الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 في خاطرة سابقة تصور محك النقد الخضرمة جسراً من الزمن أوّله في آخر العصر الجاهلي، وآخره في أول العصر الاسلامي، وتصور الشعراء قافلة تعبر هذا الجسر، وبوصولها الى العروة الاخرى تكون قد ودّعت عهداً، واستقبلت عهدا. ثم تساءل المحك عن أمور ارجأ الإجابة عنها الى هذه الخاطرة، ومنها: أكان الشعراء المخضرمون كلهم من نمط واحد أم كانوا من أنماط متعددة؟ واذا كانوا أنماطاً عدة فعلى أي اساس تعددت هذه الانماط؟ أعلى اساس القرب والبعد الزمني من الاسلام ام على اساس الاخذ والنبذ للروح الاسلامية؟ وهل كان لتقاليد الشعر الفنية صلة بهذا التقسيم؟ وما الصدى والمدى اللذان تركتهما الخضرمة في النقد؟ لم يكن الشعراء المخضرمون نمطاً واحداً بل كانوا انماطاً متعددة، وجاء تقسيمهم مستنداً الى ثلاثة أسس: الزمان، والتقاليد الفنية، والاتجاه الفكري. نعني بالزمان مقدار ماقضى الشاعر من حياته في الجاهلية ثم في الاسلام. فمن المخضرمين من عاش اكثر حياته في الجاهلية، ومنهم من عاش اكثرها في الاسلام، ومنهم من قدر له ان يحيا نصفها جاهلياً، ونصفها مسلماً. والاساس الثاني التقاليد الفنية، فمن الشعراء المخضرمين من بقي محافظاً على صوره البدوية، واسلوبه الوعر، وألفاظه الغريبة، ومنهم من تأثر بأسلوب القرآن وصوره، فرقّ شعره، ولان اسلوبه، وكان الى الحضر والمدر اقرب منه الى البداوة والحضر. وثالث الاسس القدرة على استشراف المستقبل، واستباق الاحداث، والتنبؤ بالدين الجديد، والتبشير العفوي بطائفة من أفكاره على نحو غير واضح ولا محدد، يغلب عليه التخمين لا اليقين، ومن يحتكم الى هذه الاسس يجد المخضرمين اربعة اقسام، وان شئت ان تستعير مصطلح الحديث فقل: اربع طبقات: اولاها طبقة المخضرمين الذين عاشوا القسم الاطول من حياتهم في الجاهلية، وبعد ان اكتهلوا واكتملوا وحصفت عقولهم، وأينع فنهم، وظهر الاسلام اصبح تأثرهم بخصائص الشعر الجديد عسير المنال. فهم جاهليّو الفن مخضرمو الزمن، وابرزهم لبيد والخنساء. وثانية الطبقات تضم الذين ولدوا في الجاهلية قبيل سنوات من بزوع الاسلام، فعصمتهم طفولتهم القصيرة من التشبع بروح الجاهلية ومفاهيمها وتقاليدها الشعرية الفنية. فلما اسلموا كان الاسلام اعمق اثراً فيهم، إذ اعاد صياغتهم، وصقل ملكاتهم، ونمّى مواهبهم، فاذا هم خلق جديد. انهم اسلاميو الفن مخضرمو الزمن، ومنهم كعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة. والثالثة شعراؤها من اصحاب الاعمار المديدة الذين امضوا فتاءهم وشبابهم في الجاهلية وكهولتهم وشيخوختهم في الاسلام، فكان حظهم من مفاهيم الاسلام وروحه واهدافه مثل حظهم من مفاهيم الجاهلية وروحها وأهدافها. لم يدركوا الإسلام إلا بعد أن رسخت في قصيدهم تقاليد الفن التليد، ثم أخذوا يضيفون إليها مباديء الإسلام. وحينما أضافوها كانوا يدركون أبعادها، ويعرفون كيف يتمثلونها ويمثلونها، فجاء شعرهم مزيجا من فن جاهلي عريق، وأقباس إسلامية ناضجة، وأبرزهم حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، والحطيئة. وهؤلاء أولى الطبقات الأربع بلقب المخضرمين، وأقدر الشعراء على تصور العصرين وتصويرهما فكريا وفنيا. ومما يدلك على جدارة هؤلاء قبل سواهم باللقب أن الجاهلية بقيت في ألسنتهم بعد أن طردها الإسلام من قلوبهم، وأنهم ظلوا ينظمون في عهد النبوة والراشدين، فينافلون بين خصائص العهدين. وحسبُك دليلاً على ما نزعم أن الحطيئة لم ينس رعونة الجاهلية، فمدح وهجا على نحو ابتزازيّ انتهازي، فاستحقّ التأديب من درّة عمر والحبس في (قعر مظلمة)، وأن حسان بن ثابت ـ وهو من أشد الشعراء إخلاصاً للإسلام ومنافحة عنه ـ لم ينس الخمر التي كان يشربها في جلّق، وهو يعيش في مجتمع ليس فيه زق يطفح، ولا قينة تصدح. ومع ذلك جعل الخمر والغزل مقدمة لمدحه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: كأنّ سبيئة من بيت راس يكون مزاجها عسل وماءُ على أنيابها أو طعم غض من التفّاح، هصّره اجتناء على فيها اذا ما الليل قلّتْ كواكبه ومال بها الغطاء وهذه المقدمة ـ وإن تغاضى عنها النبي صلى الله عليهوسلم لكرمه وحلمه ـ أغضبت أبا العلاء المعري بعد أربعة قرون، إذْ لم يستطع أن يسيغ ما فيها من عشق مشوب بفسق، فقال لحسان في رسالة الغفران: «ويحك! أما استحييت أن تذكر مثل هذا في مدحك رسول الله؟». ورابعة الطبقات المخضرمة طبقة الذين ثقفوا تقاليد القصيد في الجاهلية، وأتقنوها حقّ إتقانها، ثم أدركوا الإسلام على كهولة وفحولة، وفي اشعارهم اصالة وجلالة، ولكن ران على قلوبهم، فلم يسلموا وهو أقرب المخضرمين فكراً وروحاً إلى الإسلام، ومنهم أمية بن أبي الصلت. أو أسلموا بعدما أسقط في أيديهم، ومنهم عبدالله بن الزبعري. فهم مخضرمو الزمن، جاهليو الفن، إسلاميو الروح والخلق. إلا أنهم، على غير إيمان، كانوا يردّدون في قصائدهم أصداء الإسلام. ومن هذه الأصداء حكم أمية في الحياة والموت، وقول ابن الزبعري في معركة أحد، وهو لمّا يزل على الشرك: إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبلْ والعطيات حسان بينهم وسواء قبر مُثر ومقل كل عيش ونعيم زائل وبنات الدهر يلعبن بكل ولما كان الأدب والنقد فرسي رهان ورضيعي لبان، فإن ترابطهما تجلى في تأثرهما معا بالخضرمة، وفي تأثر المعايير النقدية بالمفاهيم التي اخذت تتضح مع الابتعاد عن الجاهلية والاصطباغ بصبغة الاسلام، اذ اخذ النقد يصوغ قيما جديدة يستوحيها من الصراع بين جاهلية الموروث الفني واسلامية المستقبل المرجو، وراح يحتكم الى هذه القيم في محاكمة الشعر، وراح النقاد يستندون في حكمهم للشاعر او عليه الى قيم جاهلية مرة، والى قيم اسلامية اخرى، ولم يستطيعوا ان يتحرروا من اباطيل الجاهلية التي ألبسها الشعراء المجيدون لبوسا شديد الاسر قوي السحر. فلبيد الذي أخذ على نفسه موثقا ان ينصرف عن الشعر، وان ينقطع للقرآن لم يستطع ان يلغي ذوقه الفني النابت في ربوع الجاهلية، بل ظل يحتكم اليه لا الى الاسلام في محاكمة الشعراء، وفي اصدار الاحكام. يدلك على ذلك انه حينما سئل بعد ان اسلم وحسن اسلامه: من أشعر الشعراء؟ أجاب: الملك الضليل، يعني امرأ القيس. وامرؤ القيس كما تعرف كان زير نساء صريع صهباء، لا يتورع عن المجاهرة بالفحشاء. فما الذي حمل لبيدا على جعله اشعر الشعراء؟ انه الذوق الفني الجاهلي الذي هون في عينيه كعب بن مالك وعبدالله بن رواحة، وحسان بن ثابت وأمثالهم من شعراء الدعوة، وأعلى عليهم عاشقا فاسقا غارقا في الخمر والقمر، والطرد والصيد، «لانه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد، وهو قوله: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» لقد ذكر كل القيم الجاهلية الفنية، ونسي كل الوصايا الاسلامية الاخلاقية، ونسي الحديث الشريف الذي جعل امرأ القيس قائد الشعراء الى جهنم. الى جانب هذه المعايير النقدية الجاهلية المحض نجد نقدا اسلامي الاسس، اخلاقي الأهداف، يرمي الى ترسيخ القيم الجديدة في قلوب الشعراء. ومن هذا النمط نقد عمر بن الخطاب الذي حرص اشد الحرص على سلامة البنية الاجتماعية، اذ انتقد سحيما حينما قدم الشيب على الاسلام، وجعله الزاجر الاول للانسان عن الضلالة في قوله: عميرة ودع ان تجهزت غازيا كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا وطلب اليه ان يقدم الاسلام. وهذا النقد المنطلق من منطلق تأديبي تهذيبي ، لا أدبي ولا عصبي، دفع أبا حفص رضي الله عنه الى تأويل هفوات الشعراء، والى حملها على محمل حسن، ليخرج الشعر من خيمة النابغة الفنية، ويدخله تحت مظلة الاسلام الاخلاقية. شكا بنو العجلان الى عمر بن الخطاب من النجاشي الحارثي. وزعموا انه رماهم بالفسولة والضؤولة والعجز عن مصاولة الناس، ومنازلة الخصوم حين قال: قُبَيلةٌ، لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردلِ ففسر عمر البيت تفسيراً يعصم لسان الشاعر من القذف، وبني عجلان من الضعف، ووجّهه نحو الخير، وتوسّم فيه مدحهم بالإنصاف، وتبرئتهم من الحيف، فقال: «ليت آل الخطاب هكذا». فلما ذكروا البيت التالي ـ والهجو فيه اوضح وأقبح: وما سمي العجلان إلا لقيلهم خُذِ القعب، واحلبْ أيها العبد واعجلِ توهّموا أن الفاروق سيتلقى البيت بامتعاض، يدفعه الى زجر الشاعر، او الاقتصاص منه. غير ان عمر طوى الجاهلية كلها بمفاهيمها وقيمها تحت ضِبْن الإسلام، ولم يبصر من القعب والحلب إلا شرف الدأْب، فرجح العمل على الكسل، واغضى عما في البيت من سؤر الجاهلية التي جعلت عنترة يقول: «العبد لا يحسن الكرّ، إنما يحسن الحلاب والصرّ». لم يفسر البيت هذا التفسير لجهله بالشعر، بل ليستلّ سخائم العرب ويفثأ غضبهم، ولذلك قال: «كلنا عبيد الله، وسيد القوم خادمهم». انها مبادئ معيارية جديدة، تزحم مبادئ النقد الجاهلي بخضرمة تريد ان تنقل العرب من حال الى حال. والخلاصة أن ما شاع في الشعر الاسلامي عصر النبوة والخلافة الراشدة من اختلاف في القيم والأحكام، ومن ائتلاف بين خير الجاهلية وخير الاسلام لم يكن حكراً على الشعر، بل امتدّ الى النقد، فوسمه بسمات الخضرمة، وهي الامتزاج والتوسّط والاشتباه. وهذه الخضرمة امتدّت جسراً، يصل عصراً بعصر، وشعراً بشعر، ونقداً بنقد، فإياك، وأنت تراقب حركة التاريخ، أن تقصر البصر على النظر في التيار السريع المتدفق، ووجّه بعضه الى التطوّر البطيء الهادئ، لتكون مراقبتك ومواكبتك أكمل وأشمل. وأقدر على الإحاطة بأسرار الحياة.