الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 تعمل التيبتية يونغ مو راعية لقطيع من ثيران القوتاش (وهي ثيران ضخمة طويلة الصوف) وفي الصيف تعيش مع احد ابنائها على ارتفاع يصل الى 4800 متر في المنحدرات الشرقية لجبل ايفرست، وهما يشتركان في خيمة محاكة من صوف القوتاش ولديهما قليل من المتاع بالاضافة الى سخان صغير للحفاظ على سخونة شايهما المالح وصورة للدالاي لاما. الحياة في الجبال قاسية، ولكن من المفاجيء كم عدد الاشخاص الذين يجعلون بيوتهم هناك، فعلى نطاق العالم هناك حوالي 140 مليون انسان يعيشون على ارتفاع يزيد على 2500 متر وهذا الرقم مرشح للزيادة مع تنامي اعداد السكان المقيمين وانتقال المزيد من الناس للسكن في المناطق الجبلية. ان قدرتنا على البقاء على قيد الحياة في هذه البيئة القاسية لهي دليل على التكيف لدى الانسان وعلى الرغم من تطورنا في سهول افريقيا الا اننا نملك سعة الحيلة التي تمكننا من التعامل مع معظم التحديات التي تفرضها الحياة في المرتفعات والعبقرية الانسانية تتيح لنا ان نتغلب على الزيادة او النقصان المفرط في درجة الحرارة وعلى وجود ندرة طبيعية في الموارد مثل الحطب والغذاء وعلى التعرض للاشعاع الشمسي المدمّر. ولكن في الاماكن المرتفعة هناك تحد يقزم جميع التحديات الاخرى: ألا وهو نقص الاكسجين، وعلى سبيل المثال فان يونغ مو وجيرانها يتنفسون هواء يحتوي على مايزيد قليلا على نصف الاكسجين الموجود عند مستوى سطح البحر. كيف يمكن للانسان ان يبقى على قيد الحياة عندما يحرم من هذا الغاز الضروري للحياة؟ ان كيفية تأقلمنا تعتمد على اسلافنا فسكان السهول الاصليين، الذين انتقلوا للعيش في الجبال يظهرون مجموعة من التغيرات التشريحية والأيضية التي تساعدهم على التأقلم. غير ان الاشخاص الذين عاشت عائلاتهم في المرتفعات لأجيال متتابعة قد تطوروا لكي يتكيفوا مع منسوب الاكسجين المنخفض، فجيناتهم الوراثية تمنحهم انطلاقة تمهيدية لحياة الجبال وعلى نحو يثير الدهشة فان النساء يبدو انهن افضل في التكيف على الحياة في اعالي الجبال من الرجال. تعتبر الهضبة التيبتية الشمالية باردة جدا ووعرة وقاحلة وهي تبدو غير قابلة للسكنى، ومع ذلك فان الادوات الحجرية التي وجدت هنا في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي تحددها بأنها اقدم مستوطنة بشرية معروفة على ارتفاع عال، وتشير اقدم قطعة اثرية اكتشفت الى ان البشر عاشوا هنا قبل 50 ألف سنة على الاقل. وهذه احدى منطقتين زارتهما لورنا مور من مركز العلوم الصحية بجامعة كولورادو لدراسة العلاقة بين الارتفاع والتطور والصحة وسلسلة الجبال الاخرى التي زارتها هي جبال الانديز التي يستبعد ان تكون قد تم استيطانها بشكل دائم لفترة اطول من 6 آلاف عام لأن الناس ماكانوا ليعيشوا هناك قبل ان يتعلموا كيفية زراعة البطاطا والحبوب وتدجين حيوانات اللاما والالبكة. وباجراء مقارنة بين سكان الهيمالايا والانديز الاصليين والاشخاص الذين انتقل اسلافهم في فترة حديثة نسبيا الى الجبال، تقوم مور وزملاؤها بتكوين صورة عن التطور البشري عمليا. وركزت زميلة مور وعالمة الانثروبولوجيا ستاسي زاموديو، التي انتقلت لتوها من كولورادو الى كلية نيوجيرسي للطب في نيوارك وطبيبة الاطفال في جامعة كولورادو سوزان نيرمير ـ ركزتا على الحمل والولادة، وتشير زاموديو الى انه من وجهة نظر تطورية، فان هذه هي الاوقات الحرجة وتقول ان «خطر الوفاة الاكبر يحدث في الرحم والانتخاب الطبيعي يحدث في وقت مبكر جدا من الحمل» وفي العالم النامي، تموت نساء اثناء الحمل اكثر من اي وقت آخر. ولهذا عندما يتعلق الامر بالتكيف مع المرتفعات فان هاتين الفترتين هما الاكثر حرجا. يعني انخفاض مستوى الاكسجين في الهواء انخفاض مستواه في الدم وتعتبر الاجنة عرضة بشكل خاص للتأثر بذلك، واحدى الطرق التي تعوض بها اجسام النساء الحوامل ذلك النقص هي زيادة كمية الاكسجين في الدم بشكل مؤقت عن طريق رفع مستويات الهيموغلوبين ومن خلال زيادة كمية الاكسجين التي يحملها كل جزيء من الهيموغلوبين وهو ما يسمى «الاشباع بالاكسجين» ويبدو ان هذا هو اسهل خيار قصير الاجل، وهو ملاحظ لدى سكان السهول الاصليين مثل الصينيين من سلالة هان، الذين شجعوا على الانتقال الى هضبة التيبت في العقود الاخيرة ولدى الاشخاص الذين استقروا في جبال الروكي الاميركية حيث يعود الاستيطان الدائم الي ما قبل 150 عاما فقط. وتتيح هذه الطريقة للنساء الحوامل ان يحصلن على مستوى اكسجين في دمائهن شبيه بالمستويات الموجودة لدى الاشخاص الذين يعيشون عند مستوى سطح البحر ولكن من الواضح ان اطفالهن الذين لم يولدوا بعد لايحصلون على ما يكفي من الاكسجين والمواد الغذائية الضرورية الاخرى، وذلك لأن معدل وزنهم عند الولادة ينخفض بمقدار مئة غرام لكل ألف متر من الارتفاع. غير انه بالنسبة لسكان الجبال الاصليين، لابد من تحقيق تأقلم اكثر نجاحا لان اطفال النساء التيبتيات يكونون اثقل بشكل واضح عند الولادة من اولئك الاطفال الذين يولدون لأمهات من مناطق مرتفعة اخرى. وفي الوقت الذي يعتبر من المثير فك الالغاز المتعلقة بكيفية تأقلم البشر عندما تقسو عليهم الظروف فان البحث والدراسة في المناطق الجبلية محفوفين بالصعاب الناجمة عن اسباب ليس اقلها التوترات السياسية المحلية ولكن بينما بدأ العمل بالكاد، فان العملية التطورية نفسها يمكن ان تقترب من نهايتها وتشير زاموديو الى ان التقدم في التقنية الطبية يعمل على تقويض قوة الانتخاب الطبيعي الذي كان في الماضي يغربل الامهات والاطفال العاجزين عن التأقلم مع الحياة في المرتفعات وتقول بهذا الخصوص: «لن تجد التطور الذي نتحدث عنه في الولايات المتحدة او اي مكان توجد فيه وحدات للرعاية المكثفة للمواليد» ان هذه التقنيات الطبية تبدو بعيدة كل البعد عن يونغ مو التي تقود قطيعها من ثيران القوتاش على سفوح جبل ايفرست ولكنها في يوم من الايام ستتوفر لجميع سكان الجبال، وعندها لن يكون البقاء للافضل والاصلح فقط وستكون الحياة على المرتفعات اسهل بكثير للجميع. ضرار عمير