الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 قبيل الفجر من يوم الثاني من اغسطس عام 1943 فوجيء اللفتنانت جون. اف كيندي البالغ من العمر 26 عاماً وطاقمه على متن زورقهم الصغير «بي. تي 109»، برؤية شكل هائل يظهر لهم في ليلة ظلماء في جزر سولومون وبعد ثوان اتضح ان ذلك الشكل ما هو إلا المدمرة اليابانية السريعة «أما جيري» وقبل ان يتمكن البحارة الاميركيون من تجنبها، اصطدمت السفينة بقوة بالزورق الصغير مشعلة كرة من اللهب بفعل البنزين الغني بالاوكتين، واسفر الاصطدام عن مقتل اميركيين واجبر الباقين وهم 11 شخصاً، من بينهم كيندي على السباحة طلباً للنجاة بأرواحهم. وسرعان ما اصبحت القصة المتعلقة بكيفية بقاء رجال كيندي على قيد الحياة ـ وانقاذهم فيما بعد من جزيرة صغيرة ـ اسطورة في التاريخ الاميركي. وفي حملة الانتخابات الرئيسي لعام 1960، ساعدت قصة بطولة جون. إف. كيندي في جنوب المحيط الهادي في اقناع الاميركيين بالتصويت للزعيم الشاب الذي يتمتع بشخصية كارزمية. غير ان احد العناصر الاساسية في الاحداث التي وقعت تلك الليلة المصيرية بدا وكأنه قد ضاع الى الابد، حيث يعتقد ان الزورق انقسم الى شطرين الخلفي منهما غرق على الفور بينما طفا الشطر الامامي لنصف يوم آخر أو اكثر قبل ان يختفي. لم تكن حياة جاك كيندي المبكرة تشير بالضرورة الى بطولة بحرية فقد ترعرع على البحر في أماكن مثل ميناء هيانيس بماساشوسيتس وتعلم الابحار في سن مبكرة. ولكنه شأن تيدي روزفلت الشاب، عانى من امراض متعاقبة وكان بامكانه ان يختار طريقاً اسهل في الحياة، فبعد تخرجه من الجامعة. قام بنشر كتابه الاول بعنوان «لماذا نامت انجلترا؟» وحظي بآراء جيدة من النقاد. وكان والده جوزيف كيندي السفير السابق لدى بريطانيا العظمى، ثرياً وذا صلات سياسية جيدة وكان بمقدوره ان يفتح جميع الابواب المغلقة امامه. ولكن ما ان بدت الحرب محتملة حتى أراد كيندي ان يشارك في القتال. وفي ابريل من عام 1943 تولى القيادة في تولاغي قبالة غوادلكنال في جزر سليمان. وكان الزورق الذي يخدم عليه «بي. تي 1098» معطوباً بفعل الحرب والمناخ الاستوائي، ولكنه عمل مع طاقمه على اعادته الى حالته القتالية. وعلى الرغم من ان الزوارق من نوع «بي. تي» كانت سريعة ومثيرة، إلا ان البعض اعتبرها محفوفة بالمخاطر لان هياكلها غير مدرعة ومحملة بوقود طائرات سريع الانفجار. ولم تحتوى على الرادار سوى اربعة زوارق من اصل 15 زورقاً انطلقت في الاول من اغسطس عام 1943. وفي مساء ذلك اليوم افاد مفككو الشيفرة الاميركيون بأن اليابانيين سيحاولون تموين قواتهم في المنطقة من خلال «طوكيو اكسبرس» وهي قافلة من المدمرات السريعة والخطيرة تزحف باتجاه الجنوب من القاعدة اليابانية الضخمة في رابول في نيوبريتان. وقد تم ارسال الزورق «بي. تي 109» وزوارق الطوربيد الاخرى من قاعدتها في ميناء رندوفا لمضايقة شحنات التموين الحاسمة هذه والاصطدام معها في مضيق بلاكيت قبالة كولمبنجارا. وعند منتصف الليل، مرت القافلة بالقرب من الزوارق الاميركية التي قام عدد منها باطلاق طوربيداتها على القافلة المسرعة. واصلت القافلة التي لم ترتدع بالقصف، سيرها الى فيلا على الساحل الجنوبي لجزيرة كولمنجارا وافرغت اكثر من 70 طناً من الامدادات ومئات الجنود في وقت قياسي. قبل ان تصدر الاوامر لها بالعودة الى رابول. وحوالي الساعة الثانية والنصف من بعد منتصف الليل رأت نقطة المراقبة على متن زورق كيندي سفينة تظهر وسط الظلام الدامس وتتحدد ملامحها بفعل الاضاءة المنبعثة من الفسفور على مقدمتها. لم يكن امام كيندي ورجاله سوى ثوان لكي يتصرفوا كان كيندي يريد ان يطلق الطوربيدات التي لديه ولكنه لم يستطع جعل الزورق يستجيب بالسرعة الكافية. وقبل ان يتمكنوا من اتخاذ الوضعية المناسبة، كانت السفينة الكبيرة قد اجتاحتهم. ادت قوة الاصطدام الى مقتل اميركيين، بينما اضطر الاشخاص الباقون الى السباحة خوفا من الوقوع في اسر اليابانيين سبحوا اربع ساعات في البحر قبل ان يصلوا الى جزيرة بلوم بودنغ التي سميت فيما بعد جزيرة كيندي وقبيل الفجر، سبح كيندي باتجاه الجنوب الشرقي عبر مضيق بلاكيت وصولاً الى ممر فيرغوسن في محاولة فاشلة للتلويح لزورق اميركي. وبسبب انعدام الطعام على الجزيرة الصغيرة قام الناجون بالسباحة الى جزيرة اولاسانا في الرابع من اغسطس وفي اليوم التالي سبح كيندي وجورج روس الى جزيرة نارو حيث وجدا صندوقاً من الحلوى حملته الامواج الى الشاطيء وحاوية مليئة بمياه الامطار. وفي تلك الليلة اتصل اثنان من سكان جزر سليمان يعملان كمستكشفين لصالح قوات الحلفاء ومن بينهم شبكة من خفر السواحل الاستراليين المتخذين مواقع لهم حول الجزر ـ اتصلا بالطاقم الموجود على جزيرة اولاسانا. ثم اعطاهم كيندي رسالة منحوتة على حبة من جوز الهند حملوها معهم لمسافة 38 ميلاً بالقارب الى قاعدة بحرية في ميناء رندوفا. وفي ساعات الصباح الباكر من يوم الثامن من اغسطس وصل احد الزوارق الى جزيرة اولاسانا لانقاذ الناجين. والآن بعد مرور حوالي 60 عاماً على الحادث قام فريق اميركي بالبحث عن حطام الزورق في مياه المحيط بالقرب من جزر سولومون وكان هذا الجهد مدعوماً من قبل ماكس كيندي ابن روبرت كيندي شقيق جون اف كيندي وبعد خمسة ايام من العناء والصبر والمثابرة، تمكن الفريق من التقاط صور بالفيديو بواسطة مركبات غير مأهولة لحطام الزورق الذي كان يقل كيندي ورفاقه في تلك اللحظة الحاسمة. وفي نهاية المهمة قدم ماكس كيندي هدايا وتبرعات من عائلة كيندي للرجلين اللذين ساعدا في انقاذ من اصبح فيما بعد أبرز الرؤساء في التاريخ الاميركي. ضرار عمير