الجمعة 9 شوال 1423 هـ الموافق 13 ديسمبر 2002 ما لا يعرفه الكثيرون أن النوم الجيد.. عنوان التحضر، والعكس غير صحيح بالطبع.. لكن أحدث الدراسات تؤكد نتائجها أن هناك علاقة طردية بين الارتقاء في أسلوب المعيشة وبين النوم الأهدأ والأكثر صحة واستغراقا. بمعنى آخر كلما أجاد الإنسان النوم كلما تقدم وازدهرت حياته وأصبحت أكثر سعادة. هذا ما تؤكده الدكتورة شهيرة لوزا المتخصصة في اضطرابات النوم. تقول : نحن نخلط بين اليقظة والنوم ونتبادل أوقاتهما أحيانا ونجعل أحدهما يجور على الآخر في بعض الأحيان.. باختصار نحن لا نحترم النوم ولا نعطي له ما يستحقه. ـ هل هذا يعني أننا شعوب لا تعرف كيف تنام جيدا؟ ـ لا توجد ثقافة للنوم عند العرب. ويكاد يكون هذا الموضوع مجهولا بالنسبة لهم، رغم أهميته القصوى. وفي الدول الغربية يجرون الأبحاث ويعقدون حلقات البحث والنقاش منذ أكثر من 30 عاما، واكتشفوا مبكرا أن هناك علاقة وثيقة بين النوم الجيد وجودة الاداء الذي ينعكس على الانتاج. فمثل هذه الأبحاث لا تهتم بها الدول العربية ولا تعطيها ما تستحقه. لذلك نجد أنه على مستوى الأفراد والجماعات العربية ليس لدينا هذا الاحترام العميق للنوم في أوقاته المحددة. فنجد ظواهر النوم خارج المكان الطبيعي للنوم مثل النوم أثناء العمل أو أثناء القيادة، والنوم في المواصلات العامة. كل ذلك يسبب خطورة بالطبع وناتج عن نقص الوعي بأهمية النوم والاستهتار به. ـ ما النوم الصحي؟ ـ هو النوم الذي تتخلله المراحل الخمس المعروفة للنوم والتي تتوالى شيئا فشيئا حتى تصل الى درجة الاستغراق العميق وفيها المرحلتان الأولى والثاني التي يتم فيهما الانتقال من حالة اليقظة الى حالة التهيؤ للنوم، بينما المرحلتان الثالثة والرابعة هما بداية الاستغراق في النوم العميق. وفي هاتين المرحلتين يكون اداء المخ بطيئا. وهما الأكثر أهمية في كل مراحل النوم لأن الانسان اذا مر بهما كما ينبغي يستيقظ نشطا آخذا كفايته من النوم. أما المرحلة الخامسة فهي مرحلة الحركة السريعة للعين، وتكون عضلات الجسم في حالة استرخاء تام. وهي المرحلة التي تتوارد فيها الأحلام. ـ ما آلية النوم؟ ـ هناك خلايا تسمى فوق التصالب البصري مسئولة عن التغيرات الفسيولوجية للجسم التي تطرأ خلال 24 ساعة ومنها النوم والاستيقاظ. وأي تغيير مفاجئ للنوم يؤثر في اداء هذه الخلايا. هناك غدد تنشط أثناء النوم الطبيعي لافراز هرمون «الميلاتونين» الذي لا يفرز إلا أثناء النوم، وهرمون بناء الجسم أيضا الذي لا يفرز إلا أثناء النوم. ـ وهل يختلف النوم من إنسان الى آخر؟ ـ الأطفال خصوصا الرضع ينامون أسرع ويستغرق نومهم فترات أطول تصل الى 20 ساعة يوميا. ومراحل النوم الخمس غير مرتبة عند الأطفال كما هي عند البالغين.. فالطفل قد يبدأ نومه بالمرحلة الثالثة أو الرابعة وليس الأولى. ـ هل صحيح أن النوم معيار للحضارة والتخلف؟ ـ هناك علاقة طردية. كلما تقدم الانسان وارتقى كان نومه أهدأ وأكثر صحة تسمع بالطبع عن أن الانسان في الغرب يوفر كل الظروف المناسبة لنوم هادئ. لا يسكنون هناك وسط المدن المزدحمة ذات الضوضاء العالية، وإنما يفضلون السكن في الأحياء المترامية البعيدة عن الضوضاء. ولك أن تتخيل أنه في دولة مثل الولايات المتحدة غير مسموح لأحد مهما كان من الجيران أن يطلق صوت بوق السيارة ليلا والناس نيام، ولا أن يصدر أي ازعاج مهما تكن الظروف. بل أن أفراد الأسرة الواحدة الذين يعيشون داخل منزل واحد لا يستطيع الواحد منهم الخروج من غرفته بعد الساعة العاشرة مساء ليذهب الى الحمام مثلا أو ليشرب. ـ كيف ننعم بنوم صحي هاديء؟ ـ أولا لابد من احترام مواعيد النوم. فنذهب الى الفراش في ميعاد ثابت لضبط الساعة البيولوجية للجسم. ثانيا أن تكون غرفة النوم مخصصة للنوم فقط ولا شيء سواه، لا ينبغي مثلا مشاهدة التلفزيون حتى يأتينا النوم أو القراءة أو ممارسة أي من هذه الطقوس التي نتبعها في حياتنا اليومية. ثالثا الابتعاد عن المكيفات والمنبهات قبل ساعتين أو ثلاث من موعد النوم فلا نحتسي الشاي أو القهوة، ولا ندخن سجائر ولا نأكل شوكولاته. كذلك ينبغي الابتعاد عن وسائل جلب النوم صناعيا مثل تناول الأقراص المنومة. رابعا الوعي بأهمية النوم وضرورته القصوى، واذا شعر الانسان بأنه لا ينام جيدا فعليه استشارة الطبيب. ـ وهل هناك ظروف خارجية ينبغي توفيرها للاستمتاع بالنوم؟ ـ يجب التهيؤ للنوم طبعا بتخفيض الاضاءة. وهناك عبارة شائعة نقولها «هي ناموسيتك كحلي» ثبت علميا أنها صحيحة، لأن أكثر ما يسبب الاستيقاظ وصعوبة النوم هو الضوء والستائر داكنة الألوان تمنع الضوء تماما من النفاذ للغرفة وتساعد بالتالي على النوم العميق. ـ هل هناك أوقات مفضلة للنوم؟ ـ النوم أكبر عدد ممكن من ساعات الليل صحيحا للغاية. وذلك أفضل من النوم في ساعة متأخرة، حتى لو كثرت عدد ساعات النوم. هناك أوقات مقاومة النوم فيها صعبة جدا تحديدا الفترة من 3 الى 5 صباحا. وقد وجدوا أن هناك حوادث مدمرة تقع في هذا الوقت بالذات من الليل بسبب غلبة النوم. ـ ما رأيك فيما يسمى «بنوم القيلولة»؟ ـ أكدت الدراسات أنه مفيد للجسم وأن الانسان عموما يحتاج الى الخلود للراحة فعلا في الفترة من الساعة الثانية الى الساعة الرابعة بعد الظهر. وأحدث النتائج البحثية تؤكد أيضا أن نوم القيلولة يزيد من كفاءة الجهاز المناعي في جسم الانسان. ـ ما الآثار المترتبة على عدم اتباع القواعد الصحيحة للنوم؟ ـ مشكلات عضوية ونفسية كثيرة تحدث اذا لم يلتزم الانسان بتحقيق خصائص وشروط النوم من حيث الكم والكيف والوقت. من الناحية العضوية تحدث مشكلات في التنفس أثناء النوم يصحبها أحيانا ارتفاع أو انخفاض في ضغط الدم. وأمراض التنفس كثيرة تبدأ بالشخير الذي من الممكن أن يكون عرضا لمرض وممكن أن يكون شخيرا حميدا ينتج عن ارهاق العمل طوال النهار، وهناك الاصابة بانقطاع التنفس أثناء النوم. ومن الأمراض الأخرى اضطراب دقات القلب والنوبات المتكررة التي تصاحب النائم. وعلى الجانب النفسي، يكون الانسان عرضة للاصابة بمرض الاكتئاب أو الأرق. والأرق يعد 90% منه حالة نفسية، و10% مشكلات أخرى. وهو ليس مرضا لكنه عرض نبحث عن أسبابه. ومن الآثار المترتبة على قلة النوم الطبيعي العصبية الزائدة أثناء النهار وعدم التركيز. القاهرة ـ ياسر عجلان: