الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 يعتبر مسجد السلطان أبوالعلا أحد أهم مساجد القاهرة واليه ينسب حي بولاق العريق وكوبري أبوالعلا الشهير الذي انشاء عام 1912 وأزيل منذ 3 سنوات ويحظى المسجد برعاية أهالي بولاق كما يحظى صاحب المسجد بمنزلة خاصة عندهم ويعود تاريخ انشاء هذا المسجد الى القرن التاسع الهجري في زمن المماليك الجراكسة وهو نفس القرن الذي انشئت في بداياته قرية بولاق. بعد أن تكونت كجزيرة أمام أرض اللوق عام 713م وينتسب المسجد العريق الى الشيخ صالح حسين أبي علي المكنى بأبي العلا وهو من الولاة أصحاب الكرامات والمكاشفات حسب الروايات الصوفية عنه حيث بالغت الروايات في كراماته وقد سكن الشيخ في خلوة بزاوية قريبة من النيل في القرن التاسع الهجري وأعتقد فيه الناس وكثر مريدوه وكان من بينهم التاجر الكبير نور الدين بن محمد القنيش البرلسي فطلب منه الشيخ أن يجدد زاويته وخلوته التي كان يتعبد بها فأنشأ له هذا المسجد وألحق به قبة دفن فيها الشيخ أبوالعلا عندما توفى بعد بناء الجامع بسنوات معدودة وكان هذا المسجد عند انشائه يقع على مساحة 843 مترا في زمن ازدهرت فيه العمارة الاسلامية وظل المسجد منذ انشائه عام 890 هـ ـ 1485م يحظى بمكانة عالية حتى وصف بأنه حرم حي بولاق المحبب الى سكانه إلى أن سقط سقف ايوانه الشرقي اثناء الاحتفال بمولده عام 1922م فتعطلت الشعائر فيه حتى أمر الملك فؤاد الأول بتجديده وتوسعته عام 1925م فقامت وزارة الاوقاف بتنفيذ أوامره وقامت بنزع بعض الاملاك حوله لتصل مساحته الى 1264 مترا وهي المساحة التي يشغلها المسجد الآن. عمارة المسجد ويتميز مسجد السلطان أبوالعلا بروعة العمارة ودقة التنفيذ شأنه شأن بقية المساجد في العصر المملوكي الذي ازدهرت فيه العمارة الاسلامية، وقد انشئ المسجد على طراز مدرسة ذات أربعة أيوانات متعامدة غنية بالنقوش والكتابات، أما الباب الرئيسي فهو مبني من الحجر وله عقد مدائني بطاقية مقرنصة مكتوب عليه قوله تعالى «وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم» وتتكون المنارة الحجرية الموجودة على يسار الباب من ثلاث دورات حليت الدورة الأولى منها بجفون وعقود، كما حليت الثانية بخطوط متقاطعة على شكل شرفات أما الدورة الثالثة فقد قامت على عمد رخامية صغيرة وكتب على أحزمة القاعدة وأسفل مقرنصات الدورات الثلاث آيات من سورة تبارك كما كتب على يسار الباب انشأ هذه المدرسة المباركة من فضل الله وجزيل عطائه العبد الفقير الى الله تعالى نور الدين بن علي بن محمد القنيش. وتغلب البساطة على قبة المسجد من الخارج أما من الداخل فتوجد بها زخارف مدقوقة بتواشيح المحراب والشبابيك وكتابة تاريخية مثل الموجودة على يسار الباب من الخارج كما يوجد برقبة القبة شبابيك ومضاهيات منقوشة بنقوش هندسية ملونة. أما نجارة المسجد فقد كانت على جانب عظيم من الدقة والابداع ولم يبق منها الا المنبر الذي يعد فخر المنابر الاسلامية في دولة المماليك الجراكسة حيث طعمت حشواته بالسن والزرنشان وامتازت جوانبه وأبوابه بتقاسيم فريدة وخاصة في دائرته الكبرى التي تتوسط ريشتي جنبيه فهي لم توجد في منبر آخر مثله. وقد زاد من أهميته وجود اسم صانعه المكتوب على باب المقدم بما نصه نجارة العبد الفقير الى الله تعالى علي بن طنين بمقام سيدي حسين أبوعلي نفعنا الله، وقد عهدت به وزارة الاوقاف عند تجديد المسجد وتوسعته عام 1925 الى ادارة حفظ الاثار الاسلامية لوضع تصميم لتجديده راعت فيه الحفاظ على الاجزاء القديمة وادماجها فيه على ان تكون جميع تفاصيله مماثلة لمنشآت القرن التاسع الهجري وروعي فيه أيضا أن تكون أبوابه ثلاثة كما كانت ووضع التصميم الجديد مكونا من أربعة أيوانات سقوفها مرفوعة على عقود من الحجر الأحمر والأبيض وترتكز على عمد رخامية تحدق بصحن غطى بسقف مذهب تحيط به شبابيك بمربع الصحن كتب فيه آيات قرآنية وعبارة تفيد تجديد الملك فؤاد للمسجد، وقد ابتكرت طريقة لعمل السقوف الأثرية بالأسمنت المسلح في ذلك الوقت زيادة في المتانة وقسمت على شكل الأسقف الخشبية القديمة ونقش وذهب باتقان لا يترك مكان للشك بأنه من الخشب، وقد تنوعت النقوش في الايوانات الأربع فالشرقي والغربي متماثلين أما القبلي والبحري فهما بشكل آخر، أما ايوان المحراب فقد كسيت جدرانه بوزرة رخامية تنتهي في اعلاها بدوائر ملونة ثم أفريز رخامي دقيق وبداخله محراب من الرخام الرقيق تنوعت زخارفه وألوانه اضافة الى عمودين قواعدهما وتيجانهما عربية ويحيط بالمحراب من أعلى مجموعة من الشبابيك الجصية التي تنوعت في أشكالها وفي مؤخرة الجامع دكة المبلغ وهي من الرخام وحليت بزخارف عربية مذهبة. ونقشت الأوتار الرابطة للعقود. سلطان العاشقين وقد تناول التجديد واجهاته الثلاث الشرقية والقبلية والغربية حيث بنيت بالحجر الأبيض والأحمر على التعاقب بارتفاع 135 متراً وغطت شبابيك الواجهات بمقرنصات متنوعة وزجاج ملون. وقد حصل الشيخ أبوالعلا صاحب الكرامات على لقب سلطان العاشقين وهي أعلى مرتبة في التصوف ولكن الغريب أن أهالي بولاق والقاهرة يعتقدون حتى الآن انه من سلاطين المماليك، ولكن لم يذكر التاريخ شيئا عن سبب التسمية ولكن كل الكتب اجمعت على كونه شيخا تقيا وله كرامات وقد وصفه عبدالوهاب الشعراني في الطبقات الكبرى بأنه كبير الأولياء وقيل عنه في كتب أخرى انه ولي محلي لأهالي بولاق ويعتقدون فيه ويبجلونه ويترددون باستمرار على مقامه الموجود على يسار الداخل الى المسجد من الباب الرئيسي بشارع 26 يوليو ويضعون فيه النذور والشموع، ويعد مولد السلطان أبوالعلا أهم الموالد بحي بولاق الشعبي العريق رغم وجود أولياء آخرين كثيرين بعضهم من آل البيت وكان الاحتفال بمولده يستمر حوالي أسبوعين وتقام الزينات في شوارع وحواري بولاق ويفترش الباعة الحارات والشوارع المحيطة به ويستمر السهر حتى الصباح وينتهي المولد بالزفة الكبيرة التي تطوف بولاق بالبيارق والاعلام والدفوف ونماذج تمثل كل المهن على عربات تجرها الحمير وقد وصف الانجليزي مكفرسون في كتابه الموالد في مصر مولد السلطان أبوالعلا بأنه من أكبر الموالد في القاهرة وانه يستمد شعبيته من كونه وليا محليا وقال مكفرسون الذي عاش خمسين عاما في مصر خلال النصف الاول من القرن العشرين ان الاحتفال بمولد السلطان أبوالعلا متعة حقيقية لكل من يشاهده وقال لم أشهد جمعا متحمسا وضخما في القاهرة مثل الذي احتشد في بولاق في هذا اليوم المبارك. وبمرور الايام لم يعد الاحتفال بمولد السلطان أبوالعلا بنفس الأهمية ولم يعد هناك زحام بعد أن أزيل ما حول المسجد من مبانى قديمة وبعد أن أصبح مبني وزارة الخارجية مجاورا لمبنى المسجد فبات من الصعب الاحتفال بالمولد بصورته القديمة، حتى مجموعة المقامات التي كانت تحيط بمسجد السلطان مثل الشيخ موفق والعراقي وبعضها أزيل وبعضها مازال قائما لكن داخل حديقة وزارة الخارجية ورغم أن عدد سكان بولاق في تراجع مستمر بسبب تهدم بعض المنازل القديمة وبسبب ازالة اجزاء منها للمنفعة العامة الا أن مسجد أبوالعلا مازال يمثل لمواليد هذا الحي قيمة خاصة ويحرص الكثيرون منهم على الذهاب الى بولاق لصلاة الجمعة في مسجد أبوالعلا من منطلق الحب والاعتقاد في كرامات هذا الولي الصوفي ومازال مولد السلطان أبوالعلا يمثل لهم ذكرى جميلة يحرصون على احيائها. القاهرة ـ هشام الهلوتي: