الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 روى البيهقي واحمد والبزار، عن ام سلمة رضي الله عنها قالت: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطجع ذات يوم، فاستيقظ وهو حائر دون ما رأيت منه في المرة الاولى، ثم اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقلبها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟! فقال: اخبرني جبريل ان هذا مقتل بأرض العراق للحسين. قلت له: يا جبريل أرني تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه تربتها..». كانت هذه الرؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم تنبئ عن نهاية حفيده الحبيب الحسين بن علي رضي الله عنهما، وكم صنفت كتب ورسائل في اخباره او اخبار الحسن اخيه، او اخبار ابيهما رضوان الله عليهم، وهذه المصنفات منها الغث والسمين، ومنها المسهب والمقتضب، وتحقيق الروايات من حيث الصحة والضعف، شغل بها علماء جهابذة، افنوا اعمارهم في تخليص التراث النبوي مما شابه من الاكاذيب، حتى اذا كان راوي الحديث، عالم من علماء الامة الذين اشتغلوا بعلم الحديث، يستطيع الانسان ان يقبل ما يرويه من احاديث، لأنه لا يرد على الخاطر او يورد حديثا يعلم هو قبل غيره، انه ليس من اقوال النبي صلى الله عليه وسلم ومن هنا فقد نقلت الحديث المتقدم او الرواية المتقدمة عن الحافظ بن كثير، والعهدة عليه..! وغني عن البيان ان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبعد ان يكون احيط علماً من ربه، من الغيب الذي يطلعه عليه، بما سيكون عليه حال احبابه من اهله واولاده وازواجه، فهذا كله ليس ببعيد ابداً على نبي بقدر النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، مما يجعلنا نقبل ذلك ونؤمن به، ايماناً قانعاً راضياً..! وليس من مسلم يجهل قدر الحسين عند جده صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه وفي اخيه: انهما: (سيدا شباب اهل الجنة)، وهذه نبوءة صحيحة النسبة الى النبي صلى الله عليه وسلم وبشرى بالجنة، والذي يكون سيداً لشباب اهل الجنة، لابد ان يكون صالحاً، وفرق كبير بينه وبين من يدخلها بالعفو والمغفرة، او بعد سداد ما عليه من حقوق لغيره ولو كان في الحسين شبهة انحراف، لغلبه الى الحق اصله، ولجذبه الى الهداية بذرة النبوة والايمان فيه، وصدق ربنا تبارك وتعالى حيث قال: «والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امريءٍ بما كسب رهين» (21/الطور) ان قضية الحسين تحتاج اعادة نظر من الدارسين والباحثين، مع استصحاب العدل والانصاف بلا انحياز او اجحاف، فإذا كان رفض البيعة ليزيد بن معاوية فلابد من البحث عن الدوافع التي يمكن ان تقف وراء رفض مثل الحسين لهذه البيعة، بينما سلم الكثيرون في كل صقع من ديار المسلمين بها..! ان الحسين ليس وحده الذي رفض البيعة ليزيد بن معاوية، بل رفض ذلك كثيرون، على اختلاف بين دوافع كل رافض، نظراً لأن هذه البيعة كانت شيئاً جديداً في الاسلام، ليس معهوداً من قبل، ولم يأمر به احد، ولقد مضى على مقتل الامام علي بن ابي طالب سنوات، وحينما سأله اصحابه عن مبايعة احد من بعده، قال: لا آمركم ولا أنهاكم، وترك الأمر شورى بينهم، كذلك فعل عمر بن الخطاب من قبله، ولم يعهد فيمن سبق من هؤلاء ان ولى احد منهم ولده، أو طلب البيعة لولده من بعده، فهذا امر غريب على من عايش الاسلام في سنيه الأولى.. ثم ان معاوية في نظر الحسين، خرج عن مقتضى الصلح الذي ابرم بينه وبين الحسن بن علي رضي الله عنهما.. لأن هذا الصلح ـ وهو معاهدة بين طرفين يلتزمان ببنودها ـ كان ينص على ان يكون الامر بعد معاوية شورى بين المسلمين يولون عليهم من أحبوا.. (في كتاب: تاريخ الاسلام ـ للدكتور/ حسن ابراهيم حسن). فرأى الحسين ومن على رأيه، ان الاتجاه الذي سلكه معاوية يتحول بالشكل الاسلامي والنظام المعهود في الاسلام فيما يخص الحكم، نحو الكسروية او القيصرية، ولم يكن هو ـ معاوية ـ يخفي ذلك، بل كان يقول فيما يرويه اليعقوبي: «انا أول الملوك»..!! ومن ثم استقر في ضمير الحسين ـ والله أعلى وأعلم ـ ان منكراً يقع في سماء الأمة الاسلامية، وان ديناً في عنقه لله، ان ينتصر لدينه، وكذلك لأمته ان يعلن لها رأيه على الملأ، ببطلان هذا المفكر، وليكن ما يكون، ورفض اعطاء البيعة، وترك المدينة وذهب الى مكة فأقام بها، والناس يفدون اليه من كل مكان، يحدثونه في هذا الشأن ويتحدث اليهم، واشتهر امر اعتراضه ورفضه، واشتهر معه امر عبدالله بن الزبير، غير ان الحسين كان يتميز بما ليس لدى ابن الزبير، مما زاد من اقبال الناس عليه، وهذا الذي جعل ابن الزبير يحاول اخلاء الساحة لنفسه، باغراء الحسين بالخروج الى الكوفة وترك الحجاز، لا سيما وقد جاءته رسائل اهل الكوفة آلافاً آلافاً، تدعوه الى القدوم عليهم، وتشكو له موقف الولاة منهم ـ بصفتهم كانوا من قبل جنوداً لأبيه ـ فأرسل إليهم مسلم بن عقيل ابن عمه عقيل بن ابي طالب، ليخبره بما هم عليه، فلما ذهب مسلم وجد ترحيباً وتظاهراً بالشوق الى الحسين، والاستعداد لنصرته واحقاق الحق، وابطال الباطل، لا سيما وان البيعة لم تكن مطلوبة لشخص عرف بالصلاح، وانما كانت الشائعات تملأ الآفاق عن تعود يزيد شرب الخمر والمجون والخلاعة، فالصدور تمتلئ غيظاً عليه، والأذهان عامرة بشتى ألوان الفساد عنه، بالحق أو بالباطل، ولكنها موجودة، والله أعلم بحقيقتها وبمن وراء ترويجها، ودوافعهم ان كانت نزيهة ام مغرضة..! وارسل مسلم بن عقيل الى ابن عمه الحسين، يبشره بموقف أهل الكوفة، ويدعوه الى الاسراع بالحضور الى الكوفة، وصدق الحسين رسالة مسلم، فحزم أمتعته وجمع اهله وعزم على الرحيل، وما من أحد من أهله الا وحذره من الرحيل، ومن غير اهله ايضاً ممن يحبه ويخشى عليه، والجميع كان في واد، وهو كان في واد آخر، لقد كان الذي يشغل الحسين ويؤلمه ويقض مضجعه، ان يرى الأمة كلها تتلقى تصرف معاوية بالبيعة لابنه، وتوليته بعد وفاة ابيه، بالقبول والاذعان الصامت، ولا يخرج صوت من بين ربوع الأمة، يقول: هذا منكر لا يوافق عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يليق بالاسلام، وانا ارفضه..!! واذا كان الامر كذلك، فليكن هو هذا الصوت الصارخ في البرية حاملاً للنكران والرفض، الذي يعلن خطأ ما تم من تصرف، ولم يكن يخطر بباله وظنه انه سيكون بحاجة الى القتال، ومن ثم فقد صحب زوجاته او اخوته وابناء اخوته وتسعة عشر رجلاً من بني عبدالمطلب، رغم رجاء عبدالله بن عباس له بعدم اصطحاب اهله معه، كما روى ابن كثير ان ابن عباس قال ليزيد: اني لأرجو ألا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست ادع النصيحة له في كل ما تجتمع به الألفة وتطفأ به الثائرة.. ودخل ابن عباس الى الحسين فكلمه قائلاً: انشدك الله، ان تهلك غداً بحال مضيعة، فلا تأتي العراق، وان كنت لابد فاعلاً فأقم حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون عنه، ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة فأبى الحسين الا ان يمضي الى العراق، فقال له ابن عباس: والله اني لأظنك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك، كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله اني لأخاف ان تكون انت الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا اليه راجعون. فقال له الحسين: ابا العباس انك شيخ قد كبرت، فقال له ابن عباس: لولا ان يزري ذلك بي وبك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم انا اذا تناشبنا أقمت لفعلت، ولكن لا أخال ذلك مانعك..! علي عيد