الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 كان ذوبان طبقة الجليد في غرينلاندا حادا في يونيو الماضي إلى حد أن الباحث الميداني كونراد استيفن تساءل إن كان سيستطيع مغادرة القطب الشمالي. وقال استيفان الذي يعمل خبيرا في شئون المناخ بجامعة كولورادو الأميركية: «لقد ذهبنا هناك على متن طائرة مثبتة الجناح تهبط على مزلجتين، ومع ذوبان الثلج فإننا لم نستطع المغادرة، ولذلك فقد استعنا بطائرة مروحية». وكانت حرارة صيف غرينلاندا الماضي جزءا من رقم قياسي في ذوبان جليد القطب الشمالي أعلن عن وقوعه الدكتور استيفن وعلماء آخرون أثناء مؤتمر عقده الأسبوع الماضي (الاتحاد الجيوفيزيائي الأميركي). وحسب العلماء فإن نسبة الذوبان التي وقعت في سطح غرينلاندا تعد الأعلى في التاريخ، إذ بلغت إلى مناطق كانت بمنأى عن الذوبان، في حين وصل حجم جليد المحيط المتجمد إلى أدنى مستوياته. وبينما يبدو ان بعض هذا الذوبان ناجم عن تقلبات مناخية، فإن الفعل الإنساني لا يمكن استبعاده، حسب العلماء. وقال لاري هنتسمان من جامعة آلاسكا إن ذوبان الطبقة الجليدية لغرينلاندا والبحر المحيط بها، إضافة إلى اختفاء الغطاء النباتي الشمالي وتزايد جريان المياه العذبة كلها أمور تشكل «دليلا على أن شيئا ما يحدث». وأظهرت قياسات لطبقة الجليد في غرينلاندا التقطتها مجسات قمر اصطناعي أن 685 ألف كيلومتر من المساحات قد تراجع الجليد عنها، وهو ما شكل أكثر من ضعف الكميات الذائبة في عام 1992. ويؤدي هذا الذوبان إلى مزيد من فقدان الجليد. كما ينجم عن ارتفاع ثقل المياه ضغط على الطبقة الجليدية في الوقت الذي تتسرب فيه المياه عبر التصدعات إلى أسفل. وتؤدي هذه الأمور مجتمعة إلى تسريع تدفق الجليد نحو البحر. ويعزو الدكتور استفين تزايد مدى الذوبان إلى نظام ضغط منخفض غير مألوف «جاء في وقت مبكر وبقي لمدة أطول» في الجزيرة، مما تسبب في ارتفاع درجات الحرارة في الوقت غير المعهود. وقال مارك سيريز، وهو باحث في المركز القومي الأميركي للبيانات حول الثلوج والجليد، في بولدر بولاية كولورادو، إن نظام الضغط الجوي المنخفض احد خصائص الاحتكاك القطبي الشمالي. ويضيف أن هذا الاحتكاك ـ وهو عبارة عن رجات تقع في البحر وتتسبب في ارتفاع درجات الحرارة ـ مسئول عن حالة ذوبان كبير وقع في البحر المتجمد الشمالي العام الماضي. وحسب إحصاءات أجراها سيريز فإن ارتفاع الحرارة سبب حوالي عشرين في المئة مما فقده البحر المتجمد الشمالي من جليد منذ عام 1978. لكنه أشار إلى أن التقلبات الطبيعية ليست المسئولة الوحيدة عن ارتفاع درجات الحرارة. وقال سيريز إن «الارتجاجات القطبية الشمالية ليست التفسير الوحيد لكل ما يقع». وأشار إلى أنه من الصعوبة بمكان الحسم في ما يتعلق بحصة البشر في هذه التغيرات، مضيفا أن الارتجاجات القطبية الشمالية نفسها تخضع للتأثير البشري. وقال إن الثقب الحاصل في طبقة الأوزون يزيد من حدة التغيرات الطارئة على هذا النظام، ذلك أن احترار الطبقات الجوية العليا يؤدي إلى تغيير أنظمة حركة الرياح والمحيط. وقال الدكتور سيريز إن التغييرات الحاصلة في نطاق حركة الرياح الشتوية قد أدى لانهيار الجليد الطافي على البحر، مما خلق تصدعات تشكل ما يشبه طرقات مدينة البندقية المغمورة في إيطاليا. وأضاف أن التصدعات تجعل الجليد يمتص كميات من الحرارة أكبر من المعتاد. وأشار إلى أن ذلك أسفر عن ذوبان مبكر في فصل الربيع، الامر الذي جعل الجليد هشا أمام ضغط درجات الحرارة العليا في الصيف. وبرأي لاري هنتسمان الباحث في جامعة آلاسكا في فيربانكس فإن فقدان المحيط القطبي الشمالي المتجمد لجليده يشكل «خبرا على جانب كبير من الاهمية». وقال إن «البحر القطبي الشمالي له وظيفة مهمة في تلطيف التوازن الكوني للطاقة»، حيث يعكس نسبة 80% من الإشعاعات الشمسية. وأضاف أن «جليد البحر ينتقل من عكس نسبة 20% من أشعة الشمس إلى امتصاص 80%»، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة تعد الأعلى في التاريخ.