الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 القاص والأديب مفلح العدوان الظاهرة الأبرز بالأدب الأردني خلال التسعينيات. اختار الاعتكاف في ثالوثه «التجربة، القراءة، الكتابة» حتى تم الاعتراف به عندما فازت مجموعته القصصية الأولى «الرحى» بجائزة محمود تيمور للقصة القصيرة عام 1995 التي أسس بها وبكتاباته اللاحقة اللغة «الراقية» تماما كما أسس نزار قباني من قبله «اللغة الثالثة»!! ومفلح العدوان من مواليد الزرقاء عام 1966. عضو في رابطة الكتاب الأردنيين وعضو اتحاد الكتاب والأدباء العرب. صدر له في القصة «الرحى» 1994، «الدواج» 1996، «موت عزرائيل عام 2000 وله ثلاث مسرحيات وكتاب خاص بمدينة عمان. بيان الثقافة التقاه وكان معه هذا الحوار ـ ما بين البدايات والوقت الحاضر مسافة ليست بطويلة. كيف كانت بداياتك؟ وكيف وصلت إلى هذا الحضور في وقت قصير نوعا ما؟ ـ لم أمر في بداياتي في النشر القصصي بالقنوات التقليدية للبدايات، فما قبل النشر كنت منكبا على القراءة والكتابة والتجريب في القصة لفترة طويلة ولكن بصمت وسكينة دون نشر ولا تنظير، ولم امرر كتاباتي لاستشارة أحد أو للصفحات المعنية بالأصوات الجديدة، درست الهندسة وخبرت الكيمياء وسافرت كثيراً وعملت في المناجم وقرأت الفلسفة والأساطير والأديان والسحر قبل ان اكتب نصي الذي اشهر ببعض الرضا عنه واطرحه للنشر وللقراءة على أساس انه أنا الذي أريد ان ابدأ به. هناك كانت البدايات!! لكن الاعتراف في الداخل لا يكون إلا بعد ان يأتي الاعتراف والتقدير من الخارج، وهذا قدر الأدب المحلي، فقد كان لفوزي بالمرتبة الأولى في جائزة محمود تيمور للقصة القصيرة في المجلس الأعلى للثقافة في مصر 1995 اثر كبير في تكريس اسمي محليا وعربيا. هذا بعد عام واحد من صدور مجموعتي الأولى «الرحى» وربما لخصوصية الكتابة، وللبطء والأناة في طرح ذات الكتابة عندي اثر كبير في حضوري على ساحة القصة القصيرة.. مازلت اجرب وأرجو ان اكتب دائما الجديد والمختلف.!! ـ في نصوصك جنوح نحو الأسطورة، والحادثة الدينية أو التاريخية لماذا؟ وهل تستحضرك الأسطورة مع ولادة الفكرة. أم تذهب مع الأسطورة إلى الفكرة؟ ـ ثمة حقيقة أنا مؤمن بها. ومعايشها في واقع مجتمعنا المعاصر الذي نحن جزء منه وهو ان كثيرا من الأعراف والتقاليد اليومية مبنية على أسطورة، بل وهناك كم هائل من الطقوس والشعائر التي نتعامل معها بعادية وبساطة هي ذاكرة واسطورة، وبالتالي فالوضع الطبيعي هو النظر بعين الإبداع والتفحص لهذا الموروث، ليس على أساس انه طاريء ومقحم، بل بإيمان أكيد بأنه جزء أساسي ومؤثر في الواقع الذي نعيش وصدق الإبداع هو الذي يولد صدق الحالة، صدق التعامل مع من حولك!! وبين الفكرة والأسطورة هناك حالة من التماهي، التمازج لدي بسبب قراءتي ودراستي للأسطورة والسبب الآخر هو أعمال ذهني وبصري وحواسي برصد الحالة الاجتماعية المؤسطرة وبذلك يتداخل ثالوث الأسطورة والفكرة والكلمة في اقنوم واحد على شاكلة عمل إبداعي يتعامل مع الواقع، وينقد الحاضر، ولكن بلغة مختلفة، بفن مختلف، بقصدية تجعل من كتابة القصة ليست حبرا على بياض ورق فقط، بل هي طقوس، وعبادة، نقوش وحفر في الذاكرة، تأويل الحاضر وكتابة بعين الحقيقة وصدق القلب.. الواقع أسطورة مفرداتها المعاناة اليومية، والأخاديد في الوجود، ونظرات العيون إلى السماء والنبض الخائف في القلوب، وحكايا الجدات، وعشق الفتيات، وحلم الأطفال بالحوت الذي يقضم الدر كل ليل.. وأخرى اليومي الذي لا يخلو من اسطره اللهاث وراء المسير الحياتي! ـ في مجموعتك الأخيرة حصرا. هناك خروج عن تقاليد القص المعروفة. حتى لغتك غالبا ما تكون مبهمة. تكاد تحتوي معنى ما. ماذا تقول؟ ـ في مسألة لغة الكتابة في قصتي تحديدا، أنا لا أتحكم بها اعتباطا، بل أطوعها بحسب الحدث وأجواء النص ومسألة الإبهام «اللغة المبهمة» هي نسبية بالرجوع إلى المتلقي، ربما يمكن الحديث عن شعرية في لغة القص لدي أو تداعيات صوفية، أو في بعض القصص هناك استرسال في الكهنوتية والرمز والإيماء. طبيعة الموضوع تحكم وحين تكون القصة عملا إبداعيا فان اللغة هي أهم أدوات القاص في ابداعه، هي لعبته وحيلته لشد انتباه القاريء المتلقي منذ ميلاد الحرف الأول، وهي شهقة الكلمة الأخيرة في القصة.. لا كلمة زيادة، ولا حرف. القصة لا تحتمل الزيادة، أنها ليست رواية ولا نصا مفتوحا، وبذلك فيجب ان تتضافر كل أدوات القص عند الكاتب ليقنع أو يثير ويحفز المتلقي لمتابعة تفاصيل القصة بكل دهشتها وإبهارها، واللغة إحدى أهم هذه الأدوات، لغتي تحترم القاريء، ولا تستهين بوعيه وثقافته، وأحاول من خلال ان ارتفع به قليلا إلى سدة الكلمة الراقية لا ان أقزمه باتجاه المكرور من مفردات الأشياء! ـ هناك تفاعل بين مفلح العدوان من جهة والأحداث الساخنة التي تجري في محيطه من جهة ثانية. وما إصدارك بيان انسحابك من أسبوع الجامعة الأردنية الثقافي احتجاجا على القوانين العرفية.. إلا تأكيد على ذلك. فلماذا إذن لا تستل نصوصك مما هو يومي؟ ـ الكاتب يجب ان يكون له موقف من الحياة، موقف من الأشياء ومما يدور في مجتمعه دون الاستعباد والارتهان له، واعتقد ان ما اكتبه في قصصي هو ليس بعيداً عن الواقع الذي أعيش فيه ولكن كتابة القصة تختلف عن إصدار بيان أو صياغة منشور سري. فن القصة فيه تشكيل فني وتقديم الموضوع العام أو الخاص بنحت آخر مختلف له أولويات تحكمها الرؤية الفنية اكثر من التنظير السياسي.. مثلا في إحدى قصصي في مجموعتي «موت عزرائيل» أتحدث عن الغلاء ومؤامرة أصحاب المصالح على الشعب باستخدام شخصية أبي لهب. وبتوظيف مكة الموروث الكهنوتي فيها. واستطعت ان أتحدث عن واقع حال باستخدام حيلة فنية وتوظيف للأسطورة، هذه إحدى النماذج هي محاكاة اليومي المعاش بطريقة فنية.. لكن إذا كان موقفي بحاجة إلى إبانة وإيضاح اكثر فسأرفع صوتي عاليا بتصريح رسمي عن موقفي السياسي وبكل وضوح كما عبرت عن ذلك بتصريحي عن موقفي من الإجراءات العرفية في الجامعة الأردنية تجاه الطلبة والحرية والديمقراطية. أنا مع الموقف في كل شيء في الحياة، ولكن لست مع التنظير له بشكل فج من خلال كتابة القصة.. القصة فن وحيلة تستطيع تحرير كل ما تريد من خلالها ولكن بإبداع وباحترام لفن القصة وللإبداع. ـ أثيرت إشكالية واسعة حول مجموعتك الأخيرة «موت عزرائيل» تمثلت بتعدد الرقباء. في ضوء ذلك هل ترى للكتابة وللعقل الإبداعي حدود؟ وان وجدت فمن يفرضها؟ ـ لا قداسة إلا للكتابة، هذا ما أؤمن به حين أكون في مواجهة الورقة للكتابة، فضاء رحب، حرية بلا حدود، ولا وصاية شيء او جهة على ما اكتب.. قناعتي هي حريتي، وأستطيع فتح كل الأبواب للخوض في تلك البيوت المغلقة الغامضة الغائبة.. أية كتابة هذه التي تخاف من الممنوع؟! وما هو الممنوع؟! هناك أسئلة يجب ان تطرح، يجب ان يتم الكتابة فيها بتحد ودون خوف حتى يكون هناك جدوى من الكتابة والخروج عن السائد وإضافة الجديد.. هل سيغضب ذلك المجتمع؟! فليكن، ومن قال ان المجتمع دائما على حق. ـ هناك من يقول بأن الرواية قد تراجعت وسوف تتراجع لصالح الاعمال المكثفة «القصة» وأنها لن تكون في يوم ديوان العرب. فما رأيك؟ ـ قد لا يكون هناك جواب محدد وفاصل في الفن الذي سيسود في الألفية القادمة، ولكني أعتقد ان طبيعة الآلية الحياتية اليومية سيحكمها رتم من السرعة والتكثيف والعملية في التعامل مع الأشياء.. وربما القراءة معضلة ستكون من ناحية التعامل معها. ربما الرواية القصيرة سيكون لها حضور، وقد تأخذ القصة القصيرة مساحة اكبر وقد يكون رسوخا اكثر في مجال القصة القصيرة جدا. ولا بد من التعامل مع آلية مرئية مختلفة عن الكتاب والورق لإيصال الإبداع والأدب إذا أريد للإبداع ان يصل إلى الأجيال القادمة من القراء.. كتاب مرئي قد يكون الحل باستخدام الكمبيوتر، الأقراص الممغنطة، الشاشة، علينا التعامل مع الألفية القادمة بلغتها حتى نستطيع التواصل معها. ـ هل ترى في واقع القصة الأردنية عافية إذا ما قورنت بأزمة الشعر المصاب بعمى الألوان؟ ـ أظن ان حالة الشعر في الوطن العربي وليس في الأردن فقط يقع تحت وطأة حالة التخبط والقلق وعدم الثبات.. وما هذا السجال القائم دائما حول قصيدة النثر إلا جانب من الخلاف والاختلاف حول الشعر الحديث، بينما في القصة الخلاف اقل، وحالة التجريب فيها مدروسة ومؤسسة أكثر. وفي الأردن اعتقد ان القصة قطعت شوطا من الجودة والعطاء والإبداع توازي فيه الإبداع في الدول العربية وتنافس أيضا. لأن هناك حدة في التعامل مع هذا الإبداع وهناك تواصل حقيقي مع التجارب العربية في القصة وهناك أسماء بدأت تخرج من ضيق الجغرافيا إلى رحابة الإبداع عربيا وإنسانيا مما رفد التجربة وأغنى فن القصة في الأردن. عمان ـ « البيان » : _ عمان ـ «بيان الثقافة»