الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 من الاتهامات الباطلة التي ألصقت بالدين الإسلامي ويروج المغرضون والمشككون فيه من كل صوب وهي: ان الإسلام هو السبب الرئيسي في تخلف المسلمين وان الواقع المنظور هو خير دليل على ذلك حيث تقع جميع الدول الاسلامية بلا استثناء بين مصاف دول العالم الثالث والنامي والمتخلف مما يدلل على صحة هذه التهمة.. هذه الاتهامات يرفضها علماء الاسلام لانها في حقيقتها خالية تماما من الصحة إذ انه ليس من الانصاف تحميل الإسلام ذنب تخاذل وتراجع المسلمين.. ولكن على العكس فإننا نجد أن ابتعاد المسلمين عن تعاليم دينهم وعن التمسك بجوهر الإسلام وشريعته السمحة هو السبب الحقيقي فيما آلت اليه أحوال الامة الاسلامية.. يقول مفتي الديار المصرية السابق د نصر واصل أن أسباب تخلف الأمة الإسلامية في الوقت الراهن والتي لا يختلف عليها اثنان تكمن في سببين رئيسيين أولهما حالة الشقاق والخلاف والتنافر التي يعيشها المسلمون بدون مبرر والتي تنعكس في مجملها على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية وتكرس التخلف والفقر في ديارهم بينما السبب الثاني هو اعتماد المسلمين على غيرهم بصورة مطلقة لبناء حضارتهم ونسيان ذواتهم وعدم مساهمتهم بشيء في إنتاج هذه الحضارة القائمة.. فضلا عن ان الإسلام يأبى على اتباعه ان يكونوا مجرد مستوردين لكل معطيات هذه الحضارة والتكنولوجيا وفرق كبير بين امتلاك الحضارة وبين صنعها ويضيف أن الأمة أن تضع هدفا استراتيجيا لها يقوم على الاستفادة من الخبرة الأجنبية في معرفة أسرار هذه التكنولوجيا ثم يتم بعد ذلك بناء صناعة وطنية خاصة بنا وتتحول تدريجيا من مجرد مستهلكين لمنتجات الحضارة إلى مساهمين في هذا الإنتاج كما يأمرنا ديننا، وعلى المسلمين أن يدركوا انه لابد من الاعتماد على الذات واخذ النفس بالعزيمة لكي يصبحوا أقوياء في دينهم وفى اقتصادهم وفى تسليحهم وكل ما يتعلق بحياتهم ووجودهم ومستقبلهم ويوم يتحقق ذلك يكونون قد استجابوا لبعض ما أمر به دينهم حتى يخرجوا من هوة التخلف والتبعية التي وقعوا فيها بسبب بعدهم عن منهج وشريعة الله وتعاليم الإسلام. ومن جانبه بدأ مدير ادارة القرآن بمجمع البحوث الاسلامية فضيلة الشيخ محمد سعيد كلامه بالتأكيد على ان تنكر المسلمين للاسلام وبعدهم عن منهجه هو سبب تخلفهم. وأضاف ان مجرد التجول السريع عبر تاريخ الامة الاسلامية يثبت لنا كذب هذا الاتهام الذي يوجهه الغرب للإسلام وإذا رجعنا الى تاريخ ما قبل الإسلام ونظرنا في خريطة العالم نجده كان ينقسم إلى قسمين او تتنازعه قوتان هما فارس و الروم والكل يعيش في ظلمات الشرك والإلحاد وعبادة الملوك والناس ناهيك عما كان يعم المجتمعات من مفاسد اخرى واذا جئنا نبحث عن العرب من هم وما هم نجد أن العرب كانوا عبارة عن قبائل متناحرة يسطو فيها القوى فيهلك الضعيف، ويتطاول الغنى على الفقير وان كان في العرب آنئذ بعض المبادئ والقيم كالنجدة والصدق والمروءة الا أنه كانت تنتشر بينهم مفاسد وقبائح كالبغاء والربا والعلاقات الاجتماعية غير المنضبطة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان العرب لم يكن لهم ذكر أو اثر على خريطة العالم... فلما اراد الله للعرب ان يكونوا شيئا له كيان اصطفى منهم خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون لهم به وما انزل عليه من ذكر وشرف ومكانة وصدق الله العظيم اذ يقول: (لقد أنزلنا اليكم كتابا فيه ذكركم) ويقول تعالى: (وانه لذكر لك ولقومك) فبهذا القران وهو دستور الإسلام وبهذا النبي الذي تحمل تبعات الإسلام بعد ان أعده الله لحملها بدأ يظهر نجم العرب بالإسلام الذي جمع شتاتهم ووحد صفهم فكانوا أمة بل: (خير أمة اخرجت للناس) كما اخبر ربنا لأنهم صاروا حملة لمشعل الهداية والنور الذي جذب القلوب إليه وجمع الأرواح حوله فانساب به إلى مشارق الأرض ومغاربها يفتح القلوب ويشرح الصدور وينير الطريق فيدخل الناس في دين الله أفواجا لانهم يجيدون فيه المعرفة التي فقدت منذ زمن، والعلم الذي لم يعرفوه من قبل ذلك لان القران الكريم وهو دستور الإسلام الأول كان أول ما نزل منه دعوة إلى العلم والمعرفة والتعلم فيقول الحق تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرا وربك الاكرم، الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم). وأشار الى ان سلفنا الصالح ادرك هذا فعاشوا بالدين وللدين وفقهوا كتاب الله وايقنوا بوعد الله فكان لهم ما وعدهم الله: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) حيث انتصر السابقون أولا على أنفسهم وأهوائهم فكانوا بنعمة الله اخوانا فقويت شوكتهم وصلب عودهم فأصبحوا في زمن وجيز لا يتجاوز ربع قرن امة من أقوى الامم.. استطاعت ان تقضي ـ بعون الله ـ على قوتي البغي والظلم في الشرق والغرب وتنشر العلم والمعرفة ونور الهداية إلى الله رب العالمين، وظهر في دولة الإسلام علماء في مختلف مجالات العلم في الطب والهندسة والفلك وغيرها بينما كان العالم في شرقه و غربه يعيش في ظلمات الجهل والإلحاد، وما عرف الشرق والغرب طريق العلم إلا بعد أن احتكوا بالمسلمين واقتبسوا من أشعة الإسلام ما أنار لهم الطريق. وإذا شئت فسل التاريخ عن بن سينا، وبن رشد، وبن النفيس، وغيرهم كثي... كثير، واسأل عنهم المنصفين من أهل الغرب فانهم لا يسعهم إلا أن يعترفوا بفضل هؤلاء العلماء المسلمين على النهضة العلمية في بلاد الغرب. ويضيف الشيخ محمد سعيد: من هنا يتضح أن العلماء المسلمين الأوائل وأئمة الحضارة والنهضة والعلم والمعرفة في العصر الحديث بسبب عكوفهم على دستور الإسلام وهو القرآن يتدارسونه ويدرسون ما فيه وما يرشدهم إليه من علوم ومعارف ملتزمين منهجه لا يحيدون عنه فكان لهم قيادة قافلة الحضارة والمدينة، ولكن الغرب تطلع إلى معرفة سبب تقدم المسلمين فاقتبسوا من معارفهم وتتلمذوا على ما جاءت به قرائح العلماء المسلمين ففتح أمامهم طريق التقدم والتحضر، وبعد الرعيل الأول من علماء الإسلام الذين وضعوا أسس الحضارة والتقدم خلف من بعدهم خلف غفلوا عن كنوز المعرفة التي تركها لهم أسلافهم وتطلعوا إلى الغرب الذي سار في طريق العلم بخطى واسعة فظنوا ان الغرب انطلق في طريق التقدم لأنه لم يكبل بقيود الدين!!، وخيل اليهم ان سبب تخلف المسلمين هو تقيدهم بمنهج الإسلام فاخذوا يبحثون عن طريق غير طريقه كي يتقدموا ويلحقوا بركب الحضارة وهيهات أن يجدوا إلى التقدم والفلاح سبيلا بعيدا عن منهج الله الذي يعلم المفسد من المصلح، ولن يصلح هذا الأمر إلا بالعودة الى الله والتمسك بدينه والسير على منهجه وإخلاص العمل له إخلاصا يقوم على الخشية له والخوف منه والاعتزاز به والثقة بوعده والاعتصام به حيث يقول تعالى:(ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم)، وما أعظم شفافية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وما أجمل وأدق تعبيره عندما قال في هذا المعنى: (لقد كنا معشر العرب أذل الناس فأعزنا الله بالاسلام فإن ابتغينا العزة في غير الإسلام أذلنا الله).. وهذا هو المنطق الذي يصدق الواقع ويكذب ادعاءات الغرب المناهضة للاسلام. أما الدكتورة زينب الاشوح استاذ الاقتصاد الاسلامي بتجارة الازهر فقد اكدت ان الإسلام استطاع ان يقيم حضارة سادت بما تميزت به من جوانب العظمة في الناحية الاقتصادية والنهضوية والصناعية والعلمية والانسانية وفوق هذا كله البعد الايماني والروحي الذي كانت البشرية تتعطش له مما جعلها من اعظم الحضارات التي خلفت اثارا شامخة ما زالت شاهدة على عظمة الحضارة الاسلامية في الاندلس وفي بلاد ما وراء النهر والهند والسند وسيبيريا وادغال إفريقيا. وتوضح أن ابتعاد المسلمين عن تعاليم الإسلام وتركهم روح الشريعة الاسلامية ونسيان الاحاديث والتوجيهات النبوية التي تحض على العمل وتعلي من شأن العامل وتطالب باتقان العمل بعيدا عن الفهلوة والتكاسل وانتشار المحسوبية والرشوة في كل شئ ادى الى تخلف المسلمين فكان بعد المسلمين عن دينهم هو السبب الاساسي في تخلفهم وليس تمسكهم بالاسلام كما يزعم المشككون والمعادون للاسلام بذلك.. فضلا عن ان تاريخ المسلمين ينفي هذه التهمة تماما اذ انهم ترجموا كل ما وصلت اليه ايديهم من العلوم والتجارب الحضارية السابقة من الفارسية والهندية والرومانية والصينية. وتشير الدكتورة زينب الى انه من الظلم البين للاسلام الربط بين الواقع المتدني للمسلمين اليوم وبينه حيث ان الإسلام برئ من هذا الوضع وان الابتعاد عنه هو السبب وليس التمسك به فضلا عن ان هذه مرحلة عابرة في حياة الامة ستجتازها ان شاء الله وذلك بالعودة الى صحيح الإسلام وروح الشريعة حتى يتحقق لنا ما نريده للخروج من هوة التخلف التي نعاني منه. القاهرة ـ مجاهد المليجي