الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 في شهر رمضان تسمو القيم الروحية وتعلو المثل والمبادئ والقيم العليا وهي التي يهدف إليها جوهر الأدب ويتطلع إليها الأدباء في كتاباتهم بغيه نشرها وسيادتها في المجتمع وقد وقف العديد من الأدباء أمام تفاصيل هذا الشهر الفضيل وأبرزوا في كتاباتهم عادات وتقاليد وطقوس رمضان سواء في مجموعاتهم القصصية أو رواياتهم، وعلى الرغم من أن ملامح رمضان في الأدب ليست بارزة وخاصة في الأدب الحديث ولم يتم اتخاذها كمحور أوجوهر عمل أدبي قائم بذاته إلا أننا نجد العديد من المبدعين قد تناولوا هذا الشهر الكريم ووصفوا الكثير من ملامحه وطقوسه في كتاباتهم ويأتي في مقدمتهم الأديب الكبير نجيب محفوظ الذي تأمل كثيرا تفاصيل ممارسة الإنسان البسيط الذي يقطن في حواري القاهرة لطقوس شهر رمضان في مواضع عديدة من روايته التي تحمل اسم حي «خان الخليلي» ابتداء من رصد الأيام التي يترقب فيها الناس قدوم رمضان واستعدادهم النفسي والمادي له يقول محفوظ في هذه الرواية «واقترب رمضان ولم يعد يفصل بين هلاله وبين الطلوع سوى أيام قليلة ولكن رمضان لا يأتي على غرة أبدا، وتسبقه عادة أهبة تليق بمكانته المقدسة، ولم تغفل أم أحمد ـ أحدى بطلات الرواية عن ذلك، وكانت في الواقع المسئولة الاولى عن جلال الشهر وجماله، فجعلت منه يوما حديث الأسرة قائلة: انه شهر له حقوق كما عليه واجبات، وكان قولها موجها لأحمد ابنها الموظف بإدارة الأشغال فأدرك مغزاه.. فانشغلت الأم في الأيام الباقية بتهيئة المطبخ وتبيض الاواني وتخزين ما تيسر من الدقيق والسكر والبصل والتوابل، وكان لمقدم رمضان في نفسها فرحة وسرور فرمضان هو شهر المطبخ كما هو شهر الصيام، وأجمل من هذا أنه شهر الليالي الساهرة والزيارات الممتعة حيث تدور الأحاديث على تسالي اللب والجوز والفستق». ثم بعد ذلك يرصد أديبنا الكبير ـ من خلال روايته ـ احتفال ليلة رؤية هلال شهر رمضان. ويقول: وجاء مساء الرؤية وانتظر الناس بعد الغروب يتساءلون، وعند العشاء أضاءت مأذنة الحسين ـ إيذانا بشهود الرؤية ـ وقد استعانوا بالإضاءة على إطلاق المدفع لظروف الطوارئ ـ وزينت المأذنة بعقود المصابيح مرسلة على العالمين ضياء فطاف بالحي وما حوله جماعات مطبلة هاتفه( صيام.. صيام.) كما الإسلام ) فقابلها العلماء بالهتاف والبنات بالزغاريد وشاع سرور في الحي كله. كما يصف نجيب محفوظ ليالي رمضان هكذا: «إنه النور والسرور انه الليل المنير اليقظان، إنه الليل العامر والسمار والمنشدون واللهو البرئ، وفي أيام الفتوة والصحة، كنت أسير قبيل السحور بساعة في جمع من الاخوان من السكاكيني إلى حينا هذا، نتسحر كوارع في الحسين، ونستمع إلى أذان على محمود ثم نعود في الصباح الباكر». كما يصف فرحة المصريين بمدفع الافطار هكذا «وحانت اللحظة المرتقبة. فدوى المدفع.وتصايح الأطفال في الحارة وانساب صوت المؤذن جميلا رائقا (الله أكبر) والتف ثلاثتهم حول السفرة ثم غيروا ريقهم على عصير قمر الدين حتى رووا ظمأهم، وأتت الأم بطبق الفول المدمس فأقبلوا عليه بنهم شديد وتركوه أبيض من غير سوء». القاهرة القديمة وكما تركت احتفالات ليالي رمضان وطقوسه تأثيرا بالغا على نجيب محفوظ، فإنها شغلت الأديب يحيى حقي الذي عاش فترة صباه في حي السيدة زينب في القاهرة القديمة التي يصفها هكذا «أم المآذن والقباب ومساجد آية في الجمال.. مزار أهل البيت. لا ينقطع الطواف. والتمسح بأعتابها، هنا أعياد المولد النبي ورؤية هلال رمضان، وفم الخليج وطلعة المحمل وفنجرة شم النسيم ومواكب الطوائف وأبو الغيط، ومواكب الطرق الصوفية بالبنادر والدفوف والبيارق. وفي حي السيدة زينب ابدع يحيى حقي رائعته «قنديل أم هاشم» التي صورت حياة أسرة مصرية بسيطة لحظة وصول ابنها العزيز إسماعيل العائد توا من أوروبا حيث كان يدرس الطب، واستطاع أديبنا الراحل أن يتجول في أغوار بطل هذه الرواية «إسماعيل» الذي عاش في إنجلترا المغايرة تماما لمجتمعه الشرقي متجسد في حي السيدة زينب العتيق، فتضاربت القيم والمعتقدات داخله وتنازعته الافكار والاهواء. ويأتي أول يوم شهر رمضان على «إسماعيل» عقب عودته من إنجلترا مباشرة فيقع في مأزق يصفة يحيى حقي هكذا «فما خطر له أن يصوم، ابتداء يطيل وقفته في الميدان، ويتدبر ويتحدث مع نفسه، لماذا خاب؟! ودار بعينيه في الميدان.. ما يظن أن هناك شعبا كالمصريين حافظ على طابعه وميزته، رغم تقلب الحوادث وتغير الحاكمين، ابن البلد يمر أمامه وكأنه خارج من صفحات الجبرتي». وعندما حلت ليلة القدر فإن احتفالات المصريين بها تنجح في رفع الشوائب الأوروبية من على قلب إسماعيل، وتعيده إلى طفولته في جنبات الحي العتيق: «انتبه لها إسماعيل، ففي قلبه لذكراها حنان غريب، ربي على إجلالها والإيمان بفضائلها ومنزلتها بين الليالي، لا يشعر في ليلة أخرى ـ حتى ليلة العيد ـ بمثل ما يشعر به فيها من خشوع وقنوت لله، وهي في زهنه غرة بيضاء وسط سواد الليل.. أين أنت أيها النور الذي غبت عني دهرا؟! لقد زالت الغشاوة لا علم بلا إيمان. خيال ممتد ومثلما أغرت احتفالات وطقوس المصريين في شهر رمضان مخيلة الروائيين، فإنها أدهشت وأسرت المع الكتاب، فسجلوا العديد من ذكرياتهم في رمضان، ومنهم فتحي رضوان الذي رسم صورة تصف شخصية المسحراتي في أحد الشوارع قال فيها: هي ظاهرة معروفة لكل مصري في القاهرة وفي غيرها تلك ظاهرة المسحراتي الذي يطوف بطبلة صغيرة في أحدى يدية وجلدة في يده الأخرى، يدق الطبلة بالجلدة في ليالي رمضان داعيا إلى الاستيقاظ، وتناول السحور، ولكن مسحراتي شارع السلامة كان شخصية فنية فذة لا يضارعه في سحر غنائه مسحراتي آخر، ممن سمعت في أحياء الاسكندرية وطنطا وبني سويف وأسيوط، وهي بلاد اقمت فيها وصمت خلال اقامتي بها شهر رمضان، وسمعت صوت المسحراتي، فلم أسمع فيها جميعا صوتا لمسحراتي كهذا الذي كان يوقظنا في الليل البهيم، في شارع سلامة، لتناول طعامنا، ولم يكن صوته غريباً انما كان صوتا حيا منعشا فياضا بالبهجة وكان صاحبه شاعرا شعبيا ينظم المعاني الجميلة، في الفاظ جميلة ويحيى بها أهل كل بيت. طريقة جذابة وكذلك شغلت احتفاليات رمضان وطقوسه الكاتب الراحل حافظ محمود شيخ الصحفيين المصريين ونقيبهم الأسبق، فأفرد فصلا كاملا في كتابة (القاهرة بين جبلين) لذكرياته الرمضانية تتميز بطريقته الجذابة المعروفة، وأسلوبه الرشيق، ومن الذكريات التي أوردها فيه قوله: كان مجتمع رمضان في البيوت لا يكاد يختلف في بيت عن الآخر فجلسة السحر التي يتبعها اتمام السحور، ثم الانصات الى اذان الفجر، حيث يتلوه اصطفاف اعضاء الاسرة من الجنسين بإمامة رب الاسرة لآداء الصلاة، لقد كان الاصطفاف الاسري في طابور الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام رمضان مرتين، مرة عقب صلاة الفجر والاخرى عقب أذان المغرب، فعند المغرب تفرد سيدة الدار سجاجيد الصلاة، حتى اذا ماانطلق مدفع الافطار ادارت على اعضاء الاسرة أكواب الياميش ثم يقوم الجميع رجالا ونساء الى صلاة المغرب، ثم يلتفون حول المائدة لتناول افطارهم.. اما المجتمع خارج البيوت، فكان له شأن اخر وكان هذا المجتمع له طابعان: طابع الحي الحسيني وطابع حي عماد الدين، في الحسين كانت الزينات على واجهة المقاهي حيث لكل مقهى طرقه الخاصة للاحتفال بنجوم الفكاهة الذين يسهرون فيه، في شارع عماد الدين كانت المسارح تستعد بتمثلياتها خاصة شهر رمضان يراعى فيه جانب الحشمة في المعاني التي تستهدفها، لقد كان المجتمع يرى ان رمضان شهر دين ودنيا، شهر دين بالاكثار من العبادات فضلا عن الصوم نفسه، وشهر دنيا في سهرات الشهر الفضيل، وكان الناس يلتفون في ساحات البيوت القديمة في القاهرة القديمة التي تقع حول مسجد الحسين، وفي الساحات كانت تقام صلاة الجمعة والتراويح، ثم تتلوها حلقات الذكر التي تصدرها منشدون من ذوي الأصوات الرخيمة، حتى اذا فرغ الحاضرون من اذكارهم دارت عليهم أكواب القرفة، الشراب الوطني المفضل في شهر رمضان، مع احتساء أكواب القرفة يتبارى الشعراء والزجالون في القاء قصائدهم، وكثيرا ما كانت اشعارهم تصحبها الفكاهات اللطيفة. وأخيرا من ذكريات حافظ محمود حول فوانيس رمضان نختار: (كان الصبية يشكلون بهذه الفوانيس حلقة مضيئة بأضواء بيضاء وحمراء وخضراء تبعا لألوان زجاج الفوانيس وقد اقتضى التطور الثقافي بين الصبية ان يتوسط هذه الحلقة صبي أو صبية يحمل فانوساً كبيراً، وقد ركب في قمته علم، لقد دخلت الوطنية عالم صناعة الفوانيس وامتد التطور بلعبتها لكي تصبح وسيلة من وسائل التوعية الوطنية، بعدما كانت مجرد اداة للهو ابناء الفقراء الذين يطلبون شيئا من خيرات رمضان. القاهرة ـ محمد الصادق: