الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 الإبداع في كافة أشكاله هو حكر، على بني البشر، لكن السؤال الذي يتردد في الأذهان هو: هل يأتي يوم تصبح فيه أجهزة الكمبيوتر قادرة على التأليف الموسيقي، أو التحول إلى فلاسفة أو علماء فيزياء أو فنانين وما إليه من النشاطات البشرية حصرا. وفي هذا تقوم عدة مشاريع علمية تهدف إلى تطوير ما يعرف بالذكاء الاصطناعي لجعل الكمبيوترات قادرة على تحقيق العقلية اللازمة للإبداع في المجالات المختلفة. ومن المتحمسين لهذا الطموح فنان باحث قضى حياته المهنية في تصميم برنامج له القدرة على رسم لوحات تشكيلية فنية أصيلة لا تقلد شيئا مما هو معروف. ويقول هذا الباحث: ''لقد بدأنا للتو في تلمس القشرة الخارجية للذكاء الاصطناعي للماكينات''. وتمكن هذا العالم من تأسيس قاعدة معرفية ومعلوماتية في برنامجه تؤهله إلى تكوين درجة من الذكاء المستقل نسبيا حول الأشكال البشرية وكيفية تحرك أبدانهم، وكيفية تحريك فرشاة الرسم، وكيفية الرسم بالطبع. ويعمل البرنامج من خلال استخدام وربط آلاف البرامج الفرعية والتفاعل فيما بينها من أجل إبداع أعمال فنية تشكيلية جميلة، أو هكذا تراها بعض الأذواق على الأقل. ويقول مهتمون إن من شأن هذا التفاعل في برنامج آرون إيصاله إلى حدود الإبداع، التي يحتكرها الكائن البشري، وهو ما يجعله يخلق أعمالا فنية مريحة للعين، وفيها ملامح عاطفية، بل إن بعضها معروض في بعض الصالات والأروقة الفنية. إلا أن الفنان يقول إن البرنامج يمكن أن يعتبر مبدعا من الطراز الثالث لا أكثر، وهو لا يستطيع أن يكون مبدعا إلى حد أنه قادر على نسج سلة من الخوص أو الخيوط، وليس له الذكاء الكافي لعمل تشكيل بسيط مثل شمعة. ومن الأشياء التي تسيطر على برنامج بعض الأحكام المتطورة التي تنظم عمله، لكن صاحبه ترك له بعض التعليمات العشوائية حتى يمكنه الخروج بعض الشيء عن سلطة تلك الأحكام. ولكن هل يجعل هذا من البرنامج أكثر قدرة على الإبداع من بعض البرامج الكمبيوترية الأخرى التي يمكنها القيام ببعض النشاطات التي يمكن أن يطلق عليها صفة إبداع بتحفظ شديد. وفي هذا يقول الفنان إنه يصمم ويكتب البرنامج، والأخير هو الذي يقوم بالرسم وليس هو ''أما من هو الفنان أنا أم هو فهذا شيء لا أعرفه''. وفي نفس السياق وضمن الحقل نفسه يقوم علماء في النمسا بتعليم كمبيوتر كيفية عزف البيانو على نحو قريب من الشعور البشري، ويسعون إلى جعله قادرا على تحسس الفروق والميول بين عازف وآخر لنفس القطعة الموسيقية. لكننا نبدو بعيدين جدا، حتى مع وجود هذه البرامج المتطورة، عن القول بأن الآلة قد باتت قريبة من تخوم الإبداع أو التفكير المستقل. ولهذا فإن حلم توقفنا عن العمل لتقوم الآلة به بدلا عنا ما زال حلما بعيد المنال، ربما لأجيال عديدة مقبلة.