الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 كانت زوجة مؤمن آل فرعون آمنت برب موسى وهارون وشم النبي صلى الله عليه وسلم رائحتها ليلة الإسراء والمعراج وكانت رضي الله عنها تتولى تسريح شعر بنت فرعون. فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« لما أسرى بي مررت برائحة طيبة فقلت لجبريل ما هذه الرائحة؟ قال : هذه ماشطة آل فرعون وأولادها كانت تمشط ذات يوم شعر بنت فرعون فوقع المشط من يدها فقالت : بسم الله فقالت بنت فرعون :أبي؟ قالت : لا بل ربي ورب أبيك فقالت لأخبرن بذلك أبي فلما أخبرته دعا بها وبولدها قال لها : من ربك؟ فقالت : إن ربي وربك الله فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى فيها فقالت له : إن لي إليك حاجة فقال : وماهي ؟ قالت : تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنا جميعاً. قال : فلك ذلك لما لك علينا من الحق ثم أمر بأولادها فألقوا واحداً واحداً حتى بلغ رضيعاً فيهم فقال : ياأمة قعي ولا تقاعسي فإنك على الحق» وفي رواية:«فلم يزل أولادها يلقون في البقرة حتى انتهى إلى ابن لها رضيع فكأنها تقاعست من أجله فقال لها : ياأماه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» أخرجه أحمد وقال ابن كثير إسناده لا بأس به ولم يخرجوه. فلقد طال حبل الأشرار وطال ليل ظلمهم والله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. لقد علا فرعون في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم. توجه موسى وأخوه هارون إلى الله بالدعاء :( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ». يارب إنك أعطيت فرعون والأشراف من قومه زينة الدنيا وبهجتها من الأموال والثياب الفاخرة والقصور والجنائن والسلطان لكنهم قابلوا هذه النعم بالعناد والكفر وصرفوا الناس عن الإيمان بك اللهم امحق أموالهم وزد قلوبهم قسوة وعناداً فلا يوفقوا للإيمان حتى يروا العذاب الأليم رأى العين يصيبهم. بهذا دعا موسى ربه وأمن على قوله أخوه هارون فقال الله لهما : قد أجيبت دعوتكما فاستمرا على السير في الطريق المستقيم واتركا سبيل أولئك الذين لا يعلمون سبيل الحق الذي وضح لكما. استجاب الله تعالى دعاء موسى وأخيه هارون عليهما السلام وصب العذاب على قوم فرعون صباً ولا عدوان إلا على الظالمين. قال تعالى:«ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم بذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون وقالوا مهما تأتينا به من اية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين ». يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون وهم قومه بالسنين وهي أعوام الجدب التي لا يستفد فيها بزرع ولا ينتفع بضرع. وقوله :« ونقص من الثمرات» وهي قلة الثمار من الأشجار قال كعب : كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة. وأرسل الله عليهم: الطوفان : قال ابن عباس : هو كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار وقال مجاهد : الطوفان: الماء والطاعون على كل حال.«والجراد» وهو آفة تأكل الزرع والأشجار والأبواب والثياب والأمتعة وفي عصرنا حدثت آيات مثل «النمل الأبيض» الذي انتشر في بلاد الصومال وغيرها وكان فيما ذكر يأكل الحديد وكذلك البكتريا آكلة لحوم البشر «ومايعلم جنود ربك إلا هو» «والقمل» صغار الجراد كان يأكل المحاصيل ويدخل بين ثوب الرجل وبدنه فيمص دمه. قال سعيد بن جبير : فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري. «والضفادع» قيل : إن الله تعالى أمر موسى أن يذهب إلى النيل ويشير بعصاه من النيل إلى قوم فرعون ففعل موسى فخرجت الضفادع من النيل كأنها جيوش غازية فملأت أفنيتهم وآنيتهم وكان أحدهم لا يكشف ثوباً ولا إناء ولا طعاماً ولا شراباً إلا وجد فيه الضفادع. وقال ابن عباس : إن الضفادع كانت تقذف نفسها في القدور وهي تفور في التنانير وهي مسجورة. وصارت طرق المدينة وشوارعها وقد ملئت بجثث الضفادع «والدم» : كان أحدهم يرفع الإناء ليشرب منه فيتحول الماء إلى دم نجس فكانوا لا يشربون ماء إلا وجدوا فيه الدم. والغريب أن قوم موسى لم يصابو بأي من هذا البلاء. قال محمد بن إسحاق : فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوباً مغلولاً ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عليه بالآيات فأخذه بالسنين فأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادم ثم الدم آيات مفصلات فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئاً حتى جهدوا جوعاً فلما بلغهم ذلك «قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسل معك بني إسرائيل». فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلما لم يفوا له بشيء مما قالوا أرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر. حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم. فقالوا : مثل ماقالوا : فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم القمل فقالوا مثل ماقالوا : فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء وهكذا كلما رفعت عنهم آية عادوا إلى شر مما كانوا عليه وأعرضوا عما جاءهم به من الحق هذا والعظيم الحليم القدير ينظرهم ولا يعجل لهم ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد إليهم ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم والإعذار إليهم أخذ عزيز مقتدر فجعلهم عبرة ونكالاً وسلفاً لمن أشبههم من الكافرين ومثلاً لمن اتعظ به من عباده المؤمنين. عندما أصر فرعون وجنوده على تكذيب موسى ومخالفته أقام الله عليهم الحجج العظيمة والقاهرة وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحير العقول وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون وفي غيهم يعمهون. ولم يؤمن منهم إلا القليل كما قال الله تعالى :« فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين». ثم أوحى الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام أن يتخذا لقومهما بيوتاً مميزة فيما بينهم عن بيوت القبط ليكونوا على أهبة الرحيل إذا أمروا به ليعرف بعضهم بيوت بعض. قال تعالى:« وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ». وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. ثم جاء الأمر من الله تعالى لموسى عليه السلام بالخروج من مصر ليلاً فانطلق بقومه بني إسرائيل سراً من أرض مصر قاصداً فلسطين قال تعالى:« فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون». علم فرعون بذلك فأرسل أعوانه في الأقاليم يجمعون الناس لتجهيز جيش كبير ليقتفوا أثر بني إسرائيل وليدركوهم قبل أن يهربوا إلى فلسطين ولم يرغب فرعون أن يظهر الخوف فأذاع في مصر أن الفارين شرذمة ضئيلة لا يخشى شرها وقد أغاظوهم بهربهم وأخذهم أموالنا وحلى نسائنا وقد كنا دائماً متيقظين لهم نتتبع حركاتهم. قال تعالى:« وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حذرون» وخرج فرعون وجنوده يتبعون موسى وبني إسرائيل وتركوا وراءهم ما كانوا يتمتعون به من بساتين وجنات وعيون وكنوز من الذهب ومقام كريم من المساكن الفخمة لقد تركوا هذه النعم إلى الأبد لأنهم لن يرجعوا أبداً إلى وطنهم ولكن بني إسرائيل ورثوا مثل هذه النعم في فلسطين. قال تعالى :«فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل».