الجمعة 9 شوال 1423 هـ الموافق 13 ديسمبر 2002 غمر شروق الشمس في خليج كيالاكيكوا على جزيرة هاواي الكبيرة الوادي الساحلي السحيق بوهج رقيق، وسطعت اشعة الشمس على قارب الكانو الهاوايي ذي الهيكل المزدوج الراسي في الخليج، ولامس الفجر رأس كاوالو على طرف البحر حيث تعرض الكابتن كوك للضرب بالهراوات والطعن حتى الموت من قبل اشخاص ناقمين في هاواي في عام 1779. يلقي النصب التذكاري المكرس لكوك بظلال طويلة على المكان وهو يحدد البقعة التي اقتحم منها الغرباء التاريخ الهاوايي، فيما يعتبر بنظر معظم ابناء هاوايي اخطر اعتداء على ثقافة ازدهرت على امتداد اكثر من ألف عام. لقد تزامن شروق الشمس الجميل هذا مع اصوات الترانيم التقليدية الصادرة عن مجموعة من طلاب المدارس الثانوية يمثلون جميع الفئات العرقية في الجزيرة، وفي الواقع ان هؤلاء الطلاب كانوا في رحلة تعليمية بحرية تستغرق اسبوعا يتعلمون فيها القيم والملاحة التقليدية في هاواي، ويشرف عليهم في هذه الرحلة كلا بيرتلمان، وهو بحار معروف ومتمرس في العديد من رحلات العبور للمحيط الهادي في قوارب الكانو التقليدية في هاواي. تقول كلمات الترنيمة التقليدية «استيقظ! انهض! الشمس تشرق من الشرق، وتبرز من المحيط، من الاعماق العظيمة للمحيط» وتؤدى هذه الترنيمة والاشخاص واقفون وايديهم ممدودة الى الامام باتجاه الشمس. منذ بداية العشرنات من القرن التاسع عشر، وبعد وصول البعثات التبشيرية الاولى من «نيو انجلاند» بوقت قصير، تجسد القمع الثقافي بفرض حظر على الـ «هولا» التي اعتبرت برقصها وغنائها الذي يمجد آلهة هاواي ـ ومن بينها كين الخالق، ولونو اله المحاصيل وكيو، اله الحرب حسب اعتقاد ابناء هذه الجزر اعتبرت امورا يجب حظرها من قبل المبشرين الغربيين ولكن «الهولا» كانت تمثل قلب الثقافة الخاصة بهاواي، فهي شكل فني يعيد سرد التاريخ واساطير الوجود المتعلقة بالجزيرة، وفي وقت لاحق تم حظر اللغة الخاصة بأبناء هاواي ايضا. وما أن حصلت الجزيرة على مكانة الولاية في عام 1959 حتى كانت الثقافة قد تآكلت بشكل خطير، وكان العديد من ابناء هواي يشعرون بالغضب من جراء متطلب قديم باثبات ان لديهم 50% على الاقل من الدم هاوايي باعتباره مؤهلا للحصول على منح من الاراضي، مما قاد الى حدوث اهتياج لصالح تقديم الارض لجميع السكان الاصليين بصرف النظر عن مدى مالديهم من دم هاوايي، وفي الولاية الجديدة استمر حظر استخدام اللغة في المدارس وتم افساد اخلاق الناس وتهميشهم من خلال معدلات الجريمة المرتفعة والرعاية الصحية السيئة. لم يفقد ابناء هاواي صوتهم في القرنين اللذين تليا قدوم البعثات التبشيرية الى الجزيرة، ولكن لم يبدأ الناس سوى في العقدين الماضيين بايلاء الاهتمام بهم، واليوم تعتبر عبارة «نصف هاوايي» عبارة تنم عن الازدراء ومن بين 12 مليون يقطنون الجزر الان، هناك 250 الفا فقط يعرفون انفسهم على انهم «سكان هاواي الاصليين» بالكامل او بالاشتراك مع جماعة عرقية اخرى. تعتبر ترانيم هاواي، صوت الباسيفيك النقي من اكثر الاصوات الساحرة والمثيرة للعواطف في العالم فهي تعد صلاة في جانب منها واعلان دراماتيكي في الجانب الاخر، ومن خلال انشاد هذه الترانيم، يحظى الاشخاص بمباركة من «الكوبونا» المحلي، وهي كلمة تعني الجد وحرفيا «البروز من المصدر» اي مصدر المعرفة التقليدية. يعتبر خليج كيالاكيكوا، الذي يعني «ممر الآلهة» مكانا مقدسا لدى ابناء هاواي الاصليين، ولهذا فانهم يرفضون تدنيسة بأي شكل كان، ويبذلون جهودا كبيرة للمحافظة عليه في وجه شركات التطوير التي ابدت رغبتها في اقامة منتجع فخم وملاعب للجولف في المنطقة. بعد انتهاء الترانيم المخصصة للآلهة، يقوم الاشخاص بوداع بعضهم البعض على الطريقة التقليدية في هاواي، وهي ان تتلامس الجباه والانوف مع اخذ نفس عميق. يعتبر شعب هاواي من الشعوب المرتبطة بالارض بشكل وثيق، ولكن الثقافة الغربية والزوار الاجانب عملوا على تشويه هذه الحقيقة، وصوروا ابناء هاواي على انهم متخلفون وطقوسهم التقليدية على انها طقوس للعربدة. غير ان الزائر المحترم لتقاليد البلاد يمكنه ان يرى الامور على حقيقتها فباستطاعته ان يشاهد عروض «الهولا» الحقيقية واذا كان محظوظا فيمكنه ان يسمع اثنين من ابناء هاواي يتكلمان بلغة هاواي الاصلية المرتبطة بلغتي الماوري والتاهيتية، وهي جزء من عائلة اللغات البولينيزية الكبيرة. ومن العادات والتقاليد الغربية لديهم ان الشخص لا يمكنه ان يزور شخصا آخر بدون موعد او خالي الوفاض، اي بدون هدية من اي نوع واذا ما فعل ذلك، فانه يتعرض للتجاهل التام. والخلاصة التي يتوصل اليها المرء حول الثقافة الخاصة بهاواي هي ان جوهر تلك الثقافة ليس الموسيقى او اللهو، وانما الوقار الشديد ومناجاة الآلهة في بروتوكولات معقدة من الترانيم والصلوات، فبهذه الطريقة، يعلن ابناء هاواي ارتباطهم القوي بالارض ويعززون ذلك الارتباط. ضرار عمير