الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 لعل القاريء لاحظ اننا في دراسات الحالات التي اخترناها لاختبار حصيلتنا المعرفية حول مساهمة الزخرفة الاسلامية في سياقها المسجدي قد انتقلنا من مسجد قبة الصخرة الى جامع السلطان حسن فجامع قرطبة، مما يوحي بأننا نمضي في مسار حول حوض البحر المتوسط بشكل او بآخر. لكن من الجلي اننا لا نتبع في اختيار دراسات الحالات هذه مسارا تاريخيا، كما اننا لا نتبنى منهاجا اقليميا، وإنما نضع ايدينا على النماذج التي نعتقد انها تشكل ساحات اختبار حقيقية للحصيلة المعرفية التي راكمناها حول موضوعنا. لهذا بالضبط سننتقل الى نموذج بالغ البعد عن حوض البحر المتوسط، ولكنه يحقق ما نريده من ارتحال معرفي فضلا عن شهرته التي عبرت الآفاق وتكامله الذي دفع ببعض مؤرخي الفن الى عدم التردد في وصفه بأنه المبنى الاكثر كمالا في تاريخ العمارة على الاطلاق. هذا النموذج ليس الا تاج محل، ذلك الصرح الفريد الذي يقع على ضفاف نهر يامونا، في اجرا، على بعد 150 كيلومترا الى الجنوب من دلهي، والذي تواصل انشاؤه على يد عشرين عاما ألفا من الحرفيين عبر اثنين وعشرين، تمتد من 1631 الى 1641 بأمر من الامبراطور المغولي الخامس شاه جهان. أكاد ألمس لمس اليد حيرة البعض حيال هذا الخيار، فموضوعنا هو الزخرفة الاسلامية في سياقها المسجدي ومدى مساهمتها في تكريس جماليات المكان، بينما تاج محل في ذاكرة الكثيرين وذهنهم ووجدانهم لا يعدو ان يكون ضريحا امر شاه جهان بتشييده ليضم جثمان زوجته الثانية الاثيرة ارجمند بانو بيجوم التي اشتهرت باسم ممتاز محل، أية سيدة القصر المختارة» والتي توفيت وهي تضع ابنهما الرابع عشر بعد حياة حفلت بالمحبة على نحو لا يمكن الا ان يكون اسطوريا دفع زوجها الى ارتداء الملابس البيضاء ـ والابيض لون الحداد في الهند ـ عامين كاملين حزنا عليها، كما امتنع على سماع الموسيقى او تناول الطعام المنكه طوال هذه الفترة، على الرغم من ان بلاطه كان يضم الفي موسيقي محترف. غير اني احسب ان هذه الحيرة سرعان ما تنحسر وتتراجع الى حد الاختفاء، اذا علمنا ان تاج محل في حقيقة امره ليس الا مجموعة مسجدية بالمعنى الصحيح، فهو على نحو ما سنرى عندما نتحدث عن التحليل الانشائي لهذا الصرح يتألف من مستطيل هائل يضمه سور حصين، مدخله في الجانب الجنوبي من السور حيث نجد سوقا وخانا يستخدم ريعها بالاضافة الى عوائد ارض عدد كبير من القرى الواقعة بالمنطقة في صيانة المجمع والمحافظة عليه، ثم نجد انفسنا امام حديقة ذات تصميم هندي تقليدي، وهي مربعة الشكل، تتقاطع في منتصفها اربع قنوات ري رئيسية، صانعة بركة عند نقطة تقاطعها، يعكس سطحها، كأنما هو صقال مرآة روعة المنشآت القائمة في الجانب الشمالي والتي تضم المبنى المركزي وهو الضريح الذي يحتل مساحة محدودة من اجمالي مساحة المجمع والى الغرب منه يقع مسجد المجموعة، اما الى الشرق فنجد المبنى المعروف باسم «الجواب» والذي يستخدم كمضافة لزوار المجمع. لم يأت من فراغ يستمد تاج محل شهرته التي طبقت الآفاق من عناصر عديدة، غير اننا يمكننا ان نرصد في مقدمتها اربعة عناصر محددة: ـ التاريخ العاطفي لهذا الصرح الذي اصبح اسطورة تخاطب الجانب الانساني لدى الملايين على امتداد العالم، حيث يقوم المؤرخون هذا المجمع باعتباره رمزا لوفاء الامبراطور المغولي لزوجته المحبوبة الراحلة. ـ المرمر الابيض الرائع الذي يكسو المبنى المركزي، حيث يعتقد الكثيرون أنه مشيد من هذه المادة الثمينة التي تتهددها اليوم عناصر بيئية عديدة. بينما الحقيقة ان المبنى مشيد من الاجر ثم جرى تلبيسه بالمرمر بصورة كاملة. ـ من المحقق ان الترصيع الذي يتألق في المبنى من الداخل والخارج على السواء قد اثار ولا يزال يثير ذهول الكثيرين، خاصة وأنه من المعروف انه كانت بين عناصر هذا الترصيع ذات يوم روائع من الماس واللؤلؤ فضلا عن ان الدرابزين الداخلي كان من الذهب الخالص، وقد سلب هذا كله في غمار الحروب. ـ تناسق الابعاد بين العناصر المؤلفة للمجمع وهو ما دفع مؤرخي الفن الى القول ان هذا المجمع هو الاكثر كمالا في تاريخ العمارة التي شيدها الانسان. ايا كان الامر فإن حقيقة الشهرة الطاغية لهذا المجمع لا موضع للمماراة فيها، غير انه في غمار الافتتان بالروعة المعمارية لهذا الكيان الممتدة على ضفاف نهر يامونا لا ينبغي ان تفوتنا الحقيقة الاساسية، وهي ان تاج محل لم يأت الى عالمنا من فراغ ولا عبر قفزة من المجهول، وانما هو وليد تطور منطقي في الاطار الكلي للعمارة الاسلامية وداخل العمارة المغولية التي تشكل حلقة في السلسلة الذهبية لتطور العمارة التي ابدعها المسلمون. من الناحية التاريخية، يبدو واضحا انه كان لكراهة المسلمين لانشاء الاضرحة اثر واضح في امتناع المسلمين السنيين عن بناء الاضرحة الفخمة خلال القرون الاولى من التاريخ الاسلامي. وعلى الرغم من محاولة بعض المستشرقين تفسير قبة الصخرة على انها في احد ابعادها تعد بمثابة ضريح الا ان من الجلي ان هذه المحاولة لم تقنع احدا، اذ انها تفتقر الى التماسك والحد الادنى من القدرة على الصمود للمناقشة. ومن اقدم المقابر المعروفة «قبة الصليبة» وهي تتكون من غرفة مقببة تحيط بها ممرات خارجية وتقع على نهر دجلة بالقرب من سامرا، وقد استطاع هرتزفيلد اثبات ان هذا البناء هو مقبرة الخليفة العباسي المأمون، وهو ما يعني عمليا انه قد شيد حوالي عام 828 ميلادية. وهو يبلغ من التكامل المعماري حدا يشير الى انه كان استلهاما لتقليد معماري شائع آنذاك في بناء المقابر، غير انه لا وجود لبناء من هذا الطراز ينتمي الى مرحلة زمنية سابقة عليه. ويتمثل البناء الوحيد الذي ينتمي الى عمارة المقابر والذي بقي لنا بصورة كاملة في ضريح اسماعيل الساماني في بخارى ويرجع تاريخ تشييده الى عام 927 ميلادية، حيث يشير الاختصاصيون الى وضوح التأثر العميق فيه بالعمارة الفارسية السابقة على الاسلام، وتتمثل القيمة الحقيقية لهذا المبنى في انه يسمح لنا بتصور نوعين مختلفين من التطور المعماري، الاول هو طراز المقابر الملكية كضريح سنجر في مرد (هام 1157) وضريح اولجايتو في مدينة السلطانية في شمال غرب ايران (عام 1316) والطراز الثاني يتألف من المقابر، التي لا تتعدى وظيفتها احتواء رفات الميت، حيث نجد مقابر على شكل برج مستدير او متعدد الاضلاع، والى هذا الطراز تنتمي مقبرة جنبادي قابوس التي شيدت في عام 1006 قرب مدينة جرجان على ساحل بحر قزوين. لا يحتاج المرء الى الكثير من التدقيق لكي يدرك ان تاج محل ينتمي ـ بوضوح ـ الى الطراز الاول طراز المقابر الملكية. لكن حتى في اطار تقاليد العمارة المغولية لم يكن هذا الضريح وليد لحظة مفاجئة في التطور المعماري ولا ابن قفزة مفاجئة من رحاب المجهول الى ضفاف نهر يامونا. اننا نعلم، باختصار شديد اذا كان من الممكن اجتراح مثل هذا الاختصار، ان بابر ملك فرغانة وأحد المنحدرين من نسل تيمورلنك قد اسس ملك المغول، حيث طرده الاوزبكستان من دولته التي لم تكن تتجاوز مملكة صغيرة في وسط آسيا، فانطلق من كابول في بداية القرن السادس عشر لاقتحام الهند. وكان هذا الانطلاق هو بداية الامبراطورية المغولية التي استمرت ما يزيد على ثلاثة قرون من الزمان، ابتداء من عام 1526 حتى 1857، وشكلت احدى اكثر مراحل الحكم الاسلامي في الهند ازدهارا وخاصة تحت حكم الاباطرة المغول العظام، وهم اكبر، جهانجير، شاه جهان أورانجزيب، حيث كانوا رعاة بارزين لفنون التصوير والعمارة والموسيقى وغير ذلك من ألوان الابداع الفني والحضاري. الخصائص التسع يمكن القول ـ بأوسع المعاني ـ ان العمارة المغولية تفصح في اكثر تجلياتها ابداعا عن جمع عبقري بين التقاليد المعمارية الفارسية المعمارية من ناحية وبين نظيرتها الهندية من ناحية اخرى فهي تستعير من الاولى سمات خاصة بها انتشر بعضها في العديد من ارجاء العالم الاسلامي، ومنها المسقط الرباعي او نظام الايوان والعقود مستدقة الطرف والمآذن الاسطوانية على حين تستعير من الثانية مخططها العام الذي يعكس ولعا بالضخامة وعشقا للحجر الرملي الاحمر وكلفا بالاسطح المعمدة. غير ان هذه العمارة المغولية لم تكن عمارة سكونية تعيد استحضار نفسها، وانما كانت تملك عبقرية التجاوز ربما بحكم تكوينها ذاته. هكذا فإننا نجد ان الامبراطور جهانجير الذي حكم الامبراطورية في الفترة من 1605 الى 1627 قد منح اسلوب العمارة المغولية لمسة اكثر خفة ورشاقة حيث نلاحظ بصفة خاصة حلول الرخام محل الحجر الرملي وزحف الترصيع في الحجر بالحجارة الاثمن محل الموضوعات المنحوتة. وفي الحالة التي تعنينا هنا وهي حالة شاه جهان الذي حكم الامبراطورية في الفترة من 1628 الى 1658 نجد ان التلبيس بالرخام الابيض والترصيع بالاحجار الكريمة وشبه الكريمة قد اتسع نطاقهما وأن العقود متعددة الطبقات قد ذاعت في الافاق وأن النسب والابعاد تلقى المزيد والمزيد من الاهتمام والتدقيق. وقد شملت المشروعات التي نفذها الأباطرة المغول الكبار أعمالاً عز نظيرها في دار الإسلام بأسرها، وأبرز أمثلتها مدينة فتح بور ذكرى الامبراطورية الواقعة غربي اجرا التي شيدها الامبراطور اكبر في حوالي عام 1570 وقلعة أجرا الحمراء بمساجدها وقصرها، وقد تعاقب على تشييدها أكبر وجهانجير وشاه جهان، وكذلك مسجد دلهي الجامع الكبير الذي شيده شاه جهان. غير ان الضريح حظي بأهمية خاصة في اطار العمارة المغولية، حيث يسجل لنا تاريخ الامبراطورية، انشاء مجموعة متوالية من الصروح الجنائزية المدهشة بكل المعايير، ومنها ضريح همايون (1565) في دلهي، وضريح أكبر (1613) في سكندرا قرب أجرا، ثم ضريح اعتماد الدولة الذي أشرنا إلى زخارفه مراراً (1622 ـ 1628) في أجرا وضريح جهانجير (1637) قرب لاهور وغير ذلك كثير. هنا، بالضبط، نتوقف لنلحظ ذلك الشوط الكبير الذي قطعته عمارة شاه جهان في معراج التطور في اطار التقاليد المعمارية المغولية. وفي غمار قطع هذا الشوط، يبين لنا اتسام عمارة شاه جهان بالعديد من الخصائص المميزة، التي يمكننا ان نرصد من بينها الخصائص التسع التالية: 1 ـ بلوغ فن الإنشاء ذروة الكمال، وفي الوقت نفسه اتخاذه لمظهر خارجي يعكس رقياً ورفاهة لافتين للنظر. 2 ـ أدى الاستخدام المكثف للرخام بصورة طبيعية لا إلى احداث تغييرات في الأساليب الفنية للانشاء فحسب، وإنما في تصميم المباني كذلك. 3ـ حلت محل مباني أكبر التي تعكس قوة وعنفواناً وجبروتاً منشآت اكثر خفة ورهافة إلى حد بعيد، لم يتردد البعض معهما في وصفها بأنها «شديدة التأنق». 4ـ أفسحت المباني المشيدة بعوارض أفقية المجال للمنشآت ذات العقود، وكذلك ذات القباب في بعض الاحيان، ويلاحظ انها عقود مميزة مزخرفة بتسعة أطراف مستدقة غدت من سمات هذا الأسلوب المعماري. 5 ـ جرى تفضيل القبة الفارسية ذات الشكل البصلي والرقبة الضيقة على القباب التي تأخذ شكل انصاف دوائر. 6ـ تم تبني السقوف المقوسة، التي تعرف تقليديا باسم «بانجالادار» وكذلك السقوف ذات الأشكال الزهرية، وأوراق اللوتس والموز. 7ـ حلت الأعمدة المنحوتة والطنف المعالجة بالنحت محل الأعمدة مستدقة الطرف التي تستند إلى قواعد ذات زخارف نباتية. 8 ـ أصبحت مخططات المباني أكثر ميلاً إلى البساطة والخطوط المستقيمة، وفي الوقت نفسه اكتسبت خفة ورشاقة لم تعرفهما في السابق. 9 ـ غدا الفن المعماري في عصر شاه جهان اكثر تحفظاً وابتعد عن الافراط في التواصل مع الرائي أو المتأمل وغدا أقرب إلى طابع الحلم، الطابع الاحتفالي، إلى حد الطقوسية في بعض الحالات. هذا المعماري المجهول إذا كنا قد أشرنا مراراً إلى ان مؤرخي الفن لم يترددوا في وصف تاج محل بأنه أكثر المباني كمالاً في تاريخ العمارة، فإن بيانكا ماريا ألفيري الاستاذة بجامعة روما تلفت نظرنا في كتابها «العمارة الإسلامية في شبه القارة الهندية» إلى ان هذا الصرح العظيم لقي الكثير من الاشادة حقاً، لكنه لم ينج من نقاد بادروا إلى انتقاده بغير قليل من الضراوة. وكانت أكثر الفترات التي لقي فيها تاج محل الاشادة هي نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث اعتبره الكثيرون «لؤلؤة الهند»، وقال عنه فيرجسون انه «أرشق مقابر العالم وأكثرها تأثيراً في النفس» وبالمثل أكد ميجور أرشر أنه: «أجمل الأضرحة وأروعها تحت السماء»، وقال دبليو. اتش. راسل عنه انه: «حلم من رخام.. خاطرة، فكرة، تصور للرفاهية، تنهيدة وفاء خالد وحب بطولي» وعرفه برسي براون بأنه «رؤية للجمال شقت طريقها إلى التجسد». وأشار بايارد تيلور إلى انه: «يبدو بالغ النقاء وشديد الكمال على نحو مجيد إلى حد أنني أوشكت أن أخشى الاقتراب منه حتى لا تنكسر فتنته» وقال أخرون انه قصيدة نظمت من رخام، أما شاعر الهند الكبير رابندرانات طاغور فقال عنه إنه «دمعة على خد الزمان» وقال المعماري بوساجلي عنه إنه «أكثر من معجزة معمارية، فهو يظل الترجمة إلى حجر مضيء ومتألق للعشق العظيم المتوقد من إمبراطور لامرأته». غير ان عدة أصوات ـ كما أشرنا ـ ارتفعت عالياً بالنقد، ومنها صوت هكسلي الذي خالف الاجماع المنعقد على جمال هذا الصرح وبهائه، وذهب كيسرلينج إلى وصفه بأنه عمل فني بلا طائل يفتقر إلى القوة التعبيرية الروحية وأعرب عن اعتقاده بأنه ليس حتى صرحاً جنائزياً بالمعنى الصحيح، ولم يتردد الكاتب البنغالي سارات تشاندرا تشارجي في جعل بطلة احدى رواياته تقول ان شاه جهان ربما كان سيبني تاج محل حتى ولو لم تمت ممتاز محل، ولربما وجد عذراً آخر لبنائه، مثل كونه تمجيداً لحروبه. وقدم بيجلي الانتقاد الاكثر ضراوة في صورة نظرية متكاملة، مفادها ان حزن شاه جهان على موت ممتاز محل لم يكن من القوة ولا الاستمرارية بحيث يدفعه إلى بناء الضريح، وان دافع الامبراطور الحقيقي للبناء لم يكن إلا غروره الذي لا حدود له. أياً كان الأمر فإن الصرح قد بني بغض النظر عن دوافع بنائه، ولكن من هو المعماري الذي وقف وراء هذا البناء الأكثر كمالاً في تاريخ العمارة البشرية؟ هذا سؤال واضح وبسيط ومحدد، لكن الحقيقة هي اننا لا نملك اجابة قاطعة عنه، بل يصل اللبس والغموض إلى حد ان بيانكا ماريا الفيري تبادر إلى تذكيرنا بأنه على الرغم من المظهر الشرقي» ـ لاحظ أنها لا تقول «الإسلامي» ـ تماما إلا ان هناك من الدارسين من يعتقدون ان تصميمه «غربي»! من حقك ان تدهش، لكن دهشتك ستزيد عندما تنقل هذه الباحثة الايطالية عن الراهب الاسباني الاغسطيني سباستيان ما نريك قوله ان معماري تاج محل هو أحد البنادقة الذين أقلتهم السفن البرتغالية إلى الهند ويدعى جيرونيمو فيرونيو. طبعاً، ليس بمقدورنا التساؤل أي رياح طيبة ألقت بفيرونيو إلى الهند حيث عاش عدة سنوات ثم ما لبث ان مات في لاهور قبل سنوات من قدوم الأب مانريك، الذي أورد روايته المزعومة هذه في كتابه بعنوان «يوميات بعثة إلى الهند الشرقية» غير أن الرحالة الأوروبيين الذين زاروا أجرا في تلك الفترة لا يتذكرون فيرونيو إلا باعتباره صائغاً حاذقاً، ولم تعرف له علاقة من قريب أو بعيد بالعمارة لا في الهند ولا في ايطاليا. غير ان استبعاد جيرنيمو فيرونيو كمعماري محتمل لتاج محل لا يحل المشكلة التي تواجهنا، فمن هو الذي شيد هذا المجمع الخالد حقاً؟ من المحقق ان هذه المشكلة لسيت بالهينة، ذلك لأن مرحلة التخطيط للبناء استغرقت عامين كاملين، أما هوية المعماري الذي وضعه التصميم النهائي الذي رضي عنه الامبراطور وأمر بتنفيذه فهي مسألة ستظل لغزاً، ولن نملك حيالها إلا طرح تساؤلات تظل علامات استفهام مؤرقة. ـ ان بيانكا ألفيري تطرح اسم عيسى محمد أفندي، تلميذ المعماري التركي العظيم سنان كمرشح محتمل. ـ يتمثل مرشح بارز في الاستاذ أحمد اللاهوري المعماري والرياضي البارع والرجل الذي وقف وراء تصميم قلعة أجرا. ـ هناك أيضاً مير عبدالكريم الذي منحه الامبراطور لقب معمار خان. ـ هناك الملا مرشد الشيرازي وقد خلع عليه الامبراطور لقب مكرمات خان. ـ ثمة من يقترح فرنسيا يدعى أوستان دي بوردو وهو صائغ فرنسي أقام سنوات عدة في أجرا ومات بها في عام 1632. ـ هناك أخيراً ـ وقد كان ينبغي أن يكون أولاً ـ الامبراطور شاه جهان نفسه، الذي لا ينبغي استبعاده باعتباره الشخصية الرئيسية في فريق تصميم الضريح، وذلك لأسباب عديدة في مقدمتها: أـ ان م. بوسالجي يشير في كتابه «صورة للهند القديمة والحديثة» إلى ان العضو الأكثر أهمية في فريق العاملين على وضع التصميم لم يكن إلا شاه جهان نفسه، الذي عرف عنه أنه المنسق الحريص للمشروعات التي قدمها لها الفنانون العاملون في بلاطه سواء أكانوا من الهنود أو الفرنسيين أو الايطاليين أو الأتراك. ب ـ ان شاه جهان عرف ببراعته في التصميم، وقد سبق له أن وضع مخططات حدائق شاليمار في كشمير عندما كان ولياً للعهد. أياً كان حل هذا اللغز، فإن الحقيقة الأكثر أهمية هنا هي ان تاج محل يمثل ذروة عملية تطورية ممتدة سواء بالنسبة للانشاء أو للزخرفة، وليس من المتعذر على المراقب المدقق ان يرسم مسار هذه العملية التطورية بالدقة نفسها التي ترسم بها خريطة مكان واضح المعالم، لكن ذلك لا يعني أن الضريح كان نتيجة اضافات كمية في القدرات والمهارات، فمن المحقق ان يعد بكل المعايير معجزة من معجزات التوازن المعماري والابداع الزخرفي. ولئن كنا قد أكثرنا من الحديث عن المحبة التي ألهمت العبقرية التي خرجت للعالم بهذا البناء الأكثر كمالاً بين انجازات البشر المعمارية، فما أحرانا أن نتأمل معنى المحبة كما أوضحه لنا أهل الحقيقة. تأمل معي قول سهل: «من أحب الله فهو العيش ومن أحب فلا عيش له» والمراد من «هو العيش» أنه يطيب عيشه، لأن المحب يتلذذ بكل ما يرد عليه من المحبوب من مكروه أو محبوب، ومعنى «لا عيش له» لأنه يطلب الوصول إليه ويخاف الانقطاع دونه فيذهب عيشه، فإن شئت الايجاز وإن أبيت إلا سعة المعنى وضيق العبارة فقف معي أمام قول الجنيد: «المحبة ميل القلوب» وقال غيره من أهل الحقيقة: «المحبة هي الموافقة» أي الطاعة لله فيما أمر.