الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 في احد ايام يونيو من عام 2001 وحول طاولة بقاعدة اندروز الجوية الاميركية خارج العاصمة واشنطن، تولى السيناتور الاميركي السابق سام نون دور رئيس الولايات المتحدة بينما لعبت شخصيات بارزة اخرى ادوار الوزراء والقادة العسكريين ورؤساء الهيئات الفيدرالية ومسئولي الدولة والصحفيين. والحديث هنا لا يدور حول فيلم سينمائي وانما حول تمرين حمل الاسم الرمزي «الشتاء الاسود» وكان الهدف من ذلك التمرين هو رؤية مدى استعداد الولايات المتحدة للتعامل مع هجوم بالاسلحة البيولوجية. وبعد وقت قصير من انتهاء التمرين، شهد نون امام الكونغرس الاميركي ـ الحقيقي بالطبع ـ حول نقاط الخلل التي كشفها تمرين «الشتاء الاسود». وحذر نون في شهادته امام الكونغرس من ان البلاد تعاني من نقص حاد في اللقاحات. وانها لم تقم بتدريب المسئولين الكبار او وضعت خططاً لرد منسق او بنت بنى تحتية كافية للصحة العامة او قامت بتوعية العامة او وسائل الاعلام او مارست الخطط القليلة الموجودة لديها او صنفت الارهاب البيولوجي باعتباره اولوية قومية عالية. وقال نون في شهادته: انه لمن حسن حظ الولايات المتحدة ان هذا كان مجرد اختبار وليس حالة طواريء حقيقية». واحتاج الامر الى حالة طواريء حقيقية ـ 11 سبتمبر وما تبعه ـ لكي يتحول هذا التمرين من خيال كئيب الى مسألة حياة او موت. وعلى الرغم من ان الهجمات بالطائرات على مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون اظهرت ان اي شيء تقريباً يمكن استخدامه لقتل اعداد كبيرة من البشر، الا ان معظم الناس لا يزالون يتخيلون الانفجار النووي بسحابة الفطر المميزة له، عندما يفكرون باسلحة الدمار الشامل. وبينما تكدس بعض الدول القنابل النووية وتعمل دول اخرى بصورة محمومة لحيازة اولى قنابلها، فان العالم ربما عليه ان يخاف اكثر من وسائل هجومية اخرى اقل شهرة. فمن جهة هناك الاخطار البديلة التي تتراوح بين ما يدعى بالقنابل القذرة ـ وهي متفجرات تقليدية مغلفة بمادة اشعاعية ـ ونقرة على فأرة كمبيوتر لاحد الارهابيين، الذين يمارسون القرصنة على اجهزة الكمبيوتر بهدف مهاجمة امدادات المياه والحركة الجوية والبنية التحتية للطاقة والانظمة المالية والاتصالات. ومن الجهة الثانية، فان الهجمات الاشد فتكاً ستتم باستخدام اسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية تقليدية. القوانين السياسية وهذا كله يحدث في وقت باتت القوانين السياسية الجغرافية القديمة شيئاً من الماضي. فلمدة نصف قرن من الزمان، ابقى التصادم العملاق بين القوى العظمى الدول مقسمة ولكنها متأكدة ممن يملك القوة وما الشيء الذي يفعله بها ولمن. لكن هذا الوضع لم يعد كذلك. فالعالم، من نواح عديدة بات اليوم اكثر خطورة من اي وقت مضى مند عام 1945، عندما استخدمت الولايات المتحدة وللمرة الاولى سلاحاً نووياً ضد اليابان لحملها على الاستسلام وانهاء الحرب العالمية الثانية. يقول زينوفي باك، مدير وكالة الذخائر الروسية: «لم يعد هناك صراع عالمي واحد. ولكن هل العالم اكثر امناً؟ ابداً للاسف. فاليوم هناك اسباب محلية للصراع بشكل اساسي ـ اجتماعية ودينية وعرقية وعنصرية. ولكن نظراً للتطورات في العلم والتقنية، فان هناك طرقاً جديدة واسلحة جديدة لحل هذه الصراعات». وبعد مرور اكثر من عقد على انتهاء الحرب الباردة، لا تزال الولايات المتحدة وروسيا تسيطران على معظم اسلحة الدمار الشامل في العالم. فكل واحدة منهما تملك ما يكفي من الاسلحة لقتل جميع اشكال الحياة على الارض مرات عديدة، اذا كان الموت اكثر من مرة امراً ممكناً. الاسلحة النووية وفي الجولة الاخيرة من محادثات خفض الاسلحة النووية، وافق الرئيسان جورج دبليو بوش وفلاديمير بوتين على تخفيض العدد الخاص بالرؤوس الحربية المركبة على الصواريخ والقاذفات من مستوياتها الحالية البالغة حوالي 6000 رأس لكل منهما الى ما لا يزيد عن 2200 لكل دولة بحلول نهاية عام 2012. وليس هناك خبراء كثيرون يعتقدون بان اي من الدولتين سيبدأ باستخدام هذه الاسلحة ضد الآخر ـ بخلاف بعض الاعضاء الآخرين في نادي اسلحة الدمار الشامل. وفي الشرق الاوسط، يسود الاعتقاد على نطاق واسع بان اسرائيل تمتلك الفئات الثلاث من اسلحة الدمار الشامل في حين لا تتخلف ايران والعراق عنها كثيراً. اما ليبيا وسوريا ومصر، فهي منخرطة ببرامج كيماوية وبيولوجية. وتتنافس جنوب آسيا مع الشرق الاوسط باعتبارها اكثر المناطق الخطرة في العالم اضطراباً. فالهند وباكستان اللتان توجهان فوهات البنادق الى بعضهما البعض عبر منطقة كشمير الجميلة المتنازع عليها مزودتان باسلحة نووية. وقد خاضتا ثلاث حروب تقليدية وبالكاد تجنبتا حرباً اخرى في وقت سابق من هذا العام. وبالتأكيد فان الحرب القادمة او الحرب التي تليها، قد تكون نووية. وفي اماكن اخرى من العالم، من المعروف ان كوريا الشمالية والصين تملكان او تطوران نوعاً او اكثر من انواع اسلحة الدمار الشامل. وفي اوروبا تحتفظ فرنسا والمملكة المتحدة باسلحة نووية. ثم هناك الجهات التي تعمل لحسابها الخاص أو ما يسميهم المحللون بـ «اللاعبين من غير الدول» الذين يجعل استعدادهم للموت من اجل معتقداتهم من اساليبهم التكتيكية وتوقيتهم امراً لا يمكن التنبؤ به اطلاقاً. ولكن اذا قدر لهم ان يضربوا، فمن اين سيحصلون على اسلحتهم؟ المرشح الاول روسيا هي المرشح الاول نظراً لمخزونها الهائل من اسلحة الدمار الشامل وللاضطراب الاقتصادي الذي تعاني منه. ومن شأن روسيا الفقيرة والضعيفة ان تسبب اذى بطرق لم يسبق للاتحاد السوفييتي القوي ان فعلها، حتى مع قيامها بنزع اسلحتها طوعاً. ومع الاخذ بعين الاعتبار اقتصاد روسيا المختل وظيفياً، فان موسكو ليست في وارد انفاق ملايين الدولارات على توفير الامن لمخزونها من الرؤوس الحربية النووية المبطل مفعولها. هذا الى جانب منشآت الانتاج القديمة في الاتحاد السوفييتي السابق والغواصات والمفاعلات التي تحوي ما يكفي من المادة لصنع آلاف القنابل النووية. ويمكن باغراء المال ان تحصل جماعات ارهابية على تلك المواد، وعندها لا احد يمكنه ان يتخيل ما الذي سيحدث للعالم. وهذا يشكل بالفعل كابوساً للدول الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة التي ترى نفسها مستهدفة بمثل تلك الاعمال من قبل جماعات كثيرة في العالم. ضرار عمير