الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 ان ألفاظ القرآن الكريم من الدقة والاحكام بحيث انه لا يمكن ان ينوب عنها غيرها، وهي جامعة مانعة، واقعة في موضعها وقوعا متمكنا عجيبا، ومهما اجتهد اولو البلاغة، وارباب الفصاحة والبيان لكي يوجدوا لفظا مرادفا للفظ قرآني، يقوم مقامه، أو يغني عنه، أعياهم ذلك. ان هذا القرآن كلام الله، تنزيل من عنده على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولذا قال - عز وجل - في وصفه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) النساء 82. وحسبنا في هذا المقام ان نضرب مثالا واحدا من كتاب الله تعالى نتلمس فيه هذا الاعجاز اللفظي الذي نتحدث عنه متمثلا في الدقة والبيان والايجاز. قال تعالى في سورة التوبة أو براءة في موطن الحث على النفرة والجهاد في سبيل الله: (انفروا خفافا وثقالا) التوبة 41. إن من ينظر في الفاظ هذه العبارة القرآنية ليدرك عمق دلالتها، وغناها بالإيحاء، ووفرة المعاني فيها، ولذلك وجهها المفسرون في اكثر من وجه، واوردوا لها عددا من التأويلات، وقد اوصلها بعضهم إلى تسعة وجوه، أو عشرة، وذلك كله لما في لفظي «الخفاف والثقال» من الغنى والثراء. روي عن ابن عباس وقتادة في تفسير هذين اللفظين انهما بمعنى: «نشاط وغير نشاط» أي من خفت عليه الحركة ومن ثقلت عليه، وذكر وجه ثان وهو ان الخفيف: الغني، والثقيل: الفقير، وقد قال به مجاهد، وذكر وجه ثالث، وهو ان الخفيف: الشاب، والثقيل: الشيخ، قاله الحسن، وذكر زيد بن علي والحكم ابن عيينه، وجها رابعاً وهو ان المقصود المشاغيل وغير المشاغيل. وقال زيد بن اسلم: الثقيل الذي له عيال، والخفيف الذي لا عيال له، وقيل: ان الثقيل الذي له ضيعة يكره ان يدعها، والخفيف الذي لا ضيعة له، قال ابن زيد، وذكر وجه سابع، وهو ان الخفاف: الرجال، أي الراجلون، والثقال: الفرسان، قاله الاوزاعي، وذكر وجه ثامن، وهو ان الخفاف الذين يسبقون إلى الحرب كالطليعة، وهو مقدم الجيش، والثقال: الجيش بأسره، وذكر وجه تاسع، وهو ان الخفيف، الشجاع، والثقيل: الجبان. وعلى الرغم من ان الامام القرطبي - عليه رحمة الله - الذي ذكر هذه الاقوال جميعا رجح القول الاول، وهو ان الخفاف: النشاط، القادرون على الحركة، وان الثقال: غير النشاط، الذي لا يقدرون على الحركة، الا ان كثيرا من هذه المعاني الاخرى التي ذكرت يحتملها اللفظ القرآني. وقد ورد عن جلة من الصحابة - رضي الله عنهم جميعاً - من القصص والاخبار ما يشعر بفهمهم لكثير من هذه المعاني والدلالات التي ذكرناها، أو احساسهم ان الالفاظ تحملها. روي عن ابن ام مكتوم الاعمى انه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: أعلي ان أنفر؟ فقال: «نعم» حتى انزل الله تعالى قوله: (ليس على الأعمى حرج) النور 61. وكان ابوطلحة، فيما روى عنه ابن عباس، يقول: «انفروا خفافا وثقالا» أي شبانا وكهولا، ما سمع الله عذر احد، وقد خرج إلى الشام فجاهد حتى مات رضي الله عنه، وكان ابوطلحة قد قال لأولاده، أى بني، جهزوني جهزوني، فقال بنوه: يرحمك الله، لقد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، قال: لا، جهزوني، فغزا في البحر، فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة ايام، فدفنوه فيها، ولم يتغير رضي الله عنه. واسند الطبري عمن رأى المقداد بن الاسود بحمص على تابوت صراف، وقد فضل على التابوت من سمنه، وهو يتجهز للغزو، فقيل له: لقد عذرك الله، فقال: اتت علينا سور البعوث، سورة براءة: (انفروا خفافا وثقالا). وقال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت احدى عينيه، فقيل له: انك عليل، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فان لم يمكني الحرب كثرت السواد، وحفظت المتاع. وروي ان بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له: يا عم، ان الله قد عذرك، فقال: يا ابن اخي، قد أمرنا بالنفير خفافا وثقالا. وهكذا حمل لفظا «الخفاف والثقال» في الآية معاني ودلالات كثيرة، فهمها جميعا جيل الصحابة ومن جاء بعدهم، فعملوا بها وطبقوها، فنفر - في سبيل الله، وجاهد لاعلان كلمته - الشاب والشيخ، والقوي والضعيف، والصحيح والمريض، والغني والفقير، والفارس والراجل، وغير هؤلاء وأولئك ممن تشملهم دلالة هذين اللفظين القرآنيين المعبرين. د. وليد قصاب