الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 في قاعة قصيّة من الطابق العلوي لمتحف الشارقة للفنون، حطت القصيدة اللبنانية الليلة قبل الماضية، امام جمع مميز غص به المكان وشمل كتّاباً ومتذوقين للشعر من أجيال مختلفة. ووسط اجواء من المهابة تليق بحضور الشعر وبهائه، توزع خلف المنصة الشعراء: حسن عبدالله وشوقي بزيع ورنيم ضاهر يتوسطهم مقدم الأمسية الشاعر أحمد فرحات الذي تلا على مسامع الحضور ما يشبه القراءات المعمقة في قصائد الضيوف القادمين من لبنان ليمنحوا أيامه الثقافية في الشارقة مساحة من كلام عذب وشعر مصفّى. ابتداءً ، وقف حسن عبدالله الذي عاد الى أمسيات الشعر بعد انكفاء طويل قارب العشرين عاماً تفرغ خلالها لمحاكاة الاطفال بقصصه وأشعاره البديعة. وقرأ صاحب «الدردارة» و«أذكر انني أحببت» قصائد من ديوانه «راعي الضباب» تنوعت في مشاغلها بين الالتصاق بالارض والهم الوطني لتتجاوزهما الى المستويين الخاص الفردي والعام الإنساني، وبلغة شعرية عالية وجريئة في تعرية الذات وتشريحها والسخرية من بؤسها، وبموازاة مرارة الحدث اليومي وأحداثه وشخوصه، انتقل بنا عبدالله الى «شمس الخيام» التي يجدد فيها حبه وحنينه الى بلدته الجنوبية. «الخيام» قبيل تحريرها من الاحتلال الاسرائيلي ليحملنا بعدها نحو مناخات العشق المنكسرة عبر «لقاء في يوم بارد»، فالى عوالمه الفلسفية الزاخرة بالحكمة من خلال قصيدته «الأفكار» جاعلا لهذه المفردة وجوهها المختلفة، ثم تتوالى بعدها قصائد عبدالله من خلال صوته المعتق الخفيض، فقرأ «الطبيب الكبير» تلتها «وحشة» و«يا للسماء» ليختتم بقصيدة من اعذب شعره في تجربته مع أدب الاطفال بعنوان «وهم من أوهام الربيع». ثم تقدمت نحو المنبر رنيم ضاهر الحائزة على ذهبية الشعر في برنامج «ستوديو الفن»، فقرأت قصيدة باللهجة المحكية اللبنانية بعنوان «زوبعة قنديل» لتواصل بعدها بالفصحى فتقرأ «واحة كأس». و «صوت» مبشرة بصوت انثوي جديد في الساحة الشعرية اللبنانية. أما ختام الامسية فكان مع شوقي بزيع الذي بدأ بكلمات حب الى الشارقة وأهلها كاسراً عبر أسلوبه المعتاد الحواجز مع جمهور الشعر ومقرباً المسافة بين الشاعر والمتلقي، وتلا بزيع عدداً من القصائد احتضن معظمها ديوانه الجديد «سراب المثنى» ثم «تهيؤات عمر بن أبي ربيعة» ليقرأ بعدها «الاربعون» التي أهداها بابتسامة لا تخلو من ود ومحبة وتكتنفها الطرافة الى عبدالله العويس (مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة). وانتقل شوقي بزيع الى ذكرياته في بلدته الجنوبية الوادعة فقرأ قصيدة «تعديل طفيف» التي يتحدث فيها عن راع سبعيني ظل متشبثاً بأرضه وقطيعه الى ان سقط شهيداً بقذائف الاحتلال الاسرائيلي، ليختتم قراءاته والأمسية بقصيدة «فجوة الشقاء». وبين قديمه الآتي من عوالم الطفولة والقرى وجديده الذي ينضح بسحر اللغة ولغز الأنوثة أظهر شوقي بزيع رغبته وحرصه الأكيدين على تجديد قصيدته وضخها بعوالم ومفردات جديدة، وإن أبدى تمسكه بانشاديته التي تنأى عن الخطابية وتقترب أكثر من الغنائية الجميلة التي طالما ميّزت شعره. كتب ـ اسماعيل حيدر: