الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 عندما يتدبر المسلم في كتاب الله العظيم. تموج نفسه بأحاسيس فياضه ومشاعر متدفقه. لا يرى لها مبعثا سوى روحانية القرآن وهيمنته على كل الحواس وجميع المدارك. حتى لا يجد ما يسمى به تلك الخوالج الروحانية السامية الا أنها: نفحات القرآن الكريم. حول هذه النفحات الربانية. يقدم لنا فضيلة الشيخ «عبد اللطيف السبكي». كتابه المهم: «نفحات القرآن الكريم». بشائر صادقة في البداية يؤكد المؤلف أن القرآن الكريم نزل منذ بدايته في مطلع حياة جديدة كانت تستقبلها الدنيا في ترقب ويرنو اليها الزمن في رجاء فلما حانت هشت لها الانسانية في تفاؤل واطمئنان واستمدت من نفح القرآن بشائر صادقة وأملا موصولا وطموحا الى نجاح غير محدود. وشاءت حكمة الله تعالى أن يجعل اشراقة هذه الحياة في جملة يسيرة من كتابه نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذت مأخذه من نفسه رهبة واجلالا وأستأثرت بمشاعره تقديرا وادراكا واهتز لها وجدانه خشية وايمانا وابتهجت روحه تعلقا بما أوحى اليه وتهيأت عزيمته لحمل ما يلقى عليه هي جملة وجيزة في لفظها فسيحة في مفهومها هي قوله تعالى: «أقرأ باسم ربك». فهذا أمر علوى بالقراءة لمن لم يكن يقرأ ولا تعلم القراءة. فكيف تكون المهابة والروعة لهذه المفاجأة ؟مفاجأة هبط بها من سموات الله جبريل «أمين الله» على النبي الامي محمد بن عبد الله وهو في عزلة عن الناس وفي غار سحيق برأس الجبل في وحشة ليل مظلم وفي ليلة ذات قدر عند الله. ولكنها رسالة الله سبحانه يتخير لها من الأزمنة والأمكنة والأشخاص ما يشاء بحكمة ،والله تعالى «أعلم حيث يجعل رسالته». هذا أمر بالقراءة اقتضى البدء بتسمية الله دون شئ قبل هذا وذلك البدء فيه غرس لعقيدة الايمان بالله. وتوحيد بالألوهية وتخصيصه بصفة الربوبية وفي حكم الفطرة وبداهة العقل ألا يكون شئ مذكور قبل اسمه تعالى كما لم يكن شئ مشابها له في خصائصه تعالى.وليكن توجيه الله في استهلال القرآن من عنده لايقاظ المشاعر نحو عظمة الله والى الاستعانة به والاعتماد عليه ولنذكره بذكر اسمه أول كل شئ نريده كما أمر في أول توجيه لكتابه. ثم يعزز الله توجيهه الى ذلك بصفات ربانية تقتضي السمع والطاعة وهي: «الذي خلق خلق الانسان من علق».فهو الخالق على وجه الاطلاق لكل مخلوق سواه. وهو خالق الانسان من العلق- الدم المتجمد - وذلك الانسان: هو الكائن الذي جعل الله له في دنياه سيادة وسلطانا على غيره بعقله وتدبيره ثم يعاد الأمر بالقراءة توجيها الى تكريم الله الانسان بالعلم والتعلم وحضه على كسب العلم «أقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم». فالكتابة والقراءة وسيلة المعرفة وميزة الانسان وسبيل حضارته. وهذه لمحات بينة وتفصيلها مطوى في الأمر بالقراءة والاشادة بالعلم والعلم. والشأن في الوصول الى تلك الأهداف أن يستعان عليها بذكر الله سبحانه عندما ينشط العقل في بحثه ويتهيأ الانسان لعمله ويأخذ الى كل غاية سبيلها. روح الاخوة: وينتقل بنا المؤلف الى حديث القرآن عن الوحدة الاسلامية موضحا أن الاسلام دين عام يدعو الى حوزته جميع الناس على اختلاف جنسياتهم وبيئاتهم فهو يذكي في أهله روح الاخوة في الدين ويقتلع من نفوسهم نزعه العصبية ويباعد بينهم وبين التفرق لأي سبب ينتزع اليه الفرد أو الجماعة ويعلمهم أنهم أمة واحدة ويذكرهم دائما بأصول تجمعهم وأهداف تقارب بينهم في منهاج الحياة وتصل بهم الى ما يرتضيه لهم ربهم يقول الله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاولا تفرقوا، وأذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا».وتفصيل المنهج الاسلامي في ذلك التوجيه لا يقف بنا عند حد فالاسلام كله يدور حول هذه الغاية المثلى حتى لا تجد دينا سابقا يحاكي في هذا أو يقاربه. ومع هذا كله يروعنا أن نجد الجماعة الاسلامية متصدعة وانها لم تستقم على وحدتها الا فترة قصيرة في مطلع حياتها كانت كومضة البرق بالنسبة لتاريخها الممتد فيما بعد. ولقد عانى المسلمون كثيرا من البلاء وفقدوا غير قليل من أمجادهم وذاقوا مرارة العيش في جوانب دنياهم بسبب تخاذلهم عن الوحدة التي دعاهم اليها الدين الحق وبسبب مطاوعتهم للفتن الدخيلة عليهم في دينهم وفي مجتمعهم بعد ما حذرهم منها الله في كتابه وعلى لسان رسوله حتى اجترأ عليهم الطامعون في هدم بنيانهم واستئصال شخصيتهم وزعموا لهم أن الاسلام هو سبب البلاء وأصل الداء ليهونوا عليهم الاسترسال في متابعة خطاهم وراء الاستعمار. ولم تكن لهجة القرآن خافتة في مجالها أبدا ولا متخلفة عن أسمائهم يوما، وانما هي الغفلة والجهالة والدنيا البراقة بزخرفها خيمت على العقول والقلوب فتريثت دعوة القرآن عن آذان الكثيرين القلوب وكان من شأن الجماعة الاسلامية أن أصبحت في غير طابعها وكأنها غريبة وحدها في هذه الدنيا!! حيز الترغيب:ويتوقف المؤلف عند دعوة القرآن الى الأمر بالمعروف مبينا أنه عودنا في سياقه التوجيهي أن يذكر المعروف في حيز التكليف والترغيب وأن يذكر المنكر في حيز النهي والتشنيع يقول الله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر». وقد استقر في الأذهان قديما لدى البدائيين أن المعروف طيب ممدوح وأن المنكر بغيض مذموم. وكثيرا ما نسمع الناس يناشد بعضهم بعضا بعمل المعروف أو يعير بعضهم بعضا بالمنكر. فالقرآن والفطرة الانسانية على تجاوب في هذا الصدد واقرب المفاهيم الى القلوب واليقين ما تجاوبت فيه الفطرة مع التشريع الديني كالذي نحن بسبيله وأن كانت أحكام الاسلام كلها كذلك غير الداعين لها. ومتابعة الآيات الكثيرة تدلنا على أن كلا من المعروف والمنكر يكون وصفا للأقوال والافعال. فالأول: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى». فامساك بمعروف أو تسريح باحسان«في شأن الزوجات». والثاني: «وأنهم ليقولون منكرا من القول وزورا» في تحريم الزوجات كحرمة الأمهات». «ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر». فنحن نرى المعروف صفة للقول وللفعل في المثالين الأولين وترى المنكر كذلك في المثالين الآخرين والسياق بذلك في وضوح. وما دامت الفطرة متجاوبة مع القرآن في استحسان المعروف واستهجان المنكر فالمدى فسيح لكل منهما ويتناول ما يتصل بشئون الدين والدنيا جميعا. فان الدين لا يستثنى في توجيه ناحية الا شملها بالحث عليها ان كانت تفعل وبالكف عنها أن كانت غير ذلك.وازاء هذا يكون المعروف في حدوده الواسعة مرادفا لكلمة البر، والخير والحسنى. كما يكون المنكر في حدوده الواسعة مرادفا لكلمة الاثم،والشر، والسوء.فتلك الفاظ ايجابية من ناحية ما يرجى عمله ويقابلها الفاظ سلبية في ناحية ما يكره عمله والهدف الأول متحد بينها وهو النفع المقصود والهدف للثانية متحد بينها وهو الزجر عن الضرر البغيض.وهكذا تبدو عناية القرآن كثيرا في تنويع أسلوبه ومنهج دعوته ليدخل بهدايته الى قلب الانسان من كل ناحية وبكل أسلوب يدركه الانسان. خصوم الحق:وفي النهاية يتحدث المؤلف عن دعائم المجتمع الصالح في سياق القرآن الكريم مشيرا الى أنها تعتمد على الأمانات والعدل والطاعات والاحتكام الى الكتاب والسنة. «ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل». يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. وهذه توجيهات ترتضيها الأنفس المطمئنة بالله ويغتبط بها المخلصون لامتهم فانهم يرون فيها دعائم قوية ينهض عليها المجتمع المرغوب فيه ولا ينفر من تلك التوجيهات الا خصوم الحق ومصطنعو الوطنية. ومن عجائب المجتمعات الاسلامية في كل واد أنهم يلمسون في تاريخ الاسلاف واقعيا لكل ما هداهم به القرآن ودعاهم اليه فان أمجاد المسلمين ومجتمعهم الذي بهر الزمن لم يقم الا على تلك الدعائم الكريمة حتى وضح فيهم يومذاك أنهم خير أمة أخرجت للناس ثم غلبتهم الأنانية وتسربت الى صفوفهم الدسائس وشجر بينهم خلاف وخلاف ففاتتهم فرص ذهبية وفرغت صفحات في التاريخ من ذكريات طيبات تلائم ذكريات الأوائل من رجال الاسلام. ان الله قد رضى لنا الاسلام دينا وأكرم أمة محمد لأجل محمد فلم يعجلهم بالشر كما يستعجلون الخير وفتح أمامهم باب الرجوع من مآثمهم الى هدى كتابه وسيطيب للناس أن يستجيبوا لدعوته بعد أن غمرتهم ضلالة الهوى وراقتهم الشهوات وأن يكن الباطل فاشيا فيهم اليوم فسينتصر الحق ويتغلب وسيذهب الباطل مدحورا: «ان الباطل كان زهوقا». القاهرة ـ مصطفى علي محمود: