الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 عند انتشار الدين الاسلامي انفتحت البلاد الافريقية على التيارات الشرقية ذات الحضارات الاصلية. وكانت مدينة القيروان أول مركز اسلامي في شمال افريقيا وقلعة من قلاع الحضارة العربية، ومنها انتشرت الاساليب والانماط التي كان منبعها دمشق ثم بغداد وساد الذوق العربي فحل مكان الغرب وأصبحت افريقيا الرومانية العربية وصاحب هذا التغيير السياسي والديني تغيير عميق في نمط الحياة وأخذت اللغة العربية تفرض نفسها شيئاً فشيئا. كما توغلت التقاليد الشامية والعراقية في صميم حياة الشعب. ويصعب الاطناب في وصف كل الاساليب التقنية التي ابتكرها المسلمون فبلغوا بها اقصى مجالات الجمال والخلق، ولكن يكفينا أن نبين أنهم اخترعوا الكثير من اساليب الزخرفة التي نعرفها اليوم وخاصة منها استعمال اكاسيد المعدن لطلاء الاواني الفخارية وبلاطات الزليج المعروفة في المشرق بالقاشاني وزخرفتها بالالوان المتعددة والبراقة. ويبدو أن هذه الصناعة كانت بالالوان المتعددة والبراقة. ويبدو أنها كانت صعبة الاعداد اذ تستوجب معرفة جيدة بخاصيات المعادن الكيميائية وقابليتها للتحول تحت تأثير درجات الحرارة المختلفة. ومن بين الاكاسيد الاكثر استعمالا عند العرب اكسيد القصدير الذي يعطي للانية ذلك اللون الابيض النقي واكسيد النحاس والمنغنيز والكوبات والحديد التي تعطي الوانا متعددة كالاخضر النحاسي والاسود البني أو البنفسجي أو الازرق اللآزوردي أو الازرق الداكن او الاصفر وغيرها. ولكن هناك صناعة تعد حقا مفخرة المسلمين هي صناعة الخزف ذي البريق المعدني. وهي حقا ابتكار يشهد لا فقط على قدرة كبيرة في الخلق والابداع بل وعلى مقدرة العرب على استغلال المكتشفات التقنية العلمية للاغراض الفنية، ولم تنتشر هذه الصناعة في اوروبا الا بعد سبعة قرون من انتشارها في البلدان الاسلامية ومنها تونس، وبايجاز تتمثل هذه الطريقة في تحويل اكاسيد المعادن كالنحاس إلى معدن صاف، وتتم العملية في فرن خاص يقع فيه التحويل فتتحرر الاجزاء المعدنية الصغيرة وتتكدس على صفحات الاواني بشكل ورقات دقيقة جدا فتتكون بها قشرة رقيقة من المعدن الصافي الذي يحدث تحت اشعة النور بريقا ساطعا يذكرنا ببريق المعادن الثمينة كالذهب، لكننا نجد بعض الاواني التي يميل فيها البريق إلى الاحمر البنفسجي كما هو الشأن مثلا بالنسبة لانواع الخزف المصنوعة بمالقة ومرسيه بالاندلس ابتداء من القرن السابع للهجرة. وقد عرفت مدينة القيروان هذا النوع من الخزف ذي البريق المعدني منذ القرن الثالث ه/القرن التاسع م. كما عثر منها على قطع كثيرة في المشرق كالعراق (سامراء) وايران (سوسة والري) ومصر (الفسفاط) والاندلس (مدينة الزهراء) لكن القطع القيروانية تعد فريدة لا من حيث عددها الكبير فقط وكذلك من حيث تنوع اشكال زخارفها. وهي عبارة عن بلاطات مربعة وضعت على الزاوية بالتناوب مع قطع مربعة من الخشب المزخرف لتكسو واجهة القبلة فوق محراب جامع عقبة بن نافع، ويسود الاعتقاد عند علماء الآثار انها جلبت من العراق وهو ما تؤكده الاشكال الزخرفية التي تزينها وهي اشكال هندسية ونباتية مجردة تذكرنا بفنون بلاد الرافدين كالاشكال المحورية المعروفة بشجرة الحياة. اما من حيث الالوان فتنقسم المجموعة إلى قسمين: قسم ذو لون واحد وهو البريق المعدني الموضوع على المهاد الابيض القصديري وقسم متعدد الالوان. وان كان الباحثون متيقنون من انتساب هذه المربعات إلى مصانع عراقية فانهم لا يشكون في ان هذه الصناعة نفسها قد عرفتها افريقية منذ ذلك العصر اي منذ القرن الثالث ه/التاسع م. فقد تم فعلا العثور في رقادة قرب القيروان اثناء التنقيب على قطع تشبه قطع جامع عقبة ولكنها اقل جودة ولمعانا وهي ايضا من البريق المعدني. كما اخرجت الحفائر الاثرية كثيرا من القطع الخزفية من العباسية وصبرة المنصورية تدل على ان عاصمة الاغالبة كانت مركزا مهما من مراكز صناعة الخزف التي كان لها رواج كبير في شمال افريقيا حتى ان قطعا خزفية قيروانية عثر عليها في نقرين في جنوب الجزائر قرب تبسة وفي بلاد السودان. وبقطع النظر عن الخزف ذي البريق المعدني نجد من العهد الاغلبي والفاطمي صنفا آخر من الخزف لا يقل اهمية وجمالا عن الاول وجد منه عدة قطع منها ما هو مخبأ في مخازن المعهد الوطني للتراث في انتظار من يريد دراسته من الباحثين الشبان، ومن خصائصه ان ارضيته قد طليت باصفر اكسيد الرصاص بينما استغل اخضر اكسيد النحاس لملء الاشكال الزخرفية والبني (اكسيد المنغناز) لاحاطة تلك الاشكال. والجدير بالملاحظة ان هذا النوع من الخزف لا يدخل فيه بتاتا اللون الازرق في حين ان بلاد الفرس والعراق كانت تبالغ احيانا في استعماله، ولكننا سنجده مستعملا بكثرة في افريقيا ابتداء من القرن 6 ه/12 م بواسطة معدن الكوبات الذي يبدو وكأنه اصبح متوفرا بكميات كبيرة. ابداعات قيروانية واما من حيث الاشكال فأبرز ما يختص به هذا النوع الاغلبي القيرواني هو: استعمال الكتابات الكوفية القديمة في اشرطة واطارات يملأ بها داخل الصحن أو خارج الجرة فتتكرر فيها كلمة الملك وكذلك استعمال التصاوير الحيوانية أو الأدمية المجردة تجريدا كاملا بحيث تأخذ احيانا اشكالا هندسية يصعب تشخيصها. ومن خلال النماذج التي عثر عليها يمكن للمرء أن يشعر بمدى قدرة الخزاف القيرواني على الخيال والابتكار حيث يجمع بين الهندسة والكتابة والتصاوير النباتية والحيوانية بكل تناسق وتكامل بين الاشكال والالوان. وتوجد مجموعة ثالثة ربما تعود إلى العهد الفاطمي نلاحظ فيها ارضية الزخرفة بيضاء مع اشكال خضراء محفوفة بالخطوط البنية وتكثر في هذه المجموعة التصاوير الحيوانية والادمية على السواء، ولا يستبعد أن الكثير من القطع المنسوبة إلى الفاطمين والمحفوظة الآن في المتاحف التونسية هي حقا من العهد الفاطمي، لكن قد جلبت من الخارج ومن مصر بالذات، والمعلوم ان الفاطميين لم يترددوا في تصوير الحيوانات والبشر سواء في كتبهم او في قطع النحاس او الخزف، اما التصاوير الآدمية فتتمثل في اشخاص ذوي لحى وعمائم يجلسون القرفصاء او يركبون الخيل او يشربون في كؤوس، أما التصاوير الحيوانية فتتمثل في ارانب وحشية واسود وطيور وغيرها من الحيوانات التي قد تكون احيانا خرافية او من محض خيال الخزاف. وتؤكد الحفريات الاثرية والنصوص التاريخية ان صناعة الفخار كانت مزدهرة ازدهارا كبيرا طيلة العهد الفاطمي والعهد الصنهاجي، اذ وقع اكتشاف عدد لا بأس به من القطع الخزفية في قرطاج بالذات ولكن الباحثين لا يوافقون على ان كل تلك القطع تعود إلى ما قبل القرن الرابع ه/العاشر م، بل نرى ان الكثير منها متأخر بحيث يعود إلى العهد الحفصي او حتى ما بعد العهد الحفصي، وتفيدنا النصوص التاريخية ان مدينة تونس كانت مشتهرة بفخارها الذي قال في خصوصه البكري في كتاب المسالك والممالك: «يصنع في تونس انية للماء من الخزف تعرف بالريحية شديدة البياض في نهاية الرقة تكاد تشف لا يعلم لها نظير في جميع الاقطار عامة».. ومن قبل البكري بقرنين أي في القرن الرابع ه/العاشر/م، كتب ابن حوقل ما يلي: «يصنع بتونس غضار حسن الصباغ وخزف حسن كالعراقي المجلوب». فن الارابيسك اما بعد القرن السادس ه/الثاني عشر/م اي اثناء العهد الموحدي والحفصي فلنا شواهب عديدة تدل على ان صناعة الخزف بقيت مزدهرة مع انها شهدت تطورا كبيرا لا فقط من حيث فنون الصناعة بل من حيث اساليب التزويق ايضا، فقد اصبحت مثلا كراهية تصوير الكائنات الحية اكثر شدة منذ ان نشر ابن تومرت في كامل شمال افريقيا المباديء الموحدية التي تطالب بالمزيد من التقشف وتطبيق التعاليم القرآنية بحذافيرها بدون اجتهاد او تأويل، كما توصي بالابتعاد عن الملذات والترف وعدم المبالغة في الزينة مما اضفى على فن الزخرفة اشكالا بسيطة تطغى عليها الاشكال الهندسية العريضة حتى ان العناصر النباتية نفسها امتزجت بالعناصر الهندسية لتكون ما نعبر عنه اليوم بالارابيسك او فن النقش العربي. ومن غريب الصدف ان عثر في حفريات قصبة مدينة تونس على قطعة فخارية بعثت الدهشة اذ انها تحمل زخرفة تتكون من ظبي بني اللون فوق ارضية بيضاء، ولولا دراسة الطبقات الاثرية لما تمكنا من نسبة هذه القطعة إلى القرن السابع هجري/ الثالث عشر ميلادي او القرن الموالي، ومما اكد لنا صحة هذا التاريخ اننا عثرنا في نفس الطبقة الاثرية على قطعة ثانية شبيهة بالاولى تحمل نفس الصورة لكن الطابع التجريدي طغى هنا اكثر جمودا وبساطة حاملا حول عنقه طوقاً تتدلى منه زخرفة من الطراز الاندلسي المغربي. ولعل قدوم اهل الاندلس في القرن السابع عشر ميلادي قد ساعد على تأصيل هذه الصناعة في المنطقة، ومهما يكن من امر فإن الفخار النابلي القديم يشبه إلى حد كبير الخزف الاغلبي اذ ان هذين النوعين، مع الفوارق الزمنية بينهما، يشتركان في استعمال اللون الاصفر فوق المهاد الاخضر والبني داخل الاشكال، ولكن رغم اوجه التشابه هذه فهناك فوارق كبيرة من حيث الاشكال الزخرفية التي اصبحت في الاواني النابلية على قدر كبير من البساطة حيث تتمثل غالبا في خطوط وتشابيك وحلقات مرسومة بالاخضر والبني على اللون الاصفر. كما اشتهرت نابل بنوع ثان من الخزف هو الخزف المتعدد الالوان الذي يذكرنا بخزف مدينة فاس، ولعل هذا التشابه بين خزف نابل وخزف فاس راجع إلى التأثيرات الاندلسية التي تداخلت في كلا الفنين، ونلاحظ من ناحية اخرى ان خزافي نابل اقدوا خزف القلالين بتونس ربما لكثرة رواج هذا النوع من الفخار الملون الذي تمادت مدينة نابل في صنعه بينما اندثرت صناعته من تونس مع اندثار مصانع الاخوة «شملة» منذ اكثر من ثلاثين عاما. وكان الزائر لجزيرة جربة يشاهد عن بعد الجرار العملاقة التي تربض في حي «قلالة» ومنها توزع إلى الكثير من بلدان البحر الابيض المتوسط، وكانت تستعمل خاصة لخزن المؤونة من كسكسي وزيت وزيتون ولحوم مملحة وسمن، ولكن سنة التخزين هذه تضاءلت اهميتها منذ سنين كثيرة خاصة عند سكان المدن الكبيرة مما نتج عنه تدهور هذه الصناعة التي تعود بنا إلى آلاف السنين، وكادت كثير من المعامل ان تغلق ابوابها لولا تعويض هذا النوع من البضاعة ببضاعة رخيصة وسخيفة تستهدف نوعا خاصا من السياح الذين اخذوا يتهاطلون على جزيرة جربة منذ السنين الاخيرة. وقد اشتهرت كذلك مدينة جربة بنوع آخر من الخزف شبيه جدا بخزف نابل الاصفر ولا نعلم هل هذا النوع اصيل مصانع جربة ومنها انتقل إلى نابع مع انتقال «الجرايبية» او العكس والنماذج التي من هذا النوع لا يتعدى تاريخها أواخر القرن الاخير واوائل القرن العشرين، ولكن هذا لا يعني ان الصناعة في حد ذاتها لا تعود إلى عهود سابقة.