الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 جاء الاسبوع الثقافي الارمني الذي اقيم مؤخراً في المجمع الثقافي بابوظبي تتويجاً للعلاقات بين دولة الامارات وجمهورية ارمينيا، فالتعامل بينهما حديث عهد فقد بدأ عندما تم تبادل العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين في 25 يونيو 1998 وبعدها تم افتتاح السفارة في ابوظبي بتاريخ 23 سبتمبر 2000م. السياسة والحروب تباعد عادة بين الدول والشعوب هذا رأي يقتنع به الاغلبية لكن الثقافة تجمعهما ومن هذا المنطلق يجد رولاند شارويان وزير الثقافة وشئون الشباب والرياضة في جمهورية ارمينيا ان التفاعلات المتبادلة في المسيرة التاريخية للشعبين العربي والارمني كانت دحراً لكل المصائب باعتبار ان التمايز الروحي والقومي لاهداف الشعوب يتجلى بصدق في تراثها المدون. ورولاند شارويان البروفيسور في قسم الاعلام بالجامعة الارمينية يؤكد في مطلع حديثه: ان الطريق الروحي لبناء وتحقيق استقلالية ارمينيا يبرز من خلال اثبات الروابط بينها وبين البلدان الاخرى، ورابطة الحضارة والثقافة تساهم جدياً في اثبات الوجود الارمني». والحوار مع رولاند شارويان وزير الثقافة وشئون الشباب والرياضة في جمهورية ارمينيا يبين ان تاريخ وحضارة ارمينيا قد اثرت وتأثرت بالحضارات الاخرى. ـ الى اي مدى يساهم قيام الاسبوع الثقافي الارمني على ارض الامارات في تعريف الشعب الاماراتي بحضارة وثقافة الشعب الارمني؟ ـ اي اسبوع ثقافي لا يمكنه ان يحيط بحضارة شعب عمرها خمسة آلاف سنة، والهدف تلخص باختيار باقات مختلفة في اغانٍ وموسيقى فلكلورية ممزوجة بروح الشعب الارمني وعمرها 350 سنة. بالاضافة الى عرض افلام معاصرة بجانب الافلام الوثائقية التي تعرف الجمهور بتاريخ شعبنا. اما بالنسبة للفنون فقد عرضنا لرواد الفن التشكيلي قديماً وحديثاً وظهرت في المعرض اعمال الفنان «يرفاندكوتشار» الذي يعد احد اهم الظواهر البارزة في عالم فن القرن العشرين حيث عرضت اعماله في باريس مع اعظم الفنانين في ذلك العصر امثال بيكاسو وبراك وغيرهما. كما احضرنا نماذج مختارة من المتحف الوطني للفنون الفلكلورية تتمثل بالسجاد الوطني الذي يتراوح تاريخ صناعته ما بين 150 و200 سنة باختصار يعتبر كل ما قدمنا وعرضناه نموذجاً مصغراً للحضارة الارمينية. علاقة قديمة ـ حركة الترجمة الارمينية الى العربية، ومن العربية الى الارمينية والتمازج الحضاري بين الشعبين الى اي مدى ساهم بتعريف وتقريب العواطف والتوثيق بين شعوب الطرفين؟ ـ من خلال التاريخ الارمني نجد ان هناك لمسات متبادلة بين الارمن والعرب في الملاحم والاشعار. ونتيجة للتعامل الطويل نرى ان الارمن قد لعبوا دوراً مهمة في النهضة العربية، والشاهد على هذا المجلات التي صدرت باللغة العربية وهي «مرآة الاحوال، الحكايات الارمينية، والمشاهد في الحكايات الارمينية». وان دلت هذه المجلات على شيء فانما تدل على عمق وعراقة الحضارتين، وليس من باب المصادفة ان نجد ان بطل الملحمة الاسطورية الارمينية «داوود الصاصوني» التي ترجع بجذورها الى الف سنة مضت نجد ان هذا البطل والملك العربي المصري هما شقيقان بالرضاعة. اما الشاعر الارمني المشهور «افيدك ايسكيان» فقد كتب من جديد ملحمة تحت عنوان «ابو العلاء المصري» وتطرح هذه الملحمة اول ترجمة للافكار التي وردت في لزوميات الشاعر ابو العلاء المعري بشكل عصري. اما اهم مرحلة تاريخية فكانت بعد المذبحة الارمينية عام 1915 فلولا العرب لكان من الصعب ان تظهر الولادة الثانية للأرمن. باعتبار ان العرب قد ساعدوا الارمن وساندوهم بإعادة كيانهم ورغم انصهار الارمن في المجتمعات التي عاشوا فيها، ورغم حصولهم على جنسية هذه المجتمعات لكننا نجد تفردهم في مجال الابداع ومساهمتهم في تطور الثقافات العربية التي عاشوها. ونذكر هنا مغنية الاوبرا المشهورة «غوغاريوبرينا» التي تعلمت في مصر اي في مجتمع عربي، وكذلك «اتون ايجويان» المخرج الكندي الذي ترعرع ايضاً في مجتمع عربي وتأثر بثقافته. كما وجدت بعض الشخصيات التي لعبت دوراً بارزاً في النهضة العربية مثل رزق الله حسون واديب اسحاق اللذين نشرا عدة جرائد بالعربية مثل «التقدم والمصباح». ـ هل حد وجودكم ضمن كيان الاتحاد السوفييتي من ظهور طابع وثقافة دولة ارمينيا؟ ـ الكل يعرف اننا كنا منصهرين في بوتقة الاتحاد السوفييتي ضمن منظومة اشتراكية تحت حكم حزب واحد وهو الحزب الشيوعي. وهذا ما ادى الى طمس بعض المعالم لتصبح فيما بعد مغلفة بطابع سياسي سائد في الدولة ككل، ورغم هذا ظهر في تلك الفترة الكثير من المبدعين الذين قدموا لهذه الدولة مثل «البيرتو وسيرجي بارجليان» اللذين وضحا من خلال افلامهما وبشكل غير مباشر الصراعات السياسية المبطنة. وكان الارمن اول من برعوا في تقديم الافلام الملونة على زمن المخرج «آرام خاشودريان» الذي سيتم الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاده العام المقبل. هناك مبدعون لا يمكن احصاؤهم يحضرني منهم الآن الملحن البارز «آرنوباباجنيان» والتشكيلي يرفاندكوتشار الذي عمل على مبدأ الحركة في المساحة. اسس جديدة ـ بعد ان حققت ارمينيا استقلالها ما هي الاسس التي ارتكزتم عليها في سياستكم الثقافية الجديدة؟ ـ تمركزت اهدافنا الجديدة ضمن مجموعة من المحاور اولها ايجاد قانون حر يرتكز على اسس الثقافة في جمهورية ارمينيا، ووضع قانون يحمي حرية الفكر مع الاخذ بعين الاعتبار الحركة الثقافية الراهنة، اما المحور الثاني فهو افساح مجال الحرية في تأسيس جماعات تختلف عن الجماعات السوفييتية، فالمجموعات الثقافية لن تتبع لأي حزب او دائرة حكومية فالابداع لابد ان يكون حراً لكي يفتح الآفاق لتطوير الثقافة. والمحور الثالث يكون بالحفاظ على الإرث الثقافي الذي يتجسد في حضارة عمرها خمسة آلاف سنة وتوثيقها من خلال جداول وسجلات واعادة ترميم المناطق الاثرية وبناء المتاحف. اما المحور الرابع والاخير فيتجلى في الانفتاح على العالم الخارجي وابراز الثقافة الارمينية، من خلال التواصل مع الشعوب الاخرى. وقد بلغ عدد العاملين في مجال الحفاظ على الارث الثقافي 30 الف ارمني من اصل ثلاثة ملايين وخمسمائة الف نسمة وكل العاملين في هذا المجال مؤهلون للحفاظ على الثقافة بكافة فروعها وإعادة ترميم ما يمكن ترميمه. ـ هل يمكن للثقافة الارمينية ان تصمد امام اجتياح وهيمنة العولمة؟ ـ امتدت العولمة لتطال بلدان العالم كافة ونحن شعب يمتلك حضارة عمرها خمسة آلاف سنة. ولهذا لا نخاف من هذه السيطرة بل نواكبها احياناً لاننا نمتلك القدرة على تقديم الغناء الكلاسيكي بطريقة «الجاز» العصرية وتقديم هذا النموذج الحديث لا يعني التخلي عن الفلكلور الخاص بنا، لاننا استطعنا في عهد الاتحاد السوفييتي ان ننافس روسيا في عروض الاوبرا التي تميزت بها. هناك علاقات تنتهي بين رؤساء الدول لكن ما يبقى دائماً هو الثقافة التي تعتبر غذاء للروح وسلاماً دائماً بين الدول. ومن هذا المنطلق اقول ليس هدفنا الصراع الثقافي مع بقية الدول انما هدفنا التواصل عبر التأثر والتأثير. شعب واحد ثقافة واحدة ـ ترتبط ارمينيا والثقافة الارمينية بمنظومة الاتحاد هل هناك خطة لتوثيق هذه العلاقة وتطويرها بين عدد كبير من الارمن الذين يعيشون في الدول العربية؟ اي هل هناك خطط لإقامة منظمات مدنية يتواصل بها الارمن مع نظرائهم العرب في هذه البلدان؟ ـ انه سؤال مهم للغاية، اذ تندرج هذه المشكلة في سياق اهم المشاكل التي ندرسها بالدولة لاننا نعالج كيفية إعادة ادراج الثقافة الى ارمن المهجر في الدول العربية. والمشكلة نطرحها منذ عام 1915 عندما ارتكبت المذابح وهُجر الارمن الى دول عديدة احتضنتهم وانصهروا بها وحصلوا على جنسيتها، فالمشكلة الحقيقية تكمن في ان عدد المهجرين عشرة ملايين مقابل 35 ملايين يعيشون في ارمينيا، ونحن نناقش كيفية إعادة الارمن الى داخل الدولة وهذا لم يكن متاحاً تحت ضغط الاتحاد السوفييتي لكن منذ استقلال ارمينيا الى الآن عقد مؤتمران داخل الدولة وخارجها لايجاد حلول بين الطرفين تحت شعار شعب واحد ثقافة واحدة. وادرج في الجدول كيفية تقوية الروابط بينهما ولهذا اسس مركز الشرق الاوسط للشباب في العاصمة «يرفان» ومن اهم نشاطاته انعقاد اول مؤتمر على مستوى الطلبة الدارسين في كبرى جامعات دول العالم مثل جامعة اكسفورد وغيرها. ومنها اسست الجمعية العالمية للشباب الارمن تحت عنوان «بان ارمينيا كيمز» وكان اغلب المشاركين من الدول حيث شاركوا بتسع ألعاب رياضية، وكل سنة ستزداد المشاركة. ان كل ما نقدمه الآن وسنقدمه يعتبر نتيجة طبيعية لاستقلال دولة ارمينيا. حوار: عبير يونس