الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 إن غرس الفضيلة وتقويم الخلق في المكان الأول من الشريعة الإسلامية وشاهد على ذلك من القرآن نفسه ان الله أثنى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بعظمة خلقه ورقة قلبه في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) وقال تعالى أيضاً: (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك). وقد وصف القرآن الانسان كما هو في واقعه بغرائزه وما يحب من شهوات وما يتمتع به من عقل وإرادة يجعلانه أهلا للتكليف والاختيار، وأهم ما يتميز به الاسلام انه يأخذ الكائن البشري على ما هو عليه، ولا يحاول ان يفسره على ما ليس من طبيعته وان كان في الوقت ذاته يعمد إلى تهذيب هذه الطبيعة إلى اخر مدى مستطاع دون ان يكبت شيئاً من النوازع الفطرية والقرآن لا ينظر إلى الطبيعة الانسانية على انها شريرة في أصلها ولا على أنها فاسدة فساداً عضالاً يقول الله تعالى: (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم). وقد علمنا القرآن ان النفس الانسانية قد تلقت في تكوينها الأولى الاحساس بالخير والشر، يقول تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) لذلك فقد اقتضى الأمر وضع منهج كامل في التربية الأخلاقية فبجوار الحاسة الخلقية وهب الانسان الذكاء والعقل والقرآن يقدم لنا الواجبات الأساسية وعلم الحقيقة على انها دعوة السابقين وسبيلهم المستقيم، يقول تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم). ويعتمد القرآن في بنائه الأخلاقي على تنشئة الضمير الحي الذي يراقب الله ويحاذره وهذا الضمير هو النفس اللوامة يقول تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة) وهذا الضمير وظيفته حراسة الانسان من داخله بحيث يحول بين النفس الأمارة وشهواتها كلما حاولت ان ترتكب مخالفة أو تقع على محظور والقانون الأخلاقي يفترض حرية الاختيار فهو يكلفنا ولكنه لا يقهرنا قهراً مادياً انه يدع لنا أولاً امكان مراعاته أو مخالفته، وقد شرعت العبادات لتهذيب النفوس والعبادة التي لا تحقق هذا الهدف لا يقبلها الله، لأن الهدف الأسمى من العقائد والشعائر والعبادات جميعاً هو بناء الأخلاق، فالعبادة الحق والمؤمن الحق هو الذي تنعكس عبادته على أخلاقه وسلوكه في المجتمع، فلا غل ولا حقد ولا حسد ولا غضب ولا بغضاء، ولا شح ولا قطيعة ولا أثرة وفي معاملاتهم لا غش ولا خديعة ولا مخاصمة ولا احتيال على أكل الأموال بالباطل ولا نكوص عن العهود ولا كذب في التحديث ولا تشويه للحقائق ولا صيانة للأمانة. وإلى جانب هذا فقد رسم القرآن للفرد أسلوب تصرف يمكن تسميته بالحضارة الأخلاقية فوجهه للاستئذان قبل الدخول على الغير وخفض الصوت عند التحدث والتحية عند الدخول ورد التحية بأحسن منها وحسن الجلسة على الغير وخفض الصوت عند التحدث والتحية عند الدخول ورد التحية بأحسن منها وحسن الجلسة وان يكون موضوع الحديث خيراً واستعمال اطيب العبادات والاستئذان عند الذهاب ووضع له آداب الطعام وآداب الطريق وحدد سلوكيات الصغار مع الكبار والكبار مع الصغار، وبصفة عامة فإن الشريعة تدفع المؤمن احتراماً لكرامته إلى القيام بالأعمال الصالحة التي تليق بالسمو الانساني ولكي يكمل الخير للانسان عليه ان يمتنع عما يؤدي إلى ضرره كتناول الخمر والمسكرات والميته والدم ولحم الخنزير وغيرها لان لهذه الاشياء تأثيراً سيئًا على صحة الانسان، واخلاقه وقواه العقلية والروحية. وقد الزمت الشريعة بعض الالتزامات للفرد تجاه الاخرين حيث الزمت الشريعة كل فرد بالاحسان إلى والديه وطاعتهما واحترام حياة الاولاد واداء حقوقهم كاملة. وكل فرد مأمور باداء الامانات والوفاء بالعهد واداء الشهادة الصادقة واصلاح ذات البين والتراحم والاحسان للفقراء خاصة وعدم اكل اموال اليتامى والعفو ودفع السيئة بالحسنة والدعوة إلى الخير والنهي عن الشر ونشر العلم والاخوة والكرم والحب والعدل والرحمة وحفظ حق الجار ومراعاة الغير يقول الله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم بأحسن ما كانوا يعملون). ولو ان الجانب الخلقي بلغ مبلغ الكمال أو قريبا منه عند الناس جميعا أو عند اكثرهم لاستغنوا عن كثير جدا من الشقين المدني الذي اقتضته نزعات الانحراف ونزوات النفوس لذلك جاء القرآن معنيا جد العناية بالناحية الادبية واكثر فيها من توجيهاته وارشاده مراعاة لان النفس امارة بالسوء فهي بحاجة إلى مقاومة شديدة وانك لتلمس في مطلع الآيات التكليف يقول تعالى: (ان الله يأمركم). وهو يتجه إلى جميع المخاطبين به من وقت حصوله إلى نهاية الدنيا دون استثناء رجل أو امرأة ولا ملك ولا سوقة يقول تعالى: (ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى اهلها)، ويقول تبارك وتعالى: (ياأيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم). ويقول ايضا: (فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم المؤمنين قالت للذي سألها: كان خلقه القرآن ثم قالت ألم تقرأ سورة المؤمنون اقرأ: (قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللهو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون اولئك هم الوارثون). وقد روى البخاري عن عطاء بن يسار عن عبدالله بن عمر قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم موصوف في التوراة بما هو موصوف به في القرآن (ياأيها النبي أنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيراً). وكان صلى الله عليه وسلم اكثر الناس تواضعا واسكنهم في غير كبر وابلغهم في غير تطويل واحسنهم بشرا يحب الطيب ويجالس الفقراء ويواكل المساكين ويكرم اهل الفضل ويتألف اهل الشرف بالبر لهم ويصل رحمه ولا يجفو على احد يعود المرضى في اقصى المدينة يقبل المعذرة المعتذر اليه يخرج ولا يقول إلا حقا ولا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى أو فيما لا يتبعه من اصلاح امره يخرج إلى بساتين اصحابه لايهاب ملكا لملكه ولا يحتقر مسكينا لفقره يدعو هذا وهذا دعاء سواء لا يهول له شيء من امور الدنيا وكان اسخى الناس ولا يبيت عنده دينار ولا درهم ولا يأخذ مما اتاه الله الا قوت عامه فقط وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويخدم في مهنة اهله وكان احلم الناس واعدل الناس واعف واكرم الناس.. ولنا في رسول الله قدوه لمكارم الاخلاق. حسن صلاح عزام