السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 العيدية هي مرادف طبيعي لكلمة «طفل»، فبه وله تعلقت هذه الكلمة، وكثيراً ما كتب الكتاب عن اهمية العيدية في حياة طفل اليوم، وماهية التغيرات التي طرأت عليها، ولكننا اليوم بصدد الكتابة عن العلاقة بين العيدية وكبار السن او بالاحرى البالغين، حيث نخوض معهم اليوم رحلة العودة الماضي ليحدثونا عن العيدية في حياتهم ثم نعود مرة اخرى الى عالم اليوم لنعرف منهم ماهية العيدية بالنسبة لهم ومدى التزامهم بها، كل ذلك في سبيل التعرف على التغيرات التي طرأت عليها، هذا التغير الذي يشهده عالمنا المعاصر والذي لم يسلم منه شيء او احد، فهيا معي عزيزي القارئ نخوض الرحلة بكل جماليتها وغرابتها رحلة في دقائق معدودة نرجع بها للماضي ثم نحط رحالنا على الحاضر، نعم هي دقائق فقط انما تدل على مصداقية اننا نعيش في عالم السرعة كما يحلو للبعض تسميته،و لكي نوسع في الموضوع ونعطي الفرصة لأكبر قدر من الجمهور ارتأينا ان يحدثنا البعض ولو عن القليل من الذكريات التي تصاحب العيد، لأن الحديث عن العيدية لابد وان يصحبه حديث عن ذكريات العيد بحد ذاته. اولى رحلاتنا كانت مع الوالد ابو محمد عبدالنور والذي تنهد قليلاً وكأنه يحاول استدرار الافكار من مخيلته ليقول لنا بكلمات تفعمها الرغبة الجامحة للعودة، لذلك الماضي المفقود: لو اردنا ان نعرف الفرق الحقيقي بين الماضي والحاضر فإننا وبكل تأكيد سنقول ان الماضي افضل حالاً من اليوم ففيه كانت الامور عفوية، او بالاحرى نابعة من القلب، اما اليوم فإننا لا نستطيع ان ننكر زيف المشاعر الذي بات شعاراً لكل شيء لدرجة ان عيدية هذه الايام لم تسلم منه ففي الماضي كانت الريالات البسيطة التي نحصل عليها فيها بركة عظيمة، حيث انها كانت تكفينا طوال ايام العيد المبارك، اما اليوم فالوضع مناقض تماما، لان اطفالنا لم يتعودوا على الادخار وانا استغرب من حصول الطفل على مبلغ يفوق المئتي درهم ولكنه يصرفها في غمضة عين، وليته يصرفها فيما هو مفيد ومعقول بل انها تذهب جميعاً ادراج الرياح مع اكياس الحلويات والشلق اي المفرقعات النارية، اما نحن فمنذ كنا صغاراً فإن الريالات البسيطة التي كنا نتحصل عليها كنا نحاول ادخارها بأي وسيلة وكنا لا ننفقها كلها بل انني اذكر انني كنت اعطي والدتي رحمها الله جزءاً من العيدية كل ذلك في سبيل ارضائها لاننا تعودنا منذ نعومة اظافرنا ان دعاء الوالدين لنا هو اعظم كنز لنا في الدنيا والآخرة. موقف طريف اما نعمان عبيد سالم ـ موظف ـ فله مع العيدية صولات وجولات، فبمجرد ان سألنا عنها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة وقبل ان نسأله عن سرها بادرنا قائلا: العيدية بالنسبة لي كانت فرصة ثمينة لاثبت لوالدتي مدى حرصي على الادخار حيث انها كانت تحثنا على ذلك دوماً، لذا فقد كان لكل من اخوتي واخواني حصالة خاصة نفتحها في وقت واحد من السنة كي نعرف من الذي استطاع جمع اكبر قدر من النقود حيث كنا نتفاخر بذلك امام بعضنا بعضا، واذكر انني في احد الاعياد المباركة كنت قد جمعت مبلغاً كبيراً من المال، وفي العصر، بعد ان انتهيت من جولتي الميدانية لجمع العيدية توجهت الى والدتي في المطبخ حيث كانت منشغلة في تحضير بعض الاكلات للضيوف ورغم انها طلبت مني مغادرة المطبخ حتى لا اتأذى من النار أو القدر الحار إلا انني كنت مصراً على ان ترى النقود التي بحوزتي قبل ان اضعها في الحصالة لذا فقد قالت لي بلهجة صارمة بعد ان تضايقت من اصراري، اذهب وارم بالنقود في القمامة لا اود رؤية شيء فأنا مشغولة جدا، فخرجت من المطبخ وفي المساء بعد ان هدأت زيارات الضيوف جاءتني والدتي تسألني عن النقود التي كانت معي، فقلت لها بكل براءة لقد طلبت مني رميها في القمامة ففعلت ذلك طاعة لك، ولم اشعر بعدها إلا بضحكات والدي وكل من حولي نتيجة طاعتي العمياء والتي بسببها ذهب تعبي في اللف على بيوت الجيران ادراج الريح. إحساس بالعيدية ومن جهته يؤكد الموظف عارف محمد إن حظنا كأطفال هو أفضل وأوفر من حظ أطفال هذه الأيام، فحين كنا صغاراً كنا نجوب الطرقات وندق الأبواب كي نحصل على العيدية، أما أطفال اليوم فإن أولياء الأمور يخافون عليهم لدرجة انهم حرموا الإحساس بماهية العيدية، فهم وكما نراهم اليوم قابعون في البيوت ينتظرون دخول الضيوف عليهم لعل وعسى يجود أحدهم بعيدية، وهكذا فرضت الأسر والعوائل العديد من العوائق في وجوه الأطفال، أما نحن فإننا كنا ننتظر العيد بفارغ الصبر كي نتجمع معاً فيما لا يقل عن عشرة أطفال لنتوجه إلى بيوت عديدة، ورغم اننا كنا نحصل في بعض الأحيان على درهم واحد أو درهمين من كل بيت إلا ان فرحتنا بتلك الدريهمات القليلة كانت كبيرة جداً، وقد لاحظت فوارق عديدة بين عيدية الأمس واليوم، فالمبالغ التي كنا نحصل عليها كانت نصف المبالغ التي يحصل عليها أطفال هذه الأيام، ولكن ليس هذا هو المهم بل ما هو بالأهمية بمكان استشعار فرحة الحصول على العيدية، وأذكر جيداً ان مبلغ العيدية كان يصرف في شراء لعبة جديدة كسيارة صغيرة تعمل بالرموت او احياناً كنت اشتري خوضاً للسباحة أضعه في المنزل كي يستمتع به إخوتي وأخواني وحتى أبناء الجيران، وكنت افرح بشراء الحوض البلاستيكي لأنها من مصروفي وتعبي ولم أحصل على المبلغ دون تعب كما هو حال «عيال هذه الايام». ذكريات جميلة كما التقينا خلال جولتنا علي حسن البلوشي ـ موظف ـ والذي تحدث الينا بكل صراحة عن ماهية العيدية بين الأمس واليوم، حيث يقول عقب طول تفكير: إن العيدية كانت بالنسبة لنا تمثل فرصة ذهبية لجمع النقود، ولا اعني به الجمع الاعتباطي والذي لا هدف منه، بل هو جمع المبالغ لاستخدامها فيما هو مفيد، والحقيقة أنه رغم شظف العيش وصعوبته إلا اننا كنا نحصل على مبالغ معقولة وكنا نصرفها في أوجه الخير أحيانا، كما اننا تعودنا منذ الصغر على كيفية الانفاق الصحيح بعكس اطفال هذه الايام والذين يصعب توجيههم لما تعودنا نحن عليه، حيث نراهم يبعثرون الأموال التي يحصلون عليها فيما لافائدة منه، والواقع ان العيد كان يحمل بمعاني جميلة بغض النظر عن العيدية أو أية أمور أخرى، ففيه كانت فرحتنا غامرة، وكنا نقوم مع الكبار بزيارة الأهل والأقرباء وهذا ما عزز بداخلنا معاني الرجولة والتفكير السوي، لذا فالذكريات كثيرة وكلها جميلة بل ونفخر بها، وهذا ما يجعلنا أوفر حظاً في الاستمتاع بكل لحظة من لحظات العيد، أماجيل اليوم من الاطفال فإنهم محرومون من اشكال متعددة من الفرحة، فهم لا يعني العيد عندهم إلا «عيدية»، وثوب جديد، بعكس المعاني الراقية الاخرى التي نحرص عليها، وكم اتمنى لو يعود الزمن للوراء كي اعايش تلك اللحظات الرائعة التي تمنحنا الاستمتاع بطفولتنا حتى ونحن بصحبة الكبار. بين اليوم والأمس وكذلك يحدثنا فهد الزرعوني ـ موظف ـ قائلا: ان ذكريات الطفولة ليست بعيدة عني فأنا في العشرينيات من العمر، ولكنني حين اقارن ولو مقارنة بسيطة بين طفل اليوم والامس فإنني اشعر بالاسى على ما يعيشه طفل اليوم من قيود وخوف زائد لا مبرر له، فأنا اذكر جيدا، ان العيد كان فرحة للالتقاء ببقية اطفال العائلة والخروج سويا لجمع العيدية، كما اننا كنا نتفاخر فيما بيننا بالمبالغ التي كنا نحصل عليها، ورغم عدم فهمنا جيدا لمعنى النقود الا انها كانت بالنسبة لنا مرادفا للعيدية، كما اننا كنا نستغل النقود فيما هو مفيد ولم نكن مثل اطفال اليوم. الذين لا هم لهم سوى الحلويات والمثلجات والمشروبات الغازية، حيث كنا نتوجه الى الملاهي كي نلعب مع بعضنا بعضا، وكنا نشارك بعضنا في النقود، فهذا ما تربينا عليه، اما طفل هذه الايام فانه يعد بخيلا نوعا ما، بمعنى انه لا يحبذ ان يشاركه احد في امواله، حتى لو كانوا اخوته، بل انه يتصرف بالنقود بعشوائية كبيرة ويصرفها كلها على شراء مالا يحتاج اليه، لذا فان فرحته بالعيد تكون مرتبطة بالنقود فحسب، دون النظر للامور الاخرى التي كنا نراها نحن واضحة، كالتقاء العائلة في بيت واحد واللعب مع الاقرباء كما لو اننا اخوة مترابطون. فرق شاسع ويضيف عبدالواحد محمد ـ متقاعد ـ ان الحديث عن العيد والعيدية بين ما كان وماهو عليه يعني التحدث عن فروقات شاسعة قد لايسع المجال لذكرها ولكنني اود التركيز عى عدد من الامور التي ارى انها بدأت تندثر رويدا رويدا واخشى ان يأتي يوم ولانجد فيه من الطقوس ما يمكننا ممارستها، فالعيد في القدم كان يبدأ منذ لحظة الخروج من المصلى، حيث يتجمع الاهالي من الرجال سويا ويبدأون رحلة التجوال على البيوت لدرجة انه قبل صلاة الظهر نكون قد انتهينا من زيارة الارحام وكبار السن، اما ما نراه اليوم هو ان الشباب يقضون نهار العيد في النوم حتى ساعة متأخرة لذا فان من يحافظ على تلك العادة القديمة هم من الاجداد وكبار السن فقط، بحيث لا يتعدى عددهم اصابع اليد الواحدة، وخلال التجوال على البيوت كنا نصادف الكثير من الاطفال يجوبون الطرقات بحثا عن العيدية، اما اليوم فإن تلك الطرقات نراها خاوية الا من قلة قليلة جدا من الاطفال، واتوقع ان الخوف الزائد عليهم هو السبب الذي حرمهم من الاستمتاع بفرحة العيد والعيدية التي رغم ان مقدارها قد زاد الا ان الفرحة بها قد قلت كثيرا، وفيما يتعلق بزيارة الارحام في العيد فان هذا يكاد يكون نادر الحدوث، وهذا بالطبع امر خطير خاصة على شبابنا الذين وللأسف يفضلون الخروج مع اصدقائهم، لذا فمن غير الغريب ان نقول ان النفوس قد تغيرت كثيرا وان الناس بدأت في الابتعاد عن بعضها بعضا ونخشى ان يأتي يوم لا يزور فيه الشقيق شقيقه الا فيما ندر، لذا فإنني اتوجه الى الشباب بكلمة اطالبهم فيها بالعودة الى الماضي الذي صقل رجولة الاطفال وجعلهم يتحملون المسئولية قبل سن البلوغ. اختلاف الماديات أما حسين زاهر «موظف» فيرى ان الفروقات موجودة وهذا امر مفروغ منه، حيث لا يستطيع احد ان ينكر الفرق بين قيمة العيدية بالنسبة للطفل في القدم وبين قيمتها اليوم، فالوضع الذي يعيشه ابناؤنا به اختلاف شديد في الماديات، فأنا اذكر جيداً انني لم اكن احصل على النقود بشكل مستمر الا في مواسم الاعياد، لذا فإنها كانت ذات قيمة كبرى حتى لو كانت الحصيلة شيئاً زهيداً، اما طفل اليوم فإنه مدلل لأبعد درجة، بمعنى ان النقود بين يديه بشكل مستمر، لذا فالعيدية لا تمثل بالنسبة له سوى موسم لزيادة ما يحصل عليه، وعليه فالنقود موجودة دوماً وما الداعي للفرحة بها طالما الوضع كذلك، لذا فعلى اولياء الامور ان يراعوا هذه النقطة وان يعاودوا حساب ما يحصل عليه الطفل في الأيام العادية، وان يحاولوا قدر المستطاع عدم تعويد الطفل على اخذ النقود بسبب وبدون سبب فنحن تربينا على ألا نحصل على النقود دوماً، لذا فإننا كنا ننتظر العيد بفارغ الصبر حتى نحصل على العيدية، وصحيح ان مجتمعنا اليوم هو مجتمع الماديات لكن الواجب علينا ان نقنن من عملية الصرف والتبذير والا نعطي الطفل سوى اقل القليل وفي اضيق الحدود كمصروف المدرسة وشراء الاساسيات علنا بذلك نساعد على استرجاع بعض فرحة الطفل بالعيدية تلك الفرحة التي كانت تغمرنا والتي كنا ننتظرها على احر من الجمر. طفرة عمرانية ومن خلال حوارنا معه تحدث المهندس نجيب الخواجة عن نقطة هامة جداً، حيث يقول: إن خوف الآباء على ابنائهم هذه الايام له مبرراته المنطقية التي نراها امام اعيننا رؤية واضحة، فطفل الأمس حين كان يذهب مع اصدقائه واقربائه للحصول على العيدية كان يمشي وسط حارة سكنية صغيرة، واعني بذلك عدم وجود السيارات بكثرة كما هو الحال اليوم، وكذلك فإن الأزقة كانت ضيقة والبيوت متقاربة لذا كان الاهل لا يخشون على ابنائهم من اي خطر، اما اليوم فإن الشوارع قد ملأت المدينة وكثرت السيارات مما يعني تعرض الطفل للحظر في اية لحظة، ولكن رغم كل تلك الطفرة العمرانية الا اننا لا نستطيع ان نحكم بعدم وجود اطفال يبحثون عن العيدية، بل ان هنالك فئة وان كانت قليلة وفي بعض الاحياء السكنية التي لم تنلها الطفرة بها اطفال لا يزالون يذكروننا بأيام زمان حيث الاهازيج الخاصة بالعيد التي لا تزال تحتفظ بها مخيلة كبار السن الذين اوصلوها لاحفادهم، كل ذلك يجعلنا نقول انه رغم اهمية العمران ووجود السيارات والطرق المرصوفة الا ان هذه الامور قد قننت من فرحة الاطفال بالعيد وجعلت الخوف يتسرب الى ذويهم وهو خوف محمود خاصة واننا كثيراً ما نسمع عن عمليات دهس الاطفال الابرياء، لذا فإن كل شيء حضاري يعتبر سلاحاً ذو حدين وهو امر طبيعي علينا ان نسلم به