خيرا من المشهور الذي اشاعه المسموع والمقروء والمرئي من وسائل الترويج حتى تلقفته الاسماع والابصار، ونفق في اسواق الادب والفن، وانما قصد الى شيء آخر غير الترويج والانتماء وغير الدعاية والادعاء، وهو الحرص على العدل والنصفة: العدل بين البيئات الادبية في الظفر بأضواء الاعلان والاعلام، وانصاف العيون الناقدة في توزيع نظراتها النافذة على النصوص بالسوية، تدرسها، وتفسرها، وتقارنها بأشباهها ونظائرها، ليصيب كل منها حظا من الشهرة، يكافأ به القاصي كما يكافأ به الداني، وينعم به ابناء المدن الصغرى كما ينعم به ابناء الحواضر الكبرى، ويتخذ كل اثر ادبي مكانه من التراث. وعلى النقد يلقى القدر الاكبر من هذه التبعة الاخلاقية، تبعة الاهتمام والعناية بكل النصوص على سبيل المساواة لا المباهاة وبقصد الحفاظ على الموروث كله، لا بأخذ بعض ونبذ بعض وبغية تلوين اللوح الذي يرسمه الفكر القومي او القطري بألوان عديدة لا غمس هذا اللوح في صباغ واحد، وفق ذوق واحد. ولا يفهمنّ مما سبق ان نقد الادب المسرحي في سوريا ظهر في الحواضر الكبرى كدمشق وحلب ولم يظهر في المدن الاخرى كحمص وحماة فان الجامعات لم تكن معنية بدراسة الادب المسرحي وتدريسه، واغفال هذا النمط من النشاط الفكري يعني ان الجامعات كانت ترتاب في انتماء النصوص المسرحية الى الادب. وعذرها ـ كما ورد في خاطرة سابقة ـ ان اكثر هذه النصوص انشيء بالعامية لا بالفصحى. والادب العامي: حكاياته وازجاله ومسرحياته من التراث الشعبي لا من التراث الادبي. ولو تقبلت هذا العذر في تسويغ الاعراض عن دراسة الادب الشعبي السوري لما وجدته مقبولاً في تسويغ الاعراض عن دراسة الادب المسرحي العربي الفصيح شعره ونثره كأدبي احمد شوقي وتوفيق الحكيم، لقد تأخر تدريس الادب المسرحي في جامعة دمشق اربعين سنة عن انشائها، وتخرجت من هذه الجامعة العريقة أجيال من المجازين قبل العقد السادس من القرن العشرين، وهم يجهلون النقد المسرحي المنهجي المبني على قواعد ثابتة وفق المذاهب الادبية، وترك النقد للمخرجين والنقاد والهواة، ومنهم نبيل حفار، وعادل قره شولي، ولم يسمح للنقد المنهجي ان يقتحم حرم الجامعة، ولم يدرسه احد من اساتذتها الكبار كالدكتور امجد الطرابلسي والدكتور شكري فيصل. وبين العقدين السادس والسابع اخذت الجامعات السورية ـ وفي مقدمتها جامعتا دمشق وحلب ـ تفتح صدورها للادب المسرحي نصوصاً ونقداً لاسباب كثيرة أولها: ظهور المسارح وكثرة التمثيل، وهذه الظاهرة الفنية التي فرضت نفسها في بداية الامر على الشارع فرضت نفسها بعدئذ على الجامعة، وانتقل الاهتمام بالمسرح من عيون الجماهير وآذانها الى ألسنة الاساتذة واقلامهم. وثاني هذه الاسباب عودة الدارسين السوريين من مصر والجامعات الغربية الى وطنهم، وفي حقائبهم شهادات عليا في دراسة الادب المقارن، وثقافة مسرحية واسعة تخولهم حق الدرس والتدريس في ميدان المسرح أدباً ونقداً واخراجاً وتمثيلاً. وربما كان للاوضاع السياسية تأثيرها في هذا الميدان، فحينما نزعت سوريا الى الاشتراكية ترجم المسرح هذا النزوع ترجمة ادبية وفنية، فمال المؤلفون الى الواقعية الاشتراكية وسخروا ادبهم الملتزم لنصرتها، وعالجوا ما عالجوا من قضايا الامة العربية القومية، ومشكلات المجتمع العربي بروح واقعية تقدمية، وهكذا اصبح الادب المسرحي شكلاً من اشكال الالتزام والاعلام الرسمي، ترعاه الدولة، وينضوي تحت لوائه اكثر المؤلفين، وراح يشق طريقه الى المعاهد والجامعات، ثم يتسنم منابر التدريس، فراج بعد بوار، وحضر بعد غياب، وفرض نفسه على رافضيه. واذا كان التأليف قد شهد اكثر من كاتب وشاعر، واذا كان التمثيل قد شهد اكثر من مسرح وفرقة لهما اكثر من اتجاه، فإن المنابر الجامعية لم تشهد اكثر من ناقدين، كانا يدرّسان النصوص تدريساً منهجياً يحتكم الى ضوابط النقد الحديث، ويدربان الطلاب على تذوق المسرحيات ونقدها، وهذان الناقدان هما: د. احمد زياد محبك، ود. نعيم اليافي: الاول تفرغ لدراسة المسرح، ونال شهادتي الدراسات العليا فيه، والثاني عكف على درس النص المسرحي، وأكب على تذوقه واذاقته، وتحليله ونقده، وتفسيره وتوجيهه، فاستدرك الفائت وأكمل الناقص، ووضع النقد المسرحي حيث يجب ان يوضع بين اشقائه من اجناس النقد: نقد الشعر، ونقد القصة ونقد المقالة ونقد الملحمة. ولما كان نقد المسرحية موصول النسب بتاريخ المسرح، وتمييز مذاهبه ومدارسه بعضها من بعض فإن دراسات اليافي لم تخل من التقسيم والتقويم، ومن اخضاع التطور المسرحي للعامل الزمني، اذ لوحظ في هذه الدراسات انها تقسم المسرح السوري الى ثلاثة اقسام، اي الى ثلاث مراحل وهي: المسرح الرائد، والمسرح الغنائي، والمسرح الواقعي، ولكل قسم من هذه الاقسام عوامله التي صنعته، وفرضت عليه سماته التي تميزه من غيره. وأنفع مافي هذه الدراسات تعاون اليافي وطلابه، فقد أدى هذا التعاون الى اشتراك الطلاب في النقد، فتحولوا من مستمعين يتلقون الرأي بالقبول الى محاورين، يضربون الرأي بالرأي والحجة بالحجة، فقويت شخصياتهم، وشحذت ملكاتهم، وأرهفت اذواقهم، وتربت مواهبهم تربية عملية رشيدة، تجمع بين المدارسة والممارسة والتنظير والتفسير، وتؤمن بأن المسرح فن حي متحرك، وأن نصوصه لا تحيا الا اذا خرجت من رفوف المكتبات وصفحات الكتب، وارتقت منصات المسارح، ومنابر النقد، وبأن نقده يجب ان يكون حيا كذلك، يشترك فيه المؤلف والمخرج والممثل والناقد والمشاهد. شجع اليافي طلابه على اقتحام المسارح، وعلى محاورة العاملين فيها، فانطلقوا من قاعات الجامعات، وراحوا يناقشون الكتاب فيما يكتبون، والمخرجين فيما يخرجون، والممثلين في اداء ما يؤدون، ثم يجمعون ما تفضي اليه مناقشاتهم من مذكرات وفوائد وضوابط ليحولوا ما جمعوه الى رسائل جامعية وحلقات بحث، يعرضونها على مدرسهم، ويجادلونه فيها، فإذا هي بعد المجادلة مادة نقدية قيمة ترفد النصوص، وتعين على تطويرها وانضاجها. ولم يكتف هذا الناقد المتفرد بنشاط متعدد الوجوه بإرسال الجامعة الى المسرح بل عمل على جلب المسرح الى الجامعة، وعلى كسر الاسداد والاسوار التي تمنع التقاءهما في حرم الجامعة، اذ استضاف بعض الكتاب، وخلى بينهم وبين الطلاب، فراحوا يحاضرون ويحاورون: يتحدثون عن تجاربهم الادبية من بداية عهدهم بالكتابة الى ان مرنت اقلامهم ونضجت افكارهم، واستوت نصوصهم على سوقها، ويصغون الى منتقديهم الصغار بصدور رحبة، تتقبل التعليقات فترد عليها، او تفيد منها. وبهذه الطريقة تعلم الطلاب اساليب الحوار، فتحولت المحاضرات الى محاورات، وأصبحت دراسة النص المسرحي مسرحية نقدية حية، تضاف الى العمل المسرحي، وترقى به، وغدت تفاعلا بين الكاتب والقاريء، والممثل والمشاهد، ينتفع به الطلاب والكتاب معا، ويعود القدر الاكبر من الانتفاع به على الحركة المسرحية كلها، فكيف لاتنشط بعد خمول، وتخصب بعد جدب؟ ولو لم يتمخض صنيع اليافي هذا الا عن بث الروح النقدية في اوصال النصوص لكان هذا البث وحده انجازا قيما يذكر له. ولما كان المسرح السياسي الجاد أحب إلى الشباب من سواه فإن مناقشة النصوص المسرحية السياسية لم تخل من حرج، تحمل اليافي القدر الأكبر من تبعاته، إذ كان الطلاب ينتقلون من تحليل النصوص الممثلة، إلى تحليل الأوضاع السياسية، ويحاولون أن يفسروا الموضوعات والأحداث التاريخية تفسيراً عصرياً. ومثل هذا التفسير الاسقاطي الجريء لم يبرأ من الغلوّ والشطط، ولم يلتزم الحيطة والحذر، بل كان يتمادى في النقد والتجريح، ويجوز التلميح إلى التصريح، ويربك الضيوف والمضيف. لكنه في الوقت نفسه شجع الشباب على التفكير الحر، وعمق وعيهم السياسي ووسعه، وزجهم في معمعة الكفاح الاجتماعي ضد التخلف، وفي معترك النضال القومي ضد الصهيونية، ووضع أيديهم على أسرار النكبات والنكسات التي نزلت بالوطن العربي في تاريخه الحديث. ولمثل هذا وجد المسرح!! بقلم: د. غازي مختار طليمات