الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 عندما نظر ديلفين كيهو الى نفسه في المرأة في وقت سابق من هذا العام ارتعب لما رآه فبدلا من الوجه البشوش لرجل في الثلاثينيات من عمره، وجد في المرأة وجه رجل مكشر يبلغ من العمر 59 عاماً، ولكن كيهو لم يكن يشعر بسنه فجأة او يصحو حتى من غيبوبة طويلة وانما الامر ببساطة هو انه كان يرى انعكاس صورته في المرآة للمرة الاولى في غضون 20 عاماً. ويعتبر كيهو موضوع احدى الحكايات العديدة من المعجزات والتي تجتاح اوساط طب العيون، فبعد سنوات من فقدانهم لبصرهم بسبب مرض انحلالي ـ التهاب الشبكية الخضابي في حالة كيهو ـ تم اخضاع المرضى لعملية زراعة في العين تعيد لهم بصرهم، وتعمل ضده «الجراحات الترقيعية البصرية» عن طريق اثارة الشبكية بصورة مصطنعة باستخدام اشارات كهربائية يتم تمريرها عبر العصب البصري وصولاً الى القشرة البصرية، ومن بين الاشخاص العشرين الذين تلقوا مثل هذه الزراعة عالمياً، يزعم البعض انها اعطت صوراً واضحة ومفصلة لدرجة انهم لا يستطيعون رؤية انعكاس صورتهم في المرآة فحسب، وانما ايضا يمكنهم رؤية اشياء صغيرة بثقة كافية جعلت احدهم يقود سيارته وان كان داخل ملك خاص به. ولكن اذا كانت عمليات الزراعة تنجح بهذه الصورة، فلماذا لا يقف ملايين المكفوفين في الطابور للحصول عليها؟ الحقيقة هي انه، وعلى الرغم من القصص اللافتة، فإن العديد من الباحثين بدأوا يتساءلون كيف تعمل التقنية الحالية بصورة جيدة، فمقابل كل شخص مثل ديلفين كيو، هناك اشخاص عديدون لم تسفر العمليات الترقيعية البصرية لديهم عن اي شيء غير نقط وبقع مشوشة، وبالنسبة لهؤلاء الناس، فإن البيئة من حولهم تشبه في احسن الاحوال لعبة غزاة الفضاء المليئة بالصور المنطقة التي تحمل شبهاً طفيفاً بالواقع. والآن هناك باحث يقترح اعادة تفكير جوهرية بمباديء التصميم المستخدمة في العمليات الحالية لزراعة الشبكية ويقول كوابنيا بوهن وهو مهندس حيوي في جامعة بنسلفانيا، انه وبدلا من الاكتفاء باثارة الشبكية يتعين علينا ان نحاكي عملها، فقد ابتكر شبكية اصطناعية تحاكي عمل شبكية حقيقية في كل شيء حتى في اطلاق العصبونات الفردية، وعلى الرغم من انه لايزال يتعين عليه اختبار شبكيته في شخص ما، إلا انه واثق من ان ابتكاره يمكن في يوم من الايام ان يمنح البصر الطبيعي الكامل للاشخاص المكفوفين. هناك اسباب كثيرة تستدعي الشك بأن التقنية الحالية يمكنها ان تنتج شيئاً شبيها بالبصر الطبيعي، وجميع عمليات الزراعة التي تجري حاليا تقوم على الاكتشاف الذي تم في الخمسينيات من القرن الماضي والذي يقول ان اثارة الشبكية بنبضات كهربائية ينتج صوراً مضيئة او احساسات بصرية حتى لدى الاشخاص المكفوفين، ففي معظم الحالات يصبح الناس مكفوفين لان شبكاتهم لم تعد تستشعر الضوء، ولكن الجزء المتبقي من نظام المعالجة البصرية لديهم ـ عصبونات في الشبكية والعصب البصري والقشرة البصرية في الدماغ ـ يعمل بشكل جيد. واذا استطاعت رقاقة مزروعة ان تحث عدداً كافيا من الصور المضيئة في الدماغ، فإن المكفوفين، بحسب النظرية سيكون بامكانهم الرؤية من جديد. ولكن السؤال هنا هو: كيف تصمم الرقاقة القابلة للزراعة بحيث يحصل الناس على الصور المضيئة المفيدة؟ الحقيقة هي انه لا يوجد هناك اجماع بين العلماء على هذا الامر وقد يكون الاسلوب الاكثر وضوحا والمسمى نهج ما فوق الشبكية يتمثل في تغطية سطح الشبكية بمجموعة من الالكترودات «الاقطاب الكهربائية» بحيث يستطيع كل واحد منها ان يثير خلايا العقدة العصبية تحتها وتتلقى الاقطاب الكهربائية اشاراتها من جهاز بث يراقب المعلومات البصرية عبر كاميرا مثبتة على نظارات المريض. ولكن منتقدي هذه الطريقة لا يروق لهم الافتراض الضمني بأن خلايا العقدة العصبية هي مفاتيح تشغيل وايقاف، وفي الشبكية السليمة فإن هذه الخلايا لا تتلقى الاشارات بصورة مباشرة من المستقبلات الضوئية، فالمستقبلات الضوئية تقوم بتمرير معلوماتها الى طبقات من انواع الخلايا الاخرى التي تقوم بمعالجتها وترحيلها الى العقد العصبية، وعلى النقيض من ذلك فإنه لا توجد اية عمليات معالجة مسبقة في الرقائق التي تزرع فوق الشبكية، ويقول مارك هومايون، الذي قام فريقه بجامعة ساوث كاليفورنيا بلوس انجلوس باعطاء احد المرضى رقاقة تزرع فوق الشبكية في وقت سابق من هذا العام. وتعتبر هذه الخطوة التي تسبق المعالجة عنصراً حاسماً في عملية الابصار وتستخدم خلايا العقدة العصبية هذه الشبكة من طبقات الخلايا لمقارنة الفروقات بين الاشارات من المستقبلات الضوئية القريبة والبيانات حول التغيرات المذهلة مثل حد منطقة ذات كثافة ثابتة او حركتها عبر مجال الرؤية. ومن العجيب ان يستطيع مريض هومايون ان يرى 16 نقطة ضوئية في شكل مربع يتوافق مع مواقع الاقطاب على الشبكة ويمكن للوضوح ان يتحسن قليلاً اذا قام المريض بتحريك رأسه لمسح المجال البصري ولكن «الابصار عالي الوضوح والقريب من الطبيعي لايزال بعيداً» كما يقول هومايون. وهناك اسلوب آخر يدعى «طريقة الزراعة خلف الشبكية، وهو يبدو واعداً اكثر من الاسلوب السابق. وذلك لان الرقائق المزروعة خلف الشبكية يمكن ان تستفيد من قوى المعالجة الموجودة لدى بعض اجزاء الشبكية التي لاتزال تعمل، ولكن هذا الاسلوب له مشكلاته ايضا، وهو ما يجعل حل مشكلة عدم الابصار لدى المكفوفين يحتاج الى سنوات اخرى عديدة. ضرار عمير