الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 بعض الأميركيين في الساحل الشرقي للولايات المتحدة لديهم القدرة على رؤية ما يحدث في الساحل الغربي المقابل. برودنس كالابريس هي واحدة منهم، فهذه المرأة البالغة من العمر 36 عاما تدير شركة فريدة من نوعها اسمها «ترانس دايمنشنال سيستمز». ورغم ان مقر الشركة في كاليفورنيا الا انه بفضل موهبتها في الرؤية عن بعد فإنها ترى مدينة نيويورك وتنظر تحديداً إلى بناء كبير دائري معظمه واقع تحت الارض وله مصعد على هيئة صندوق يحمل أناساً ويتجه بهم للأسفل. تخرج فتاة أو امرأة من المصعد وعلامات الهلع بادية على وجهها وتركض وكأن امامها مهمة ملحة وتبدو وكأنها قلقة من شيء ما، وينبغي ان تصل بسرعة إلى مكان ما، تتعثر وتسقط وتنهض ثانية سريعاً. انها مسألة حياة او موت وتتعلق على الارجح بعمل ارهابي ربما يكون هجوماً كيميائياً او بيولوجياً له صلة بمساحة كبيرة من الماء. هذا هو المستقبل الذي تراه برودنس دون ان نعلم اذا ما كانت المرأة التي تركض هي الضحية البريئة ام المجرمة الشريرة او نجزم اذا ما كان هذا الامر سيقع في نيويورك ام لا وفي اي تاريخ بالتحديد ولكن «برودنس كالابريس» والفريق الذي تترأسه متيقنون بأنه سيحدث. وهي تقول بأنه يتعلق بالهجمة المقبلة على نيويورك. تقول ذلك وهي تمعن النظر في دزينة من الاوراق البيضاء «المشخبطة» التي بنت عليها تنبؤها الذي تستنتج منه بأنه هجوم ارهابي على موقع امدادات ماء، او مكان به حوض كبير من الماء. وبرودنس وفريقها من جواسيس التنجيم يزعمون انهم من النوع الذي كانت كل من الاستخبارات الروسية والاميركية توظفه اثناء الحرب الباردة. والغريب ان هؤلاء الاشخاص يدعون انهم يستطيعون توسيع قدراتهم للرؤية والشم والتذوق والاحساس بأمور على بعد الآلاف من الاميال، فأذهانهم المدربة إلى حدود كبيرة على الاستشراف بصورة خارقة للطبيعة تسمح لهم كما يزعمون باختراق الجدران والوصول لمعلومات سرية دون ان يكتشفهم احد. كما ان لديهم القدرة للعودة للتاريخ او الذهاب للمستقبل. وبخلاف منجمي الحرب الباردة في اميركا الذين عملوا لبرامج سرية باسماء مشفرة لا تعمل برودنس وفريقها تحت مظلة الحكومة او وكالات الاستخبارات، فشركة ترانس دايمنشنال سيستمز هي واحدة من عدة شركات تجارية تشكلت بهدف خصخصة هذه الحرفة وراجت بعد الكشف رسمياً عن برامج تنجيمية اميركية في العام 1995. ولذلك فبينما تزعم برودنس انها تمرر بصورة منتظمة معلومات لمكتب التحقيقات الفيدرالية: الـ «إف بي أي» تأخذ شركتها ايضاً مشاريع خاصة تتناول مواضع متنوعة بدءاً من تقضي اموال مختلسة إلى التنبؤ بنتائج صفقات تجارية او عمليات اتحاد او اندماج بين بنوك او عدة شركات إلى فحص الجسم البشري لتحري وتشخيص مشاكل صحية. والواقع ان فيلم (تقرير الاقلية) للمخرج سبيلبيرغ المعتمد على رواية كتبت منذ خمسين عاما شبيهة قصته إلى حد ما بما تفعله برودنس وفريقها. حيث يلعب توم كروز في الفيلم دور رئيس مركز شرطة يتلقى معلومات عن جرائم سيتم ارتكابها في المستقبل من منجمين ويقوم باعتقال مرتكبيها «في المستقبل» قبل ان يرتكبوها، تماما مثلما تحاول برودنس وفريقها التنبؤ بهجمات شبكة القاعدة. وهي تقول انها وفريقها يستهدفون اذهان الارهابيين ويرسمون خططهم الشيطانية على الورق املاً في ان يساعد ذلك على ايقافهم. ومظهر برودنس والعاملين معها عادي ولا يختلف عن عن اي مواطن اميركي عادي. ويبدو ان الاستخبارات الاميركية اكتشفت في عقد السبعينيات ان الرؤية عن بعد هي مهارة يمكن تعلمها لأي احد ويقول شي شنكاوا أحد اعضاء الفريق بأنه لا يعتبر الرؤية عن بعد مهارة خاصة ويجد نفسه نموذجاً جيداً للشخص غير الموهوب وكان شي يعمل سابقا في محل للاجهزة الكهربائية وسمع في يوم ما برنامجا اذاعيا تم خلاله اجراء لقاء مع شخص يرى عن بعد اكد ان المهارة قابلة للتعليم فقرر فعل ذلك. جواسيس التنجيم واذا كانت هناك صفة مشتركة تجمع بين جواسيس التنجيم هؤلاء فإنه الاحساس بأن هناك اموراً اخرى وراء هذا الكون لا يراها الشخص العادي وبأن ما نراه في الواقع ليس الا جزءاً ضئيلاً مما هو موجود وهو الشعور الذي يقول المنجم البالغ من العمر 49 عاما انه يضفي على المرء احساسا بالتواضع. وليست هناك كرات بلورية او احشاء خروف يستعين بها هؤلاء المنجمون وإنما قلم وورق فقط والنشاط العقلي وراء او تحت نطاق الوعي. وربما تكون الرؤية عن بعد نتاجا لما يعرف بالحاسة السادسة. فالوسائل المتبناة من قبل هؤلاء المنجمين مستوحاة من اساليب الجيش الاميركي في عقدي السبعينيات والثمانينيات ولذلك فإنهم يتبعون بروتوكولا علميا نفسيا. ومعظم عمليات الرؤية التي يقوم بها هؤلاء الجواسيس تكون «عمياء» بمعنى ان الهدف يوصف في ورقة توضع داخل ظرف مغلق ثم يخصص الجواسيس ثمانية ارقام عشوائية لكل هدف ويبدأون في «الشخبطة» على الورقة الاولى بشكل عشوائي وهذه هي مجرد اداة نفسية او بالاحرى بوابة للحالة النفسية السليمة، والهدف من ذلك هو نمط لموجة المخ «ثيتا» او مرحلة اشبه بالخدار يشجع كلا من الذهن اللاواعي والجسم على افشاء المعلومات الخفية. وهنا فإن الوعي المنطقي يتم ابقاؤه عاطلاً قدر الامكان. واثناء هذا الوقت يتم الاستماع إلى موسيقى معينة من خلال سماعات اذن للمساعدة على الوصول إلى مرحلة النظر عن بعد. وموجات «ثيتا» ذات درجة التردد التي تتراوح بين اربع إلى سبع دورات في الثانية تكون في العادة موجودة اثناء النوم او التأمل النفسي العميق او اثناء الطقوس الشامانية التي يقوم بها كاهن باستخدام السحر لكشف المخبأ وللسيطرة على الاحداث. وعلى الورقة الثانية يبدأ الناظر عن بعد باعادة كتابة الارقام العشوائية ويجعلون يدهم ترسم بعض الشخبطات السريعة بطريقة اوتوماتيكية وتسمى هذه الشخبطات الايديوغرامات وهي اشبه بكتابة تمثل رموزا تبين على مستوى شكلي شيئا مبدئيا حول الهدف او الموضوع المراد الوصول اليه. والايديوغرامات المبدئية توحي او تذكر بنماذج بدائية تمثل افكاراً معينة كجبل مثلاً أو ماء او شخص او شيء او بناء او حركة وذلك بخربشات او خطوط بسيطة وهذه بدورها تخضع بعد ذلك للتدقيق بالقلم او باليد لاستخلاص اية معلومات غامضة وعملية النظر والكتابة تصبح بعد ذلك اكثر تعقيدا بوصف الاحاسيس كتابة وعمل اسكيتشات معقدة وتنتهي بجدول متطور يعرف باسم المصفوفة ويكون مقسما إلى عدة خانات. وهذه العملية على حد قول برودنس تستنزف الذهن وتحرق الكثير من السعرات الحرارية ولذلك فإن من يمارسها يحتاج لأن يكثر من الاكل كي لا ينقص وزنه كما انها تتطلب تركيزاً شديداً وتصيب المرء بالصداع اذا لم يكن معتاداً عليها. والنظر عن بعد هو واحد من مجالات قليلة ينصح فيها بتناول الشوكولاتة والقهوة واللذان يحتويان على الكافايين المنشط للذهن. وعادة ما يعمل الناظر عن بعد مع مراقب او شخص يمسك يده بشكل تجريدي اثناء محاولته رؤية هدف ما ويقدم نصيحة سرية كالقول مثلا: ركز على اكثر الاجزاء الواضحة من الهدف او توجيه اسئلة منطقية مثل: ما نوع المبنى الذي تجد نفسك فيه؟ واحيانا ينظر جميع جواسيس التنجيم العاملون في شركة برودنس في الوقت نفسه إلى هدف واحد ويتطلب الامر الكثير من الجلسات لوضع تقرير رسمي يجيب عن سؤال محدد. أحداث سبتمبر وكانت شركة ترانس دايمنشنال سيستمز أو «تي دي اس» كما يرمز لها قد تنبأت قبل اربعة اعوام ونصف باحداث 11 سبتمبر ومازالت ارشيفات الشركة تضم شخبطات تظهر حادث اصطدام وصراخاً ودخاناً رسم لطائرة تصطدم بناطحة سحاب تجاورها ناطحة سحاب تشبهها شكلاً وهناك تمثيل غير متقن في صدر الصورة لتمثال الحرية وهذا الرسم او الرؤية مؤرخة بتاريخ 10 مارس 1997. وتشرح برودنس انها وضعت الرسم على شبكة الانترنت وكتبت رسالة مفتوحة لمكتب التحقيقات الفيدرالية حذرتهم فيها من ان شيئا خطيرا سيحدث ولكن في ذلك الحين لم يأخذ احد الامر بجدية ومعظم الناس ضحكوا من هذا التحذير وفي 12 سبتمبر 2001 وضعت برودنس امام فريقه هدف اكتشاف الهجمة التالية على الولايات المتحدة وتوصلوا إلى انها ستكون اما بيولوجية كانتشار جرثومة الانثراكس وعرفوا ان مرتكبيها لن يكونوا من الشرق الاوسط بل من الداخل او بالاحرى شخص اميركي له صلة بالجيش. في تلك المرحلة بدأت الإف بي آي تأخذ الشركة بجدية اكبر حتى انها لجأت للشركة للتحقق من مدى متانة الجدار الحاجز لنهر هدسون، فبعد انهيار برج التجارة العالمي كان هناك قلق من احتمال تعرض الجدار لتلف نتيجة عمليات التنظيف في موقع الحادث ما يمكن ان يغرق جنوب مانهاتن في حال فيضان النهر لكن الشركة نظرت في الامر ووجدت انه لم يتأثر او يتسبب بمشاكل. وكونها تحيط نفسها بسرية تامة فإن وكالات الاستخبارات الاميركية ترفض تأكيد او نفي استخدامها لمعلومات من شركة ترانس دايمنشنال سيستمز او غيرها من المنجمين. كما ان برودنس غير قادرة على كشف اسماء المسئولين الحكوميين الذين يتعاملون معها. ويزعم العاملون في الشركة انهم لا يزورون فحسب المستقبل بل انهم يغيرون منه ويوضح مايك احد العاملين بالشركة بانه عندما يتم تحذير الإف بي أي او المسئولين عن الامن فإن اجراءات الامن تشدد وعندما يتم اعادة زيارة الحدث فإن تأثيرات ذلك تنعكس على الحدث ويمكن رؤية ذلك بشكل لم يكن موجودا من قبل. وتقول برودنس ان تفسيرات المسلمين لعملية الرؤية عن بعد على حسب موقع مجاهدين على شبكة الانترنت يرجع الامر لقوى شيطانية او للتعامل مع الجن الذين لديهم قدرة غير عادية على الحركة والتنقل. والتحدي او الهدف الذي تسعى الآن برودنس وفريقها لاكتشافه هو مكان اسامة بن لادن وتقول انهم فعلوا ذلك كنوع من الفضول ولا يعتزمون ارسال تقرير رسمي عن مكان اختبائه لانه قد يستخدم لالقاء قنابل وهو الامر الذي يرفضه بعض العاملين في الشركة لا لأنهم يتعاطفون مع الارهابيين ولكن لاسباب انسانية على حد قولها. بيد انها تقول بأنها وفريقها يعلمون جيدا اين هو موجود حاليا ومتأكدون بانه على قيد الحياة رغم ان صحته عليلة ولكنه في الوقت الحالي ليس قريباً على حد قولها من الموت. وكانت شركة اخرى للرؤية عن بعد اسمها «ساي تيك» ومقرها سياتل اكثر تعاونا في هذا الجانب ففي 22 فبراير ذكر رئيسها جوني دوريف بأنه وفريقه نظروا إلى موقع اسامة الحالي واكتشفوا انه على قيد الحياة ولكن المدهش هو انهم رأوه اسيراً ومصاباً ويفضل ان يموت ويصبح شهيداً من اجل قضيته. لكن مختطفيه يفضلون الابقاء عليه حياً. وبعد اسبوع لاحق اعلنت شركة ساي تيك ان اسامة موجود في بنجلاديش لان احد العاملين في الشركة تلقى الوان علم بنجلاديش ورسم آخرون معالم معروفة في هذا البلد. وفي منتصف شهر اغسطس وجد منجمو الشركة في غضون اسابيع من تعرضه للاسر، ثم انتقل إلى احد الملاجيء التي لا يزال مختبئاً فيها إلى الآن. ويبدو ان زعيم شبكة القاعدة تعرض للاسر من قبل افراد عصابة وانهم اطلقوا سراحه بعد ان تم التفاوض معهم مقابل فدية. وقد قامت الشركة بايصال هذه المعلومات للحكومة الاميركية لكن لا يعرف ان كانت الاخيرة اتخذت اي تصرف بشأن ذلك. ابتسام أحمد