الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 (وعلم آدم الاسماء كلها).. هذه الآية الكريمة كانت موضوع البحث العلمي الذي أعده د. جودة عبد العزيز محمد أستاذ الرمد بكلية الطب جامعة الأزهر. في البداية قال الباحث إن هذه الكلمات وردت في سياق قوله تعالي (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم مالا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم). ومن الآيات الكريمة تتضح ثلاث حقائق رئيسية، الحقيقة الأولى أن للخالق سبحانه وتعالي إرادة في أن يجعل له خليفة في الأرض، والحقيقة الثانية أن هذا الخليفة يمتاز على غيره من المخلوقات بأن المولى سبحانه علمه من علمه الذي لم يعطه لأحد قبله، والحقيقة الثالثة أن الخليفة أصبحت له ميزة لا يشاركه فيها أحد.. فوجبت له الإمامة والطاعة وليسجد له الجميع. تفسير علمى للآيات وفي تفسيره لقوله تعالي (وعلم آدم الاسماء كلها) قال الباحث إن كلمة (علم) معناها تحصيل شئ دائم واكتساب صفة ثابتة تصبح من مميزات مالكها ومقومات صاحبها. وكلمة (آدم) هو الخليفة في الأرض لقوله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)، وهو الذي سواه في الخلق ونفخ فيه من روحه مصداقا لقوله تعالى (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين). وكلمة (الاسماء) هي مدلول المسميات، والرمز للشئ، والشفرة للمعنى، والمعنى للصورة، وهكذا فالأسماء ليست صورا مادية فقط بل هي معان نفسية، أي أنها واقع ملموس وخيال محسوس أي أنها تشمل الخلق بصفاته ومدلولاته الحسية والنفسية.وكلمة (كلها) تحمل معنى الجمع، والجمع يشمل كل الوجوه، وجوه الكم أي العدد، والكيف أي الحجم، والزمن أي الأبد. وبالتالي فكلمة كلها تعطي المعنى أبعادا شاملة بلا حدود ولا مغالق.. فهي تحمل أسرار الخلق ما ظهر منها وما بطن، ما فات وما هو آت.وهذا يترتب عليه أن آدم المخلوق من طين، والمستوى في الخلق، والذي فيه من روح الله، والخليفة في الأرض، أودعت لديه أسرار الكون من بدء الخلق إلى نهايته علما من لدن حكيم عليم وهكذا فنحن الاحفاد نملك نعمة المعرفة اللامحدودة.. نملكها فور خلقنا ونرثها كصفة مميزة لنا ولكن لا ندري كيف نستخدمها لأن لها مفاتح وأسرار بدونها لا يمكن الإستفادة منها، وهذه المفاتح تندرج تحت أربعة مدارج يختلف تأثيرها من شخص إلى آخر على حسب قدراته وهذه المدارج هي التلقي ثم الإدراك ثم التفهم ثم اليقين. درجات تلقي العلم عن الله ويؤكد الباحث أن درجة التلقي تختص بها الحواس العادية مثل السمع والبصر، وهي الحواس التي نبتت وتفرعت أصلا من الجلد أما درجة الإدراك فيقع مكانها في مركز تجميع العمليات الأولى الموجود في الجزء الأوسط من المخ ويمثله المهاد وتحت المهاد ودرجة التفهم يقع مكانها في مركز تجميع العمليات العليا الموجود في الجزء العلوي من المخ والمسمى بالقرطاس أو الغلاف المنتشر في رقاقة على السطح ويتبعه في تجاويفه وتضاريسه وفيه تحدث غربلة المدركات وتحليلها وتصنيفها وتأكيدها وبذلك يمكن فهمها والاعتبار بها.. قال تعالى (فاعتبروا يا أولي الأبصار). أما درجة اليقين فهي درجة تكوين إحساس داخلي قائم في الأعماق ليس له مكان محدود أو وقت معلوم أو وصف مرقوم، إنما ميزة وهبة للمخلوق، زمنها يفيد ويستفيد.. وهي الدرجة التي عبر عنها القرآن بكلمة الفؤاد.. مصداقا لقول الله تعالي ما كذب الفؤاد ما رأى وقوله تعالى (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا».وهذه الدرجات الأربع موجودة مع كل الناس ولكنها تتفاوت كما وكيفا .. ومن هنا نفهم قول الله تعالى «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتو العلم درجات». القدرات الروحية في تلقي علم الله ثم انتقل الباحث للحديث عن درجات العلم، والقدرات الروحية، والنفحات الإلهية التي يهبها الله للصفوة من عباده المخلصين وهي درجة الوحي والإيحاء وهي درجة القدرة على إيصال الفكر والأمر للغير دونما أي إتصال حسي.. نتبين ذلك من قول الله تعالى «إن هو إلا وحى يوحي علمه شديد القوى» وقوله تعالى «وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه» وقوله تعالى «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم».. ثم درجة الاستقراء الفكري، وهي القدرة على قراءة الافكار ومعرفة الاحداث، ويتبين ذلك حينما يخبرنا الله تعالى في سورة الكهف بقصة صاحب موسى الذي أتى ببعض الاعمال لم يستطع عليها موسى صبرا فقال له «سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا، أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، اما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا». وتأتي بعد ذلك درجة التخاطر وهي القدرة على الإستجابة على البعد.. كأن تريد شيئا من آخر فيستجيب لك وينفذه دون أن يعلم أنك ترغب فيه.. ثم تأتي درجة التهاتف وهي القدرة على السماع على البعد «يا سارية الجبل» فسارية كان قائدا لجيش المسلمين أيام عمر بن الخطاب.. وكان أمير المؤمنين يخطب في المسلمين ذات يوم وفجأة قال: يا سارية الجبل، فتعجب الناس، فلما عاد الجيش قال قائده سارية إن الدائرة كانت على المسلمين.. فسمعت صوتا يقول يا سارية الجبل فانحزت بالجيش إلى الجبل لأحمي ظهره، فكانت الغلبة للمسلمين. ثم نصل لدرجة الجلاء البصري وهي القدرة على الرؤية على البعد.. أي ترى شيئا بعيدا عنك كما في حالة عمر بن الخطاب وسارية. وتأتي بعد ذلك درجة الإستقراء الزمني وهي القدرة على الرؤية عبر الزمن كما تبين ذلك من سورة الروم. «الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويؤمئذ يفرح المؤمنون» وفي سورة يوسف (قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون). وهناك في هذا المجال القدرة المعجزة أي إتيان الخوارق كما في قول الله تعالى «قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين، قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك». وأخيرا هناك درجة التخفي والتجلي، أي القدرة على الاختفاء والظهور في مكان آخر في نفس الوقت.. كما في قوله تعالى «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير». ويؤكد الباحث أن كل هذه الحقائق تشير إلى أن عملية التعليم ليست عملية إضافة بقدر ما هي عملية تذكير وكشف للمستور لدى الإنسان والمتوارث من آدم الذي علمه ربه الاسماء كلها وأخلفه في الأرض وأسجد له الملائكة. القاهرة ـ السيد أبو داوود: