الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 قال سبحانه وتعالى: «ووجدوا ما عملوا حاضراً ولايظلم ربك أحداً»[سورة الكهف الآية:49].وقال:« يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه». وقال:« يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون».إ ن هذه الآيات وغيرها تؤكد أن أعمال الإنسان سوف تجسد يوم الحساب وتستحضر ولذا كانت كيفية التجسيد مجهولة فحسبنا أن نؤمن بحتمية الاستحضار وأن نقف إجلالا وإكباراً لهذه الحقيقة الكونية وهى عودة أفعال الإنسان بأحداثها وظروفها وأشخاصها طبقاً لبعض الاجتهادات العلمية المتقدمة فى هذا المجال. لقد تحدث العلماء طويلاً فى هذا الموضوع وأجريت تجارب عديدة لاكتشاف بعض الأحداث وكيفية بقاء الأفعال وأثرها فى الغلاف الجوي فالعلماء يتحدثون فى هذه المسألة ويقول العالم الكيميائي موريسون «إن العلم الحديث أثبت أن الأصوات لا تفنى ولا تتبدل ولا تتغير والصوت يحدث موجات أثيرية تظل فى الهواء ويمكن التقاطها كما هو الشأن فى الإذاعة ويؤكد الحديث أن جميع الأعمال التى يباشرها الإنسان تصدر عنها اهتزازات تظل موجودة فى الفضاء تعكس صورة العمل ومن الممكن تجميع هذه الصورة فى أى لحظة وقد نشرت الصحف الأميركية صورة التقطها العلماء بأجهزة تصوير خاصة لمكان خال فظهرت فى الصورة سيارة كانت موجودة قبل التصوير بمدة تقرب من ساعة بل مما يثير الدهشة أنه أمكن بملاحظة درجات لون السيارة معرفة السرعة التى كانت تسير بها ومازالت الأبحاث جارية فى هذا المجال. ويشير العلماء إلى غريزة العودة إلى الوطن لدى الطيور مثل عصفور «الهزاز» الذى يهاجر جنوباً فى الخريف ولكنه يعود إلى عشه القديم فى الربيع التالى ونحلة العسل لا تجذبها الأزهار الزاهية كما نراها ولكننا تراها بالضوء فوق البنفسجى الذى يجعلها أكثر جمالاً فى نظرها والكلب وحاسة الشم القوية لديه التى بها يستطيع أن يتعرف على الأثر المتروك. ويضيف العلماء أيضاً أنه كما للإنسان والحيوان مجاله المغناطيسى الذى يعرف به فإن للنباتات كذلك مجالها المغناطيسى الذى تعرف به فلكل نبات مجاله وعن طريقه تعرف هذه النباتات كما أنه يمكن أن تنقبض وتنبسط وتفرح وتحزن.وفى هذا المعنى يقول الشهيد سيد قطب :«إن العلم الحديث العاجز أمام علم الله أمكن أن يبحث فى الأفعال واثار الأفعال فى محيط الإنسان وأمكنته ويحاول أن يقف على الحدث بعد ذهاب مصدره فإذا كان العلم الحديث يحاول هذا فهل يعجز رب الكون حاشا لله أن يصير الأفعال بشخوصها ومكوناتها وظروفها إلى الوجود يوم الحساب. يوم تفتقد الأسباب وينطبق كل عضو بما اكتسبه بعد أن فقد الإنسان سيطرته على أعضائه وصار كل الوجود فى يد خالق الوجود ». إن هذا التقدم العلمى تأكيد للإعجاز العلمى فى القرآن الكريم ولاسيما بعد محاولات العلماء فى إعادة الصوت أو الحدث وبعد قولهم إن كل كلمة أو فعل له أثر فى غلاف الجو مما يبرز الحقيقة الكائنة التى أكدت عليها الآيات وهى أن الأعمال يمكن أن تعاد تماماً وأن الأحداث يمكن أن تشاهد بأشخاصها.وأما بالنسبة لعلم الاتصال قال تعالى: «يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» [سورة الحجرات الآية :13]، وقال:«وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب». إن أهم الأسس التى يقوم عليها علم الاتصال المعاصر هو النظرية الرياضية للمعلومات والتى تعتمد على التعارف بين الأفراد والمجتمعات والحكومات وكما أن الاتصال يعتمد على اللغة وهو الذى يسمى بالإتصال اللفظى فهناك اتصال غير لفظى يؤدى هو الآخر دوراً مهما سواء أكان مصاحباً ومكملاً للنمط الأول أم مستقبلاً.ولقد تجلى ذلك من خلال الآيات القرآنية من ذلك قول الحق تبارك وتعالى مخاطباً نساء النبى صلى الله عليه وسلم :«يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً».والخضوع هنا هو بمعنى إمالة الكلام والانته وهو تعبير مباشر عن نمط الاتصال غير اللفظى والذى يستخدم خصائص ما وراء اللغة.والنهى عن تلوين الكلام مرتبط بفعالية وتأثير هذه الرسالة غير اللفظية حتى ولو تناقضت مع ظاهر الكلام بما تثير من توقعات وآمال عند الفساق ذوى القلوب المريضة. وقوله تعالى:«وقلن قولاً معروفاً». ويقول الله تعالى:« ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً».والآية الكريمة صريحة فى تأكيد أهمية الملابس باعتبارها نمطاً من أنماط الاتصال غير اللفظى وبذلك يكتسب الحجاب الإسلامى أهمية مزدوجة باعتباره ساتراً لعورة المرأة من ناحية وكونه أيضاً رسالة معلنة صريحة كفيلة برد الأذى من قول أو فكر. والإسلام لا يخاطب المرأة وحدها فى هذا المجال وإنما يخاطب الرجال أيضاً فقد روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله :«من لبس ثوب شهرة فى الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة»وثوب الشهرة تعبير عن رسالة يبعث بها صاحب الثوب إلى الناس متضمنة معانى الترفع عن خلق الله واحتقارهم لغنى أو جاه وهو ما يتناقض مع السلوك الإسلامى الذى يدعو إلى التواضع والبعد عن استفزاز الناس.ولا يقتصر أدب السلوك الإسلامى على الملابس وحدها من بين الأدوات المستخدمة فى الاتصال غير اللفظى بل يتبعها أيضاً بأدوات الزينة حتى الخفية التى يسمع وقعها ولا ترى فيقول الله تعالى:«ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن». فأصوات الخلاخيل مثلاً تحمل أيضاً رسالة تترجم فى الإطار المرجعى للمستقبل إلى صور جنسية مثيرة.كما أن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن تطيب المرأة لغير محارمها مرجعة أن الروائح أيضاً واحدة من الوسائل المهمة للاتصال وتحمل كثيراً من الرموز الاتصالية وقد احتفظت العطور إلى يومنا هذا بأهميتها كوسيلة اتصال وأضاف إليها صانعوها فى الغرب رموزاً جديدة تبرزها فسموا بعض هذه العطور أسماء موحية مثل نشوة وأنوثة وغير ذلك.كما أن من وسائل الاتصال غير اللفظى الوجه ويظهر ذلك فى قول الله تعالى:« ولا تصعر خدك للناس ولا تمش فى الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد فى مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ». يعتبر الوجه من أهم وسائل الاتصال غير اللفظى مثل تصعير الخد وهو إمالته تكبراً كما أن حركة الجسم وزاوية ميله تدخل ضمن بحوث الدراسات المتعلقة بالإحساس بالحركة ومن هذا أيضاً طريقة الحركة سواء أكانت سريعة أم بطيئة ولذلك جاءت النصيحة (واقصد فى مشيك).ومن هذا القبيل أيضاً ما ورد فى القرآن الكريم من قوله تعالى: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى). فالملابس وحدها لا تكفي حتى ولو كانت محتشمة فرسائل الاتصال متكاملة وما قد تبعثه الملابس من وسائل قد تكذبها مشية متكسرة متغنجة.